برز مؤخراً متوسط إنفاق السائح، كأحد المؤشرات اللافتة، بعدما أعلن شريف فتحى، وزير السياحة والآثار، الشهر الماضى، ارتفاع هذا المتوسط اليومى بين 30% و40% ليتجاوز 94 دولاراً للفرد.
وبينما يرى خبراء ومسئولون بالقطاع، أن ارتفاع الأسعار وتحسن جودة الخدمات وزيادة قيمة المنتج السياحى المقدم للسائح، بمثابة عوامل رئيسية وراء نمو متوسط الإنفاق، يثير آخرون تساؤلات حول منهجية احتساب هذا المؤشر، ومدى توافر إحصاءات سياحية شاملة ومنتظمة تسمح بقياسه بصورة دقيقة وإجراء مقارنات عادلة مع المقاصد المنافسة.
وتستهدف مصر رفع متوسط الإنفاق اليومى للسائح من 93 دولاراً حالياً إلى 135 دولاراً بحلول العام المالى 2029 ـ 2030 بزيادة تلامس 45%، بحسب ما جاء فى الإصدار الثانى من السردية الوطنية للتنمية الشاملة الصادرة عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية فى مصر، ديسمبر الماضى.
وسجلت مصر نحو 6.8 مليار دولار عائدات سياحية خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالى 2026 باستقبال 7.5 مليون سائح، مع استهداف الوصول إلى 20 مليون سائح بنهاية العام، فيما بلغت الإيرادات السياحية نحو 16.7 مليار دولار خلال عام 2025 مع استقبال نحو 19 مليون سائح.
«البطوطى»: يجب توفير بيئة مناسبة للتسوق دون ضغوط على السائح
قال الدكتور سعيد البطوطى، رئيس المجموعة الاستشارية للمجلس الاقتصادى والاجتماعى للأمم المتحدة بجنيف، إن ارتفاع متوسط إنفاق السائح بالمقصد السياحى المصرى بين 30% و40% يعد أمراً طبيعياً ويتماشى مع التطورات التى شهدها القطاع خلال السنوات الماضية، موضحاً أن وزير السياحة والآثار لم يعلن رقماً جديداً لمعدل الإنفاق، وإنما استند إلى آخر احتساب تم منذ نحو ثلاث سنوات، والذى تشير التقديرات الحالية إلى ارتفاعه بهذه النسبة.
أضاف لـ«البورصة»، أن احتساب متوسط إنفاق السائح يعتمد على أكثر من منهجية، لكن الأدق يتمثل فى إجراء مسوح ميدانية تعتمد على عينات متنوعة يتم اختيارها من مختلف المحافظات والمقاصد السياحية، وفى مواسم مختلفة على مدار العام، مع مراعاة اختلاف مستويات الإقامة الفندقية، بما يضمن الوصول إلى متوسطات أكثر دقة تعكس الواقع الفعلى للإنفاق.
وأوضح «البطوطى»، أن تنفيذ مثل هذه الدراسات أصبح نادراً فى الوقت الحالى على مستوى المقاصد السياحية، نظراً إلى ما تتطلبه من وقت وجهد وتكلفة مرتفعة، ولذلك تعتمد العديد من الدول حالياً على بيانات البنوك المركزية فى احتساب الإيرادات ومؤشرات الإنفاق.
ورغم أنها أقل دقة من المسوح الميدانية فإنها تظل أفضل من غياب البيانات.
أشار «البطوطى»، إلى أن معدل إنفاق السائح فى مصر تم رصده داخل المجلس الاقتصادى والاجتماعى للأمم المتحدة وفقاً للآليات والمنهجيات المتبعة فى جمع وتحليل ورصد البيانات، مؤكداً أن المؤشر يخضع لعدة متغيرات اقتصادية وسياحية.
وأوضح أن متوسط الإنفاق يتأثر فى المقام الأول بأسعار الإقامة والنقل والمزارات السياحية والوجبات والمشروبات، لافتاً إلى أن متوسط أسعار تلك الخدمات ارتفع بنحو 15% مقارنة بالعام الماضى.
كما يرتبط أيضاً بتوفير مغريات الإنفاق داخل المقاصد السياحية، إذ إن توفير بيئة مناسبة للتسوق دون ضغوط على السائح يسهم فى زيادة متوسط إنفاقه اليومى.
ويرى «البطوطى» أن متوسط الإنفاق اليومى الذى أعلنت عنه وزارة السياحة والآثار مؤخراً يعد جيداً مقارنة بالوجهات السياحية المنافسة، موضحاً أن متوسط إنفاق السائح فى تونس يبلغ نحو 50 دولاراً يومياً، بينما لا يتجاوز فى المغرب 80 دولاراً يومياً، رغم أن المغرب يستقبل أعداداً من السائحين تفوق مصر، فى حين تجاوز متوسط الإنفاق اليومى فى المقصد المصرى حاجز 90 دولاراً.
وأكد أن ارتفاع الإيرادات السياحية بوتيرة أكبر من نمو أعداد السائحين يعد مؤشراً واضحاً على صحة تقديرات ارتفاع متوسط الإنفاق اليومي، مشيراً إلى أن زيادة العائدات السياحية مقارنة بمعدلات نمو الحركة الوافدة تؤكد أن السائح أصبح ينفق أكثر داخل المقصد المصرى.
«سعد»: 80% من تكلفة الرحلة تذهب لبند «الإقامة الفندقية»
وقال سامح سعد، مستشار وزير السياحة الأسبق، إن ارتفاع متوسط إنفاق السائح فى المقصد السياحى المصرى يرتبط بشكل أساسى بمبدأ «تقديم خدمة أو قيمة مقابل سعر»، موضحاً أن صناعة السياحة فى الأساس سلعة، ومن المفترض أن تكون تجربة السائح مريحة وممتعة، بما يضمن حصوله على مستوى خدمة جيد مقابل سعر عادل.
أضاف أن السائح العربى، على سبيل المثال، يتميز بارتفاع معدلات الإنفاق، إذ يتراوح متوسط إنفاقه بين 300 و400 دولار فى الليلة، لكن هذا النمط من الإنفاق لا يمثل العامل الرئيسى وراء ارتفاع متوسط إنفاق السائح بالمقصد المصرى، فى ظل محدودية أعداد السائحين العرب مقارنة بإجمالى الحركة السياحية الوافدة إلى مصر.
وأوضح «سعد»، أن الارتفاع فى متوسط الإنفاق يرجع بدرجة أكبر إلى زيادة أسعار الخدمات السياحية والإقامة الفندقية، بالتزامن مع تحسن مستوى جودة الخدمات المقدمة، وهو ما انعكس على أسعار بيع الغرف الفندقية مع استمرار الطلب عليها.
ولفت إلى أن نحو 80% من تكلفة رحلة السائح تذهب إلى الإقامة الفندقية، وبالتالى فإن ارتفاع أسعار بيع الغرف الفندقية ينعكس بصورة مباشرة على متوسط الإنفاق السياحي، معتبراً أن هذه العوامل مجتمعة أسهمت فى زيادة متوسط إنفاق السائح فى مصر.
أشار «سعد» إلى أن نحو 72% من إجمالى الغرف الفندقية فى المقصد السياحى المصرى تتركز فى الغردقة وشرم الشيخ، وهما من المقاصد التى تستحوذ فنادقها على النصيب الأكبر من زيادات الأسعار، ما يجعل تأثيرها أكثر وضوحاً على متوسط الإنفاق السياحى مقارنة بالمقاصد الأخرى.
ويمثل الساحل الشمالى، نسبة محدودة من الطاقة الفندقية المصرية، فضلاً عن قصر الموسم السياحى الذى لا يتجاوز نحو شهرين ونصف الشهر طوال العام، وبالتالى فإن تأثيره على متوسط الإنفاق السياحى الإجمالى لا يزال محدوداً مقارنة بالغردقة وشرم الشيخ.
أضاف أن مصر تستقبل فى المتوسط نحو 4 رحلات جوية أسبوعياً من دول الخليج كحد أقصى، وبمتوسط 150 راكباً للرحلة، بما يعنى وصول نحو 600 وافد أسبوعياً، أو قرابة 2.4 ألف وافد شهرياً، وفق هذه التقديرات، مؤكداً أن هذا العدد لا يمثل نسبة كبيرة من إجمالى الحركة السياحية الوافدة إلى مصر، وبالتالى لا يمكن اعتباره عاملاً مؤثراً بمفرده فى ارتفاع إجمالى الإيرادات السياحية أو متوسط إنفاق السائح بالمقصد المصري.
وقال الدكتور أحمد يوسف، الرئيس التنفيذى للهيئة العامة للتنشيط السياحى، إن مصر أصبحت ضمن أفضل 10 دول حققت نمواً سياحياً، وفقاً لإحصاءات منظمة الأمم المتحدة للسياحة.
أضاف أن الهيئة بدأت العمل على فتح أسواق لا ترتبط مع مصر بخطوط طيران مباشرة، وكانت بولندا من أوائل هذه الأسواق، إذ تم تشغيل نحو 27 رحلة خلال الموسم السياحى الحالي، لافتاً إلى رصد زيادة ملحوظة فى حجوزات «اللحظة الأخيرة» قبل موعد السفر بأقل من أسبوع، مقارنة بالفترات السابقة.
وأشار «يوسف» إلى أن المقصد السياحى المصرى أصبح أيضا وجهة مفضلة لاستضافة المؤتمرات والفعاليات الخاصة بالشركات العالمية الكبرى، وهو ما يعكس تحسن الصورة الذهنية لمصر وارتفاع تنافسيتها على خريطة السياحة الدولية.
وقال عدد من العاملين بالقطاع السياحى لـ«البورصة»، إن الرقم المتداول بشأن متوسط إنفاق السائح لا يستند إلى مصادر بيانات إحصائية وفق المنهجيات الدولية للإحصاء الرسمى، وإنما يعتمد على تقديرات مكتبية ونماذج افتراضية يعدها البنك المركزى لأغراض ميزان المدفوعات، وبالتالى يمكن التعامل معه كمؤشر تقديرى لأغراض الحسابات القومية، وليس كمؤشر سياحى رسمى قابل للمقارنة دولياً.
أضافوا أن غياب الإحصاءات السياحية الشاملة والمنتظمة يثير تساؤلات حول كيفية وضع الخطط والمستهدفات، وتقييم أداء القطاع، وقياس أثر السياسات الحكومية ومردود الإنفاق العام، فضلاً عن تأثير ذلك على جذب الاستثمارات، فى ظل اعتماد المستثمرين على تقديرات شركات استشارية قد تختلف فى دقتها وقابليتها للتحقق.
وأشاروا إلى أن مصر جاءت فى المركز 107 من بين 119 دولة فى مؤشر شمولية الإحصاءات السنوية للسياحة الصادر ضمن تقرير TTDI، وهو ترتيب متأخر عربياً وأفريقياً، ويعكس الحاجة إلى تطوير منظومة الإحصاءات السياحية الرسمية.








