بدأت جمعيات المستثمرين، إعداد تصور لعرضه على وزارة العمل يتضمن عدداً من المقترحات لتنظيم سوق انتقال العمالة بين المصانع، بعد تصاعد شكاوى المصنعين من ارتفاع معدلات دوران العمالة وتأثيرها على الإنتاج والتصدير والتوسع الاستثمارى.
وأكد مستثمرون وخبراء تحدثوا لـ«البورصة»، أن معالجة الأزمة لا تستلزم تقييد حرية انتقال العامل، وإنما تتطلب إنشاء منظومة متكاملة لإدارة سوق العمل، تشمل قاعدة بيانات قومية للعمالة، والتوسع فى التدريب والتعليم الفنى، وتحسين بيئة العمل، بما يحقق التوازن بين حقوق العمال وحماية استثمارات المصانع فى تأهيل الكوادر الفنية.
وبحسب وزارة العمل، يبلغ حجم العمال في القطاع الصناعي نحو 3.5 مليون عامل وعاملة، بما يمثل 7.5% من إجمالي قوة العمل، فيما تستهدف الدولة رفع عدد العاملين بالقطاع إلى 8 ملايين عامل بحلول عام 2030، بما يعادل نحو 20% من إجمالي العمالة، في إطار خطط التوسع الصناعي وزيادة مساهمة الصناعة في الاقتصاد.
الخولى: الأزمة لا ترتبط بالأجور فقط وإنما بتغير ثقافة العمل لدى الشباب
قال وائل الخولي، نائب رئيس جمعية مستثمري السادس من أكتوبر، إن الجمعية تلقت خلال الفترة الماضية العديد من شكاوى المصانع بشأن تصاعد ظاهرة تنقل العمالة بين المنشآت الصناعية، مشيرًا إلى أن أحد الأسباب التي يطرحها المستثمرون يتمثل في عدم وجود بنود تعاقدية تنظم انتقال العامل أو تلزمه بالاستمرار لفترة محددة بعد حصوله على التدريب.
وأضاف أن الجمعية تعمل حاليًا على إعداد تقرير يتضمن حجم الظاهرة وتأثيرها على المصانع، تمهيدًا لعرضه على الجهات المعنية وبحث آليات تنظيم سوق العمل بما يحقق التوازن بين حقوق العامل وحماية استثمارات المصانع.
وأوضح الخولي، أن أزمة انتقال العمال بين المصانع تعكس فى الأساس نقصًا واضحًا فى المعروض من العمالة الفنية، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات دوران العمال داخل العديد من القطاعات الصناعية، خاصة الصناعات كثيفة العمالة مثل الملابس الجاهزة، موضحًا أن المصانع لم تعد تتنافس على العمال المدربين فقط، بل أصبحت تواجه صعوبة أيضًا فى جذب العمالة غير المدربة وتأهيلها.
أضاف أن الأزمة لا ترتبط بالأجور فقط، وإنما بتغير ثقافة العمل لدى شريحة من الشباب، إذ يفضل البعض العمل فى أنشطة الاقتصاد غير الرسمى، مثل قيادة «التوك توك» أو أعمال الخدمات، لما توفره من دخل سريع ومرونة فى ساعات العمل، بعيدًا عن الالتزام الذى تتطلبه الوظائف الصناعية.
وأشار إلى أن خفض الأعباء المرتبطة بالعمل الرسمى، وعلى رأسها تكلفة التأمينات، قد يسهم فى زيادة جاذبية العمل بالمصانع، إلى جانب استمرار جهود الدولة فى دعم التشغيل الرسمى وتوسيع قاعدة العمال المؤهلين.
وقال أيمن رضا، الأمين العام لجمعية مستثمرى العاشر من رمضان، إن الجمعية تبنت فى وقت سابق مشروعًا لإنشاء مدينة سكنية للعمالة بالقرب من المنطقة الصناعية، بهدف توفير سكن مناسب للعمالة المغتربة وتقليل الوقت والتكلفة التى تتحملها فى الانتقال اليومى، بما يدعم استقرارها داخل المصانع ويحد من معدلات ترك العمل.
وأشار إلى أن المنطقة الصناعية كانت تحتاج إلى نحو 20 ألف عامل، فى حين وصلت معدلات دوران العمالة فى بعض المصانع إلى 40%، وهو ما يعكس حجم التحدى الذى تواجهه المصانع فى الاحتفاظ بالعمال المدربين.
أضاف رضا، أن الجمعية سبق أن عملت على تنفيذ مشروع لإنشاء مدينة سكنية للعمالة بالقرب من المنطقة الصناعية، بهدف توفير سكن مناسب للعاملين والحد من معدلات ترك العمل، موضحًا أن المشروع كان عبارة عن مدينة على مساحة 26 فدانًا تضم 1776 وحدة سكنية، إلا أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، لم تكن كافية لمعالجة أزمة نقص العمالة وارتفاع معدلات دورانها، وهو ما يستلزم حزمة أوسع من الإجراءات لدعم استقرار سوق العمل الصناعي.
المنزلاوي: “إخلاء الطرف” وتعديل العقود ضرورة لحماية استثمارات التدريب
وأكد مجد الدين المنزلاوى، رئيس لجنة الصناعة بجمعية رجال الأعمال المصريين، أن أزمة تنقل العمال بين المصانع أصبحت من أبرز التحديات التى تواجه القطاع الصناعى، ما يستدعى وضع آلية تنظيمية واضحة من جانب وزارة العمل تحقق التوازن بين حقوق العامل وحقوق أصحاب الأعمال.
أضاف أن تنظيم انتقال العمال يجب أن يرتبط بالحصول على إخلاء طرف من جهة العمل الحالية، مع مراجعة بعض بنود عقود العمل بما يحافظ على استثمارات الشركات فى تدريب وتأهيل العمالة، موضحًا أنه من غير المنطقى أن تتحمل المصانع تكلفة تدريب العامل لسنوات ثم ينتقل مباشرة إلى شركة منافسة.
وأشار المنزلاوي، إلى أن استقطاب العمالة المدربة أصبح ظاهرة متزايدة، سواء من المصانع المحلية أو الشركات الأجنبية الجديدة، مطالبًا بإلزام المصانع الجديدة، خاصة الأجنبية، بتنفيذ برامج لتدريب عمالة جديدة قبل بدء التشغيل، بدلًا من الاعتماد على جذب العمالة الجاهزة.
هنو: ارتفاع تكلفة المواصلات يدفع الشباب نحو القطاعات الخدمية
وقال محمد هنو، مستشار رئيس مجلس إدارة جمعية رجال أعمال الإسكندرية، إن أزمة العمالة لا ترتبط فقط بتنقل العامل بين المصانع، وإنما تعود إلى مجموعة من الأسباب، فى مقدمتها نقص العمال المدربين، ومحدودية مخرجات التعليم الفني، إلى جانب المنافسة المتزايدة من قطاعات الخدمات والعمل الحر.
أضاف أن تمركز المناطق الصناعية بعيدًا عن الكتل السكنية يرفع تكلفة انتقال العمال ويستهلك جزءًا كبيرًا من دخولهم، ما يدفع كثيرين إلى الاتجاه لأنشطة خدمية مثل التوصيل والعمل الحر.
الأباصيري: العجز في مصانع مدينة مايو وصل إلى 15%
وكشف عبد الغني الأباصيري، رئيس جمعية مستثمري 15 مايو، عن أن نسبة العجز في العمال داخل بعض المصانع بالمنطقة تدور حول 15% وقد ترتفع إلى مستويات أكبر وفقاً لطبيعة النشاط وحجم التوسعات.
أضاف أن جميع المصانع تقريباً تعاني من وجود وظائف شاغرة، خاصة في التخصصات الفنية مثل الكهرباء والميكانيكا وتشغيل الماكينات والإشراف على خطوط الإنتاج، موضحاً أن أغلب الشباب يفضلون الوظائف المكتبية على العمل داخل المصانع، وهو ما يزيد صعوبة توفير العمال المؤهلين.
وأشار الأباصيري، إلى أن ارتفاع معدلات الاستثمارات الجديدة، سواء المحلية أو الأجنبية، أدى إلى زيادة المنافسة على العمالة المدربة، لافتاً إلى أن العديد من المصانع الجديدة تستقطب العمالة الجاهزة من المصانع القائمة بدلاً من الاستثمار في تدريب كوادر جديدة.
وأوضح أن انتقال العمالة المدربة ينعكس سلباً على جودة الإنتاج والقدرة على الوفاء بالتعاقدات، إذ تضطر المصانع إلى تدريب عمالة جديدة بشكل مستمر، وهو ما يستغرق وقتاً ويرفع التكلفة ويؤثر على معدلات الإنتاجية.
أضاف أن المصانع الجديدة، خاصة في المناطق الصناعية الكبرى مثل العين السخنة، تنجح في جذب العمالة من خلال توفير رواتب أعلى، إلى جانب السكن ووسائل الانتقال الأسبوعية، وهو ما يزيد الضغوط على المصانع القائمة التي تواجه بالفعل ارتفاعاً في تكاليف التشغيل.
السقطى: منصة وطنية للعمالة أفضل من فرض قيود على انتقال العامل
وقال علاء السقطى، نائب رئيس الاتحاد المصرى لجمعيات المستثمرين، إن فرض قيود قانونية على انتقال العامل لن يكون الحل الأمثل، وإنما المطلوب إنشاء منصة وطنية موحدة تحت إشراف وزارة العمل تضم قاعدة بيانات دقيقة للعمالة المدربة وغير المدربة موزعة جغرافيًا ووفقًا للتخصصات، بما يساعد المصانع على الوصول إلى احتياجاتها بسهولة ويمكن الدولة من التخطيط لسوق العمل.
وحذر من تفاقم الأزمة خلال السنوات المقبلة مع زيادة الطلب الخارجى على العمالة المصرية المدربة .. الأمر الذى يتطلب الإسراع فى إعداد كوادر جديدة تلائم احتياجات الصناعة.
الجمل: الاستقرار يتحقق بالأجور العادلة
وتحدث عبد المنعم الجمل، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، موضحًا أن معالجة الأزمة يجب أن تحقق التوازن بين حق المستثمر فى الحفاظ على استثماراته فى تدريب العمالة، وحق العامل فى اختيار فرصة العمل التى تحقق له دخلاً أفضل ومستقبلاً أكثر استقرارًا.
أضاف أن الاتحاد يرفض فرض قيود على انتقال العامل بين المصانع، مؤكدًا أن الاحتفاظ بالعمالة لا يتحقق بالإجراءات المقيدة، وإنما من خلال توفير أجور عادلة وحوافز مناسبة وفرص حقيقية للتدريب والترقى.
عبد الرحيم: نظرة المجتمع السلبية وراء نقص الخريجين
وقال محمد عبد الرحيم، مدير الوحدة الإقليمية للتعليم والتدريب المزدوج التكنولوجى بالإسماعيلية التابعة للاتحاد المصرى لجمعيات المستثمرين، إن أزمة نقص العمالة الفنية تعود فى جانب كبير منها إلى ضعف الإقبال على التعليم الفنى نتيجة النظرة المجتمعية السلبية له.
أضاف أن منظومة مدارس التكنولوجيا التطبيقية والتدريب المزدوج تسعى لربط التعليم باحتياجات الصناعة، إلا أن نجاحها يتطلب زيادة وعى أولياء الأمور والطلاب بأهمية التعليم الفنى باعتباره المسار الرئيسى لإعداد العمالة الماهرة.
وأوضح عبد الرحيم، أن أعداد الخريجين لا تزال أقل من احتياجات سوق العمل، مشيرًا إلى أن جميع التخصصات الصناعية تعانى نقصًا فى العمالة، بينما تعد الملابس الجاهزة الأكثر احتياجًا للعمالة بسبب طبيعتها كثيفة العمالة.
المرشدي: الأجور العادلة والتوسع في التعليم الفني مفتاح الاحتفاظ بالعمالة
وقال محمد المرشدي، رئيس جمعية مستثمري العبور، إن معالجة أزمة تنقل العمالة بين المصانع تبدأ من زيادة المعروض من العمالة الفنية المؤهلة، من خلال التوسع في التعليم الفني وربطه باحتياجات المناطق الصناعية، مشيرًا إلى أن الدولة مع جذب استثمارات صناعية جديدة مطالبة أيضًا بتوفير الكوادر البشرية القادرة على تشغيلها.
أضاف أن تطوير منظومة التعليم الفني وتوجيه تخصصاتها وفق احتياجات كل منطقة صناعية يمثل أحد أهم الحلول المستدامة للأزمة، بحيث يتم إعداد خريجين مؤهلين للعمل في القطاعات الصناعية المختلفة، بما يحد من الفجوة الحالية بين العرض والطلب على العمالة.
ورفض المرشدي ، فرض قيود أو تدخلات تنظيمية في العلاقة بين العامل وصاحب العمل، معتبرًا أن هذه العلاقة يجب أن تقوم على التوافق والمصلحة المشتركة، وأن أي تدخل قد يخل بتوازنها الطبيعي.
وأوضح أن احتفاظ المصنع بالعمالة المدربة لا يتحقق من خلال بنود تمنع انتقال العامل، وإنما عبر توفير أجور عادلة تتناسب مع خبراته المتزايدة، وحوافز وبيئة عمل مستقرة تشجعه على الاستمرار.
الشندويلي: مدرسة سوهاج لا تخرج سوى 130 طالبًا سنويًا
وقال محمود فرغل الشندويلي، رئيس جمعية مستثمري سوهاج، إن نقص العمالة الفنية لن يُعالج دون التوسع في منظومة التعليم والتدريب المزدوج، مؤكدًا أن الجمعية تعمل منذ سنوات على دعم هذا النموذج لتوفير العمالة المؤهلة التي تحتاجها المصانع.
وأضاف أن الجمعية تابعت على مدار أكثر من 25 عامًا منظومة التعليم المزدوج بالمحافظة، كما عملت على إنشاء مدرسة جديدة للتعليم والتدريب المزدوج تضم تخصصات يحتاجها القطاع الصناعي.. لكن المشروع لم يدخل الخدمة حتى الآن رغم الانتهاء من أعمال الإنشاء، وهو ما يحرم المصانع من مصدر مهم لتخريج العمالة الفنية المدربة.
وأوضح أن المدرسة الجديدة تستهدف تخريج كوادر في تخصصات تعاني المصانع نقصًا فيها، تشمل الصناعات الخشبية، وميكانيكا السيارات، والتبريد والتكييف، بعد إعداد دراسة لاحتياجات المصانع وتجهيز أماكن التدريب العملي داخل الشركات، لافتًا إلى أن المدرسة الحالية لا تخرج سوى نحو 120 ـ 130 طالبًا سنويًا، وهو عدد لا يتناسب مع احتياجات القطاع الصناعي المتزايدة.
وأكد الشندويلي أن الإسراع في تشغيل المدرسة سيسهم في زيادة أعداد العمالة الفنية المؤهلة، وتقليل الفجوة التي تعانيها المصانع، خاصة مع استمرار التوسع في الاستثمارات الصناعية بمحافظات الصعيد.
طلبة: زيادة الأجور ليست كافية لمعالجة الأزمة دون إصلاحات هيكلية
وقال مجدى طلبة، رئيس شركة «تى آند سى» للملابس الجاهزة، إن مواجهة أزمة العمالة تتطلب استراتيجية طويلة الأجل تبدأ بتطوير منظومة التعليم الفنى وربطها باحتياجات الصناعة، والحد من تسرب الشباب إلى أنشطة الاقتصاد غير الرسمى التى توفر دخلاً سريعًا.
وأضاف أن تحسين بيئة العمل، وتوفير مسار مهنى واضح للعامل، إلى جانب برامج التدريب المستمر، تمثل عناصر أساسية للحفاظ على العمالة المدربة، مؤكدًا أن زيادة الأجور وحدها لن تكون كافية لمعالجة الأزمة دون إصلاحات هيكلية فى سوق العمل.








