بعد سنوات من التباطؤ والتوقف الفعلى، تعود مبادرة إحلال السيارات المتقادمة إلى واجهة المشهد الصناعى والاستثمارى مجددًا، وسط ترقب واسع من مصنعى السيارات، وشركات الصناعات المغذية، وقطاع إعادة تدوير الخردة.
تأتى عودة المبادرة فى ظل ظروف اقتصادية أكثر تعقيدًا مقارنة بلحظة إطلاقها الأولى فى يناير 2021؛ ما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة النسخة المرتقبة على التحول إلى رافعة مستدامة للتصنيع المحلى، أم الاكتفاء بكونها محفزًا مؤقتًا للمبيعات يصطدم بتحديات التمويل وتذبذب أسعار الصرف.
وتراهن الدولة على البرنامج كأداة مزدوجة لتنشيط مبيعات السيارات المجمعة محليًا، ودعم سلاسل التوريد، وتوفير كميات إضافية من خردة السيارات للصناعات المرتبطة، بالتوازى مع تحسين كفاءة أسطول المركبات وخفض الانبعاثات الكربونية.
وقال المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، إن الوزارة تنسق حاليًا مع وزارة المالية لإطلاق البرنامج الجديد، إلى جانب إعداد حزمة من التسهيلات والحوافز لتشجيع أصحاب السيارات القديمة على استبدالها بأخرى حديثة وأكثر كفاءة وأقل تأثيرًا على البيئة.
وأضاف هاشم، خلال لقاء موسع مع المجلس الاستشارى الرئاسى لعلماء وخبراء مصر، ورؤساء وقيادات وممثلى الشركات المصنعة للسيارات والصناعات المغذية، أن الوزارة تعمل بالتوازى على جذب شركات متخصصة فى صناعة المسبوكات لضخ استثمارات جديدة فى السوق المصرى، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتعميق التصنيع المحلى فى الصناعات الثقيلة والهندسية، وعلى رأسها صناعة السيارات.
وأشار إلى أن الوزارة تستهدف بناء منظومة صناعية متكاملة تربط مصانع تجميع السيارات بسلاسل توريد محلية قادرة على إنتاج مكونات مطابقة للمواصفات العالمية للشركات الأم، مع الاستفادة من الكفاءات الهندسية المصرية فى مجالات التصميم الهندسى، وتطوير الأدوات والقوالب والعمليات الصناعية والاختبارات.
وقال خالد سعد، أمين عام رابطة مصنعى السيارات، إن تحركات تجرى بالفعل لإطلاق مبادرة جديدة لإحلال السيارات الملاكى والميكروباص، إلا أنه لم يُعلن رسميًا حتى الآن عن تفاصيل البرنامج أو موعد بدء تنفيذه.
وأضاف لـ«البورصة» أن المؤشرات داخل قطاع السيارات ترجح إطلاق المبادرة قبل نهاية العام الجارى، بعد استكمال الترتيبات التنفيذية وآليات التمويل.
وأوضح أن المرحلة الأولى أسهمت بوضوح فى تنشيط سوق السيارات وزيادة الطلب على السيارات المجمعة محليًا، مدفوعة بالحوافز التى تضمنتها، وعلى رأسها أسعار الفائدة المدعمة، وفترات السداد الطويلة، والأسعار التنافسية، وهو ما انعكس على معدلات الإنتاج والتشغيل لدى شركات التجميع والصناعات المغذية.
وأشار سعد إلى أن المبادرة دعمت كذلك مصانع الصناعات المغذية، ومنها البطاريات والإطارات والمقاعد والفرش وباقى مكونات السيارات، مع ارتفاع الطلب على إنتاجها خلال فترة تنفيذ البرنامج.
لكنه لفت إلى أن النسخة السابقة ركزت بصورة أساسية على تحفيز مبيعات السيارات المجمعة محليًا، دون تحقيق زيادة ملموسة فى نسبة المكون المحلى.
وأوضح أن الدولة تتجه، وفق المؤشرات المتاحة، إلى تبنى حوافز جديدة تستهدف رفع نسبة المكون المحلى، بما يعزز القيمة المضافة للصناعة حال إعادة إطلاق المبادرة.
ويرى سعد أن عودة البرنامج يمكن أن تجذب استثمارات جديدة إلى قطاع الصناعات المغذية، إلى جانب تنشيط سوق السيارات وزيادة المبيعات عبر برامج تمويل ميسرة بفترات سداد ممتدة وأسعار فائدة مناسبة، بما يدعم القدرة الشرائية للمستهلكين.
نقص الدولار أوقف المبادرة.. والتمويل التحدى الأكبر
وقال سعد إن توقف المبادرة جاء فى ظل أزمة نقص النقد الأجنبى والارتفاعات المتتالية فى سعر صرف الدولار، ما رفع تكاليف الإنتاج وجعل من الصعب على الشركات الالتزام بالشروط والأسعار التى كانت مطبقة عند إطلاق البرنامج.
وأضاف أن المبادرة تسهم كذلك فى توفير كميات من خردة السيارات لإعادة تدويرها والاستفادة منها فى عدد من الصناعات، لافتًا إلى أن محدودية مراكز التخريد كانت من أبرز التحديات التى واجهت المرحلة الأولى، مع وجود توجه لمعالجة هذه العقبة حال إعادة إطلاق البرنامج.
وأكد أن استقرار سعر الصرف يمثل أحد أهم عوامل نجاح المبادرة، فى ظل صعوبة التزام الشركات بأسعار أو كميات محددة لفترات طويلة مع استمرار تقلب تكاليف الإنتاج.
وأشار إلى أن توفير آلية تمويل مستدامة سيكون عاملًا حاسمًا لاستمرار البرنامج، خاصة أن المرحلة الأولى اعتمدت على قروض بفائدة مدعمة بلغت 3% وفترات سداد وصلت إلى 10 سنوات، وهى مزايا يصعب تكرارها بالشروط نفسها فى ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية.
وكانت الحكومة قد أطلقت مبادرة إحلال المركبات المتقادمة للعمل بالغاز الطبيعى فى يناير 2021، بهدف استبدال السيارات الملاكى والأجرة والميكروباص التى مر على إنتاجها 20 عامًا فأكثر بأخرى جديدة مجمعة محليًا تعمل بالغاز الطبيعى والوقود المزدوج.
وشملت حزمة الحوافز قروضًا بفائدة سنوية ثابتة 3% وفترات سداد تصل إلى 10 سنوات، إلى جانب تقديم الحافز الأخضر للمستفيدين.
وشهدت المبادرة تباطؤًا ثم توقفًا فعليًا منذ 2024، فى ظل أزمة نقص النقد الأجنبى وارتفاع تكاليف الإنتاج.
38 ألف مركبة تم إحلالها فى المرحلة الأولى
وقال طارق عوض، المتحدث الرسمى السابق باسم مبادرة إحلال المركبات والخبير فى شئون المبادرات والمشروعات القومية، إن إجمالى المركبات التى تم إحلالها ضمن المرحلة الأولى بلغ نحو 38 ألف مركبة.
وأضاف لـ«البورصة» أن المركبات التى شملتها المبادرة تنوعت بين السيارات الملاكى والأجرة والميكروباص، موضحًا أن الملاكى استحوذ على النصيب الأكبر بنحو 25 ألف سيارة، بينما توزعت الأعداد المتبقية بين التاكسى والميكروباص.
وأوضح أن إجمالى الطلبات المقدمة للمبادرة تجاوز 100 ألف طلب، فيما بلغ عدد الطلبات التى استوفت الشروط نحو 42 ألف طلب، إلا أن جزءًا منها لم يستكمل إجراءات الإحلال النهائية، سواء لعدم استكمال المستندات أو لعدم توافق بعض الحالات مع الشروط المطلوبة، فضلًا عن التحديات التى واجهت التنفيذ، ومنها تداعيات جائحة كورونا وتوقف التسجيل لفترات.
وأشار عوض إلى أن محافظات القاهرة الكبرى، التى تضم القاهرة والجيزة والقليوبية، تصدرت أعداد المركبات التى تم إحلالها.
ولفت إلى أن المبادرة تضمنت سيارات مجمعة محليًا من علامات تجارية عدة، منها نيسان وهيونداى وBYD ولادا، إلى جانب ميكروباص كينج لونج، من خلال الشركات والوكلاء والمجمعين المحليين.
خردة السيارات.. مكسب إضافى للمبادرة
وبالتوازى مع أثر المبادرة على سوق السيارات، استفاد قطاع إعادة تدوير الخردة من تدفق المركبات القديمة إلى منظومة التخريد.
وقال أحمد رضوان، رئيس مجلس إدارة شركة الرضوان للمنتجات الحديدية، إن الشركة كانت من أوائل المشاركين فى المرحلة الأولى من مبادرة إحلال المركبات، حيث تولت استقبال السيارات القديمة التى يتم تخريدها ضمن البرنامج.
وأضاف لـ«البورصة» أن الشركة كانت تستقبل ما بين 10 و15 ألف طن من الخردة شهريًا، موضحًا أن خردة السيارات مثلت خلال تلك الفترة نحو 60% من إنتاج الشركة.
وأوضح أن الشركة طورت خطوط الإنتاج استعدادًا لاستقبال كميات كبيرة من السيارات المخردة، فى ظل توقعات بزيادة أعداد المركبات التى ستدخل المنظومة، إلا أن توقف المبادرة حال دون الاستفادة من هذه الاستثمارات بالشكل المخطط له.
وأشار إلى أن عدد السيارات الموجودة فى الحضانات على مستوى الجمهورية يتجاوز 200 إلى 300 ألف سيارة، موضحًا أن جزءًا كبيرًا منها صدر بشأنه أحكام قضائية واجبة التنفيذ تمهيدًا لإعدامها.
وأضاف أن الشركة يمكنها التعاون فى التعامل مع هذه السيارات باعتبارها إحدى الشركات المعتمدة فى مجال إعادة التدوير.
وأكد رضوان استعداد الشركة للمشاركة فى أى مرحلة جديدة من مبادرة إحلال المركبات حال إعادة إطلاقها، مشيرًا إلى وجود أنباء عن منح البنوك دورًا فى المنظومة الجديدة فيما يتعلق ببيع السيارات، إلا أن الشركة لا تزال فى انتظار التعليمات النهائية الخاصة بالبرنامج.
وأوضح أن لدى الشركة خططًا استثمارية ترتبط بإعادة تشغيل منظومة الإحلال، خاصة بعد تطوير خطوط الإنتاج لاستقبال كميات كبيرة من السيارات المخردة.
وأكد امتلاك الشركة القدرة على إنهاء عمليات تخريد السيارات الموجودة فى الحضانات على مستوى الجمهورية خلال عام واحد، حال إسناد المهمة إليها.
وأشار إلى أن الشركة تنتظر إعلان خطة حكومية لإعادة تدوير الخردة المحلية بهدف خفض فاتورة الاستيراد، موضحًا أن هناك توجهًا لاستغلال الهوالك والخردة التابعة للوزارات وهيئات النقل والمراكب وغيرها، وتوجيهها إلى المصانع المحلية لتعزيز الإنتاج.
أثر المبادرة على الخردة محدود
فى المقابل، قلل محمد حنفى، المدير التنفيذى لغرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات، من الأثر المتوقع لعودة المبادرة على سوق الخردة.
وقال إن البرنامج أسهم بالفعل فى توفير كميات من خردة السيارات لصالح شركات الحديد والمسابك، إلا أن توقفه لم يترك أثرًا كبيرًا على السوق، فى ظل اعتماد المصانع بصورة رئيسية على الخردة المستوردة.
وأضاف لـ«البورصة» أن السيارات التى كانت تدخل ضمن المبادرة كانت تُفكك وتُفرم بعد التخريد، ثم تُباع خردتها إلى شركات الحديد أو مسابك المعادن لاستخدامها كأحد مدخلات الإنتاج فى عمليات الصهر.
وأوضح أن توقف المبادرة لم يحدث تأثيرًا ملموسًا على مصانع الحديد، لأن الخردة الناتجة عن السيارات المحلية تمثل نحو 10% فقط من إجمالى احتياجات السوق، بينما يتم استيراد نحو 90% من احتياجات الخردة من الخارج.
واتفق معه حسن المراكبى، رئيس شركة المراكبى للصلب، مؤكدًا أن مبادرة إحلال المركبات قد توفر كميات إضافية من الخردة، لكنها لن تحدث فارقًا جوهريًا فى أداء مصانع الحديد، فى ظل اعتماد القطاع على مصادر أخرى لتوفير احتياجاته من الخام.
وأشار إلى أن تنشيط الطلب فى السوق المحلية يظل العامل الأكثر تأثيرًا فى دعم صناعة الحديد.
قطع الغيار تسبق التخريد
ومن داخل سوق الخردة، قال طارق مصطفى، تاجر خردة سيارات، إن السيارة القديمة لا تتحول بالكامل إلى خردة، إذ يجرى أولًا استخراج الأجزاء الصالحة للاستخدام، مثل المارش والدينامو وناقل الحركة والأبواب والمقاعد، قبل طرحها للبيع فى سوق قطع الغيار المستعملة.
وأضاف لـ«البورصة» أن الأجزاء غير الصالحة للاستخدام تُفكك وتُفرز بحسب نوع المعدن، حيث يُفصل الحديد عن الألومنيوم والمعادن الأخرى، ثم تُباع كل خامة على حدة لمصانع إعادة التدوير والمسابك للاستفادة منها فى عمليات الإنتاج.
وأوضح أن معظم السيارات التى تصل إلى تجار الخردة تكون قديمة الطراز، ويعرضها أصحابها للبيع بسبب ارتفاع تكاليف الصيانة أو صعوبة تشغيلها، أو لعدم جدوى تجديد تراخيصها مقارنة بقيمتها السوقية.
وأشار مصطفى إلى أن أسعار شراء السيارات المخصصة للتخريد تختلف وفقًا لحالتها ومكوناتها، لكنها تتراوح فى المتوسط بين 15 و30 ألف جنيه.
وأضاف أن السيارة، بعد نقلها وتفكيكها وبيع مكوناتها وموادها الخام، تحقق هامش ربح يتراوح بين 500 و1000 جنيه، بعد خصم تكاليف النقل والتشغيل.
ويرى أن أى توسع فى برامج إحلال المركبات من شأنه زيادة المعروض من السيارات الموجهة للتخريد، وهو ما ينعكس على نشاط تجار الخردة وسوق إعادة التدوير، ويضمن توفير كميات أكبر من الخامات المحلية للصناعات المرتبطة بها.






