قال المركز المصري للدراسات الاقتصادية، إن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب على إيران واحتمالات اضطراب إمدادات الطاقة العالمية، أعادت ملف تسعير الطاقة إلى صدارة أولويات السياسات الاقتصادية، مؤكداً أن مصر أصبحت أكثر حساسية لتقلبات أسعار النفط والغاز باعتبارها مستورداً صافياً للطاقة، وهو ما يفرض ضرورة تطوير آليات تسعير المنتجات البترولية والغاز الطبيعي بما يحقق الشفافية ويعزز القدرة على التنبؤ ويحد من الضغوط على الموازنة العامة.
وأوضح المركز أن التجارب الدولية تتجه بشكل متزايد نحو تطبيق آليات تسعير شفافة، سواء من خلال تحرير الأسعار وفقاً لقوى السوق أو عبر آليات تسعير تلقائي تعتمد على معادلات معلنة يتم تحديثها بصورة دورية، بما يسمح بتمرير التغيرات العالمية تدريجياً إلى الأسواق المحلية، ويعزز ثقة المستثمرين ويخفض حالة عدم اليقين.
وأشار إلى أن مصر قطعت شوطاً في إصلاح منظومة تسعير المنتجات البترولية منذ عام 2019 عبر تطبيق آلية التسعير التلقائي لبعض المنتجات، إلا أن التطبيق لم يكن منتظماً، إذ تم تجميد الأسعار لفترات تجاوزت المواعيد المقررة للمراجعة، وهو ما حدّ من فاعلية الآلية في عكس المتغيرات العالمية، كما أن معادلة التسعير نفسها لا تزال غير معلنة بشكل رسمي، الأمر الذي يقلل من مستوى الشفافية.
وأضاف أن وضع الغاز الطبيعي يختلف عن المنتجات البترولية، إذ لا تزال أسعاره تُحدد بقرارات إدارية دون الإفصاح عن الأسس أو المعادلة المستخدمة في التسعير، مع اختلاف الأسعار بين القطاعات المختلفة، وهو ما يجعل آلية التسعير أقل وضوحاً مقارنة بالممارسات المتبعة في غالبية الأسواق العالمية.
وأكد المركز أن معظم الاقتصادات المتقدمة، إلى جانب عدد كبير من الأسواق الناشئة مثل الهند والصين وتركيا والبرازيل والمغرب، اتجهت إلى تطوير منظومات تسعير تتسم بالشفافية وقابلية التنبؤ، مع مراجعات دورية منتظمة للأسعار، الأمر الذي أسهم في تحسين كفاءة الأسواق وجذب الاستثمارات في قطاع الطاقة.
ورأى أن إصلاح منظومة التسعير في مصر ينبغي ألا يقتصر على الجوانب المالية، وإنما يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية وطنية متكاملة للطاقة تربط بين سياسات التسعير وأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مع توحيد الرؤية بين الجهات المختلفة المسؤولة عن قطاع الطاقة.
وشدد المركز، على أن غياب استراتيجية موحدة لإدارة قطاع الطاقة يؤدي إلى تشتت السياسات بين جهات متعددة، كما أن استمرار اختلاف آليات التسعير بين المنتجات البترولية والغاز والكهرباء يخلق تشوهات سعرية ويؤخر تحقيق إصلاح شامل ومستدام.
ودعا المركز، إلى نشر معادلات التسعير بصورة واضحة، والالتزام بجداول زمنية ثابتة لمراجعة الأسعار، مع توسيع نطاق الإصلاح ليشمل جميع مصادر الطاقة، وتبني سياسات داعمة للاستثمار في الطاقة المتجددة وكفاءة استخدام الطاقة، بالتوازي مع تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية لحماية الفئات الأكثر تأثراً بإصلاحات الأسعار.
واختتم بالتأكيد على أن أفضل الممارسات العالمية أثبتت أن نجاح إصلاح تسعير الطاقة يرتبط بوجود إطار مؤسسي واضح، وشفافية في اتخاذ القرار، ومشاركة أصحاب المصلحة، إلى جانب توجيه وفورات الإصلاح لدعم الاستثمار في البنية التحتية للطاقة، والاستكشاف والإنتاج، والتوسع في مشروعات الطاقة النظيفة، بما يعزز أمن الطاقة ويضمن استدامة النمو الاقتصادي.








