ذكرت وكالة بلومبرج، أن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم الانتقادات الواسعة التي تواجهها داخليًا وخارجيًا، باتت ترسخ واقعًا جديدًا في السياسة التجارية الأمريكية، وسط توقعات بأن يصعب على أي إدارة مستقبلية التخلي عنها بشكل كامل لما توفره من أدوات ضغط وإيرادات للخزانة.
وأوضحت الوكالة أن ترامب، الذي يتبنى منذ سنوات نهجًا تجاريًا حمائيًا، يرى أن الرسوم الجمركية أسهمت في تعزيز الاقتصاد الأمريكي، كما يستخدمها وسيلة للضغط في المفاوضات مع الشركاء التجاريين، ولا يزال يلوح بفرض مزيد من الرسوم على دول حليفة، رغم استمرار تراجع شعبيتها بين الناخبين في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم.
وأضافت أن خبراء يرون أن أي رئيس أمريكي مقبل، حتى وإن كان من الحزب الديمقراطي، قد يكتفي بإدخال تعديلات على هذه الرسوم لتحسين العلاقات مع الحلفاء والحد من آثارها الاقتصادية، دون إلغائها بالكامل، مستشهدين بإبقاء الرئيس السابق جو بايدن على معظم الرسوم التي فرضها ترامب على الصين، بل وتوسيع نطاق بعضها.
وقال جوش ليبسكي، نائب رئيس المجلس الأطلسي ورئيس قسم الاقتصاد الدولي، إن الرسوم الجمركية أصبحت أكثر رسوخًا مما يعتقده كثيرون، مشيرًا إلى أنها باتت جزءًا من ترتيبات تجارية أوسع، فضلاً عن مساهمتها في توفير إيرادات للحكومة الأمريكية، وهو ما يجعل التخلي عنها أمرًا بالغ الصعوبة.
وأشارت “بلومبرج” إلى أن أحدث حزمة من الرسوم الجمركية، التي دخلت حيز التنفيذ الجمعة، تفرض رسومًا تتراوح بين 10% و12.5% على واردات معظم الشركاء التجاريين، استنادًا إلى اتهامات وجهتها إدارة ترامب لتلك الدول بعدم اتخاذ إجراءات كافية لمنع استخدام العمالة القسرية في سلاسل التوريد، وهي اتهامات نفتها عدة دول ووصفتها بأنها تفتقر إلى الأدلة.
ونقلت الوكالة عن مسؤول في إحدى دول الاتحاد الأوروبي قوله إن من غير المرجح إلغاء هذه الرسوم في المستقبل القريب، كما أن العودة إلى مستويات الرسوم التي كانت سائدة قبل إدارة ترامب تبدو مستبعدة، في ظل استمرار التوجه الأمريكي نحو استخدام الرسوم الجمركية كأداة في السياسة التجارية، بغض النظر عن الحزب الحاكم.
وفي السياق ذاته، أظهر تقدير لمركز السياسات الضريبية الأمريكي أن الرسوم الجمركية قد تدر نحو 1.7 تريليون دولار على الخزانة الأمريكية خلال السنوات العشر المقبلة، منها نحو 179 مليار دولار في عام 2026، مع توقعات بانخفاض الإيرادات تدريجيًا نتيجة تراجع الاعتماد على الواردات مرتفعة الرسوم.
ولفتت الوكالة إلى أن هذه الرسوم، رغم مساهمتها في زيادة الإيرادات وتقليص عجز الموازنة على المدى القصير، قد تؤثر سلبًا في وتيرة النمو الاقتصادي، كما أن الجولة الأخيرة منها لن تعوض سوى أقل من 60% من الإيرادات التي فقدت بعد إبطال المحكمة العليا الرسوم الطارئة السابقة.
وأضافت أن ترامب يواصل تعديل بعض الرسوم بدلاً من التراجع عنها، حيث قرر خفض الرسوم على بعض واردات الألومنيوم إلى النصف بهدف تشجيع زيادة إنتاج وصهر الألومنيوم داخل الولايات المتحدة، بعد إقراره باستمرار نقص الإمدادات اللازمة للاقتصاد الأمريكي والقطاع الدفاعي.
وأشارت “بلومبرج” إلى أن سياسة الرسوم الجمركية أصبحت محورًا رئيسيًا في الحملات السياسية قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، إذ يستغل الديمقراطية الملف لاتهام إدارة ترامب بالمساهمة في رفع الأسعار، بينما أظهر استطلاع لمؤسسة “يوجوف” أن 72% من الأمريكيين يعتقدون أن الرسوم الجمركية أدت إلى زيادة أسعار السلع التي يشترونها.
وفي الوقت نفسه، يواجه ترامب تحديات قانونية، بعدما رفعت شركات أمريكية صغيرة دعاوى أمام محكمة التجارة الدولية، متهمة الإدارة باستخدام أحكام قانون التجارة لعام 1974 بصورة غير قانونية لفرض الرسوم، إلا أن خبراء قانونيين يرجحون استمرار العمل بها، نظرة لتمتعها بأساس قانوني أقوى مقارنة ببعض الإجراءات السابقة.
ورأت الوكالة أن اعتماد الحكومة الأمريكية المتزايد على الإيرادات المتأتية من الرسوم الجمركية، إلى جانب تحولها إلى أداة تفاوضية رئيسية في السياسة التجارية، سيجعل من الصعب على الإدارات المقبلة التخلي عنها بالكامل، حتى مع تصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية لإعادة النظر فيها.








