ارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 14.9% خلال يوليو الماضي، مقابل 14.3% في يونيو، بينما تراجعت الأسعار على أساس شهري بنسبة 0.4%، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وأشار البنك المركزي إلى توقعاته بتسارع التضخم العام خلال الربع الثالث من 2026، وإن كان بوتيرة أقل من التقديرات التي طرحتها لجنة السياسة النقدية خلال اجتماع مايو الماضي، مدفوعًا بتحسن سوق الصرف وانحسار الضغوط التضخمية على نطاق واسع، ما يحد من التأثير السلبي لسنة الأساس خلال الربع الثالث.
وتوقع البنك المركزي أن يعاود التضخم مساره الهبوطي تدريجيًا بعد ذلك، وصولًا إلى مستويات أحادية الرقم، ليقترب من مستهدفه البالغ 7% ±2 نقطة مئوية خلال النصف الثاني من 2027.
نجلة: التضخم سيتحرك في نطاق ضيق.. و«المركزي» سيحافظ على أسعار الفائدة
وقال محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي لإدارة الاستثمارات المالية، إن بيانات التضخم خلال يوليو جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التوقعات، في ظل تحركات محدودة صعودًا وهبوطًا، بما يعكس استقرارًا نسبيًا في مستويات الأسعار.
وأضاف أن عددًا من العوامل كان من شأنه دفع التضخم إلى الارتفاع، إلا أن السياسة النقدية التي اتبعها البنك المركزي خلال الأشهر الماضية بدأت تؤتي ثمارها، موضحًا أن الإبقاء على أسعار الفائدة خلال الاجتماعات الأخيرة ساهم في الحد من الضغوط التضخمية.
وأوضح نجلة أن مستويات الفائدة الحالية لا تزال ضرورية لسحب جزء من السيولة المتاحة في السوق، بما يمنع تكون ضغوط تضخمية من جانب الطلب، مشيرًا إلى أن الجزء الأكبر من الضغوط الحالية يأتي من جانب العرض، وهي عوامل تقع إلى حد كبير خارج نطاق سيطرة البنك المركزي.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود خلال الفترة الماضية يمثل نموذجًا واضحًا لضغوط التضخم الناتجة عن جانب العرض، موضحًا أن الأدوات المتاحة أمام البنك المركزي للتعامل مع هذه الضغوط تتمثل في إدارة السيولة والحد منها نسبيًا، لمنع ظهور ضغوط إضافية من جانب الطلب.
وتابع أن هذه السياسة نجحت بدرجة كبيرة في تحقيق استقرار نسبي لمعدلات التضخم، التي تتحرك منذ فترة في نطاقات محدودة صعودًا وهبوطًا، متوقعًا استمرار هذا الاتجاه خلال الفترة المقبلة.
ورجح نجلة تحرك التضخم خلال الفترة المقبلة في نطاق ضيق، مع إمكانية تسجيل ارتفاع طفيف إلى مستويات قرب 15%، أو التراجع مجددًا إلى ما دون 14.5%، معتبرًا أن هذا النطاق سيكون الأقرب لتحركات التضخم خلال الفترة المقبلة.
ولفت إلى أن سياسة البنك المركزي في سحب السيولة كان لها دور مهم في الحد من الضغوط التضخمية الناتجة عن الطلب، مشيرًا إلى أن عرض النقود «M2» بدأ، للمرة الأولى منذ عدة سنوات، في تسجيل انخفاض، ما أسهم بدوره في الحد من تحركات التضخم.
وأكد نجلة أن البنك المركزي يستخدم أدوات السياسة النقدية بكفاءة لضبط مستويات الأسعار على المدى المتوسط، معتبرًا أن السيطرة على التضخم تمثل الهدف الرئيسي للسياسة النقدية خلال المرحلة الحالية.
وقال إن البنك المركزي سيواصل على الأرجح الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية خلال الفترة المقبلة، بهدف الحفاظ على السيطرة على التضخم، إلى حين التأكد من وجود هدوء حقيقي ومستدام في حركة الأسعار.
وأضاف أن استمرار استقرار معدلات التضخم قد يتيح للبنك المركزي استكمال دورة التيسير النقدي التي بدأها العام الماضي، إلا أن الظروف الحالية تتطلب الإبقاء على مستويات الفائدة الحالية، لحين التأكد من عدم ظهور ضغوط جديدة قد تدفع التضخم إلى الارتفاع.
شفيع: مستويات الفائدة الحالية ضرورية لسحب جزء من السيولة المتاحة في السوق
من جانبه، قال مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث المالية بشركة أسطول القابضة، إن قطاع الأغذية والمشروبات كان المحرك الرئيسي لارتفاع التضخم خلال الفترة الأخيرة، بعدما ارتفع معدل تغير الأسعار في القطاع إلى 8% مقابل 5.4% في يونيو، ليسجل أعلى مستوى له خلال 14 شهرًا.
وأوضح شفيع أن قطاع النقل والمواصلات سجل ارتفاعًا طفيفًا في معدل تغير الأسعار إلى 24.5% مقابل 24.4% في يونيو، مدفوعًا باستمرار تأثير زيادات أسعار الوقود التي تراوحت بين 14% و17%، والمطبقة منذ مارس الماضي، رغم بدء تلاشي هذا الأثر تدريجيًا.
وأضاف أن عددًا من القطاعات الرئيسية شهد زيادات محدودة، إذ ارتفع معدل تغير أسعار الملابس والأحذية إلى 13.7%، بينما صعد في قطاع الرعاية الصحية إلى 4.5%، في حين استقرت أسعار السكن والمرافق العامة عند مستوى 41.2%.
وتوقع شفيع استمرار الاتجاه الصعودي للتضخم خلال قراءة أغسطس المقبل، ليصل إلى نحو 15.5%، مدفوعًا بشكل أساسي بالحزمة الأخيرة لزيادات أسعار الكهرباء التي أقرتها الحكومة بنحو 12% لمعظم الشرائح، باستثناء الشريحة الأولى، ما يضيف ضغوطًا جديدة على مؤشر أسعار المستهلكين في المدن.
وأضاف أنه في ضوء هذه المعطيات، يرجح أن تتجه لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري خلال اجتماعها المرتقب إلى تثبيت أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض عند مستوياتها الحالية البالغة 19% و20% على التوالي.
وأشار أن هذا التوقع يتسق مع المسار الذي رسمه البنك المركزي في توقعاته السابقة، والتي أشارت إلى احتمالية حدوث تسارع مؤقت في معدلات التضخم خلال الربع الثالث من 2026، نتيجة تأثير سنة الأساس والتعديلات الأخيرة في أسعار الطاقة.
وأشار إلى أن الارتفاع المتوقع في التضخم يظل، وفق هذه الرؤية، ضمن الحدود التي كانت متوقعة لدى صناع السياسة النقدية، وبالتالي لا يستدعي بالضرورة اللجوء إلى تشديد نقدي جديد خلال الوقت الحالي.
ولفت شفيع إلى أن استمرار معدلات الفائدة الحقيقية في المنطقة الموجبة يوفر دعمًا لأسواق الصرف والأصول المحلية، موضحًا أن معدل الفائدة الحقيقي يبلغ نحو 4.1%، محسوبًا على أساس سعر الفائدة على الإيداع البالغ 19% ومعدل التضخم البالغ 14.9%.
واعتبر أن هذا الهامش يوفر مساحة أمان للبنك المركزي ويقلل الحاجة إلى اتخاذ إجراءات إضافية لتشديد السياسة النقدية خلال الفترة الحالية، مع استمرار مراقبة تطورات التضخم وأسعار الطاقة وتأثيراتها على مستويات الأسعار.








