يشهد سوق السمسرة فى البورصة المصرية واحدة من أكبر موجات التحول فى تاريخها، مدفوعة بالصعود السريع للتطبيقات الرقمية التى نجحت خلال سنوات قليلة فى استقطاب مئات الآلاف من المستثمرين الجدد، وإعادة تشكيل خريطة المنافسة بين شركات الوساطة المالية.
ولسنوات طويلة ظلت المنافسة داخل السوق تدور بين شركات السمسرة التقليدية التى اعتمدت على الفروع وقواعد العملاء والخدمات الاستثمارية المباشرة، إلا أن التطور التكنولوجى وتغير سلوك الأجيال الجديدة من المستثمرين دفعا الصناعة إلى مرحلة مختلفة، أصبحت فيها المنصات الرقمية لاعبًا رئيسيًا فى جذب العملاء وتنفيذ العمليات.
“ثاندر” تقود التحول فى سوق التداول وسباق الاستحواذ على العملاء يحتدم
وتتصدر منصة «ثاندر» موجة التحول الرقمي التي تشهدها سوق السمسرة المصرية، بعدما نجحت في استقطاب أعداد كبيرة من المستثمرين الأفراد وفرضت نموذجا جديدا قائما على سهولة الوصول إلى الاستثمار عبر الهاتف المحمول.
وفي المقابل، تتسارع تحركات لاعبين آخرين لتعزيز مواقعهم في هذه السوق سريعة النمو، من بينهم «تيلدا» و«ويلزي» و«إي إف جي هيرميس وان» و«مينت»، عبر تطوير التطبيقات وإضافة منتجات وخدمات مالية جديدة تتجاوز تنفيذ أوامر التداول التقليدية.
ويرى مراقبون أن المنافسة لم تعد تقتصر على اجتذاب المستثمر الجديد فحسب، بل امتدت إلى بناء منظومة مالية متكاملة حول العميل، بما يشمل الادخار والاستثمار والمدفوعات والخدمات المصرفية الرقمية، في سباق يبدو مرشحًا لإعادة رسم خريطة صناعة السمسرة خلال السنوات المقبلة.
ويرى المتعاملون أن ما تشهده السوق حاليًا يتجاوز مجرد منافسة بين شركات سمسرة وتطبيقات تداول، ليعكس تحولًا أعمق فى نموذج الأعمال نفسه، مع اتجاه المنصات إلى بناء منظومات مالية متكاملة تجمع بين الاستثمار والادخار والمدفوعات والخدمات المالية المختلفة، فى وقت تتزايد فيه أعداد المستثمرين الأفراد بصورة غير مسبوقة.
يأتى ذلك بالتزامن مع انضمام نحو 380 ألف مستثمر جديد إلى البورصة المصرية منذ بداية العام، وهو ما خلق سوقًا ضخمة تتنافس عليها التطبيقات الرقمية وشركات السمسرة التقليدية فى الوقت نفسه.
المصري: المنصات الرقمية أصبحت بوابة دخول المستثمرين الجدد إلى سوق المال
قال ياسر المصرى، العضو المنتدب لشركة العربى الأفريقى لتداول الأوراق المالية، إن المنافسة بين شركات السمسرة التقليدية وتطبيقات التداول الرقمية لا يمكن النظر إليها باعتبارها صراعًا بين نموذج ناجح وآخر أقل نجاحًا، موضحًا أن لكل طرف شريحة مختلفة من العملاء وطبيعة مختلفة من الخدمات.
وأضاف أن التطبيقات الرقمية نجحت خلال السنوات الأخيرة فى جذب أعداد كبيرة من المستثمرين الجدد، خاصة أصحاب المحافظ الصغيرة، مستفيدة من سهولة الاستخدام وسرعة فتح الحسابات وانخفاض أو انعدام العمولات فى بعض الأحيان، إلى جانب تقديم تجربة استثمارية أكثر بساطة مقارنة بالنموذج التقليدى.
وأوضح أن هذه المنصات أصبحت تمثل البوابة الأولى لدخول أعداد كبيرة من المستثمرين إلى سوق الأوراق المالية، إذ يبدأ العميل باستثمارات محدودة ويتعرف تدريجيًا على طبيعة السوق وأدوات الاستثمار المختلفة، قبل أن تتطور احتياجاته مع الوقت.
وأشار إلى أن انتقال المستثمرين بين التطبيقات الرقمية وشركات السمسرة التقليدية لن يكون انتقالًا جماعيًا، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من العملاء سيظل متمسكًا بالتطبيقات الرقمية، بينما قد يتجه جزء آخر إلى شركات السمسرة مع زيادة حجم محافظه الاستثمارية واحتياجه إلى خدمات أكثر تخصصًا.
وأكد أن التطبيقات الرقمية نجحت فى توسيع قاعدة المستثمرين داخل السوق، وهو ما يصب فى مصلحة الصناعة بالكامل، حتى إذا لم ينتقل هؤلاء العملاء مباشرة إلى شركات السمسرة التقليدية.
وأضاف أن عنصر السعر كان أحد أهم أدوات المنافسة لدى المنصات الرقمية خلال السنوات الماضية، خاصة مع تقديم بعض التطبيقات خدمات تداول منخفضة التكلفة أو بدون عمولات مباشرة، موضحًا أن بعض الشركات تكون مستعدة للتضحية بجزء من أرباحها فى المراحل الأولى مقابل بناء قاعدة كبيرة من العملاء وزيادة حصتها السوقية.
وأوضح أن هذا النموذج لا يمكن الاعتماد عليه وحده على المدى الطويل، وهو ما دفع العديد من التطبيقات إلى التوسع فى تقديم خدمات ومنتجات مالية إضافية، مثل الصناديق الاستثمارية والبطاقات مسبقة الدفع والخدمات الادخارية، بهدف تنويع مصادر الإيرادات وبناء علاقة أعمق مع العميل.
وفى المقابل، قال المصرى إن شركات السمسرة التقليدية لا تزال تمتلك عناصر قوة مهمة، خاصة فى التعامل مع العملاء أصحاب المحافظ الكبيرة، الذين لا يركزون فقط على انخفاض العمولة أو سهولة تنفيذ الأوامر، وإنما يبحثون عن مستوى أعلى من الخدمة والتواصل المباشر والاستشارات الاستثمارية المتخصصة.
وأشار إلى أن المستثمر صاحب المحفظة الكبيرة يحتاج إلى مناقشة الفرص الاستثمارية والحصول على تحليلات فنية ومالية ومتابعة مستمرة للسوق، وهى خدمات يصعب استبدالها بالكامل بالتطبيقات الرقمية.
وأضاف أن المستثمر الجديد قد يبدأ رحلته الاستثمارية عبر منصة رقمية، لكنه قد ينتقل لاحقًا إلى شركة سمسرة توفر خدمات أكثر تعقيدًا مثل التداول بالهامش والبيع على المكشوف والمشتقات والسندات وإدارة المحافظ.
وشدد على أن هذا التحول لا يعنى انتهاء دور التطبيقات الرقمية أو تراجع أهميتها، مؤكدًا أن السوق ستستوعب النموذجين معًا، وأن نجاح كل شركة سيتوقف على قدرتها على تحديد الشريحة المستهدفة وتقديم الخدمة المناسبة لها وتحقيق التوازن بين النمو والربحية.
مسعود: التكنولوجيا لم تعد رفاهية.. ومن لا يواكب التحول سيخرج من المنافسة
وقال محمد فاروق مسعود، العضو المنتدب لشركة جلوبال إنفست لتداول الأوراق المالية، إن المنافسة بين تطبيقات التداول فى السوق المصرية أصبحت تعتمد على مجموعة متنوعة من العوامل، فى مقدمتها سهولة الاستخدام وقدرة التطبيق على تبسيط المعلومات الاستثمارية للمستثمرين الجدد، خاصة الشباب.
وأضاف أن تجربة العميل أصبحت عنصرًا أساسيًا فى المنافسة، موضحًا أن المستثمر الجديد يبحث عن تطبيق بسيط وسهل الاستخدام يمكنه من الوصول إلى المعلومات واتخاذ القرار الاستثمارى دون تعقيدات.
وأشار إلى أن عامل التسعير لا يزال حاضرًا بقوة فى المنافسة، خاصة بعد أن قدمت بعض المنصات خدمات تداول بدون عمولات مباشرة، ما أجبر باقى الشركات على إعادة النظر فى نماذج أعمالها والبحث عن مصادر دخل بديلة.
وأوضح أن الشركات الجديدة التى ترغب فى دخول السوق أصبحت مطالبة بالبدء من النقطة التى وصل إليها المنافسون، لأن توقعات العملاء ارتفعت بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات قليلة.
وأكد أن السوق تتجه بشكل متسارع نحو الاعتماد على التطبيقات والمنصات الرقمية، وأن الشركات التى لا تستثمر فى التكنولوجيا وتطوير تطبيقاتها قد تجد نفسها خارج المنافسة خلال الفترة المقبلة.
وأشار إلى أن أحد أهم المؤشرات على نجاح هذا التحول يتمثل فى الزيادة الكبيرة فى أعداد العمليات المنفذة داخل السوق، بما يعكس نمو مشاركة المستثمرين الأفراد واتساع قاعدة المتعاملين.
وأضاف أن الشركات التى تستهدف زيادة حصتها السوقية مطالبة بتوجيه استثمارات أكبر إلى البنية التكنولوجية وتطوير تطبيقات الهواتف المحمولة وتحسين تجربة المستخدم.
ولفت إلى أن نموذج تعامل العميل مع شركة السمسرة من خلال زيارة المقر وتوقيع أوامر التداول ومتابعة الجلسات داخل الفروع يتجه تدريجيًا إلى الاختفاء، لصالح نموذج أكثر مرونة يعتمد بالكامل تقريبًا على القنوات الرقمية.
وتوقع مسعود أن تشهد السوق خلال السنوات المقبلة موجة من الاندماجات والاستحواذات بين شركات السمسرة والمنصات الرقمية، فى ظل حاجة العديد من الشركات إلى تعزيز قدراتها التكنولوجية ومواكبة التطورات المتسارعة فى القطاع.
وأضاف أن التعاون بين شركات السمسرة والبنوك فى تقديم خدمات متكاملة، مثل البطاقات المصرفية وبرامج الكاش باك والخدمات الادخارية، يعكس اتجاه السوق نحو بناء منظومات مالية متكاملة بدلاً من الاكتفاء بخدمة التداول فقط.
إبراهيم: معركة العمولات تقترب من نهايتها والمنافسة ستنتقل إلى تجربة العميل
من جانبه، قال هشام إبراهيم، العضو المنتدب لشركة تيلدا القابضة، إن تطبيقات التداول الرقمية أعادت تشكيل طبيعة المنافسة داخل قطاع الوساطة المالية، متوقعًا أن يمتد تأثير هذا التحول إلى مختلف أنشطة الخدمات المالية غير المصرفية خلال السنوات المقبلة.
وأضاف أن نجاح تطبيقات الاستثمار فى بناء الثقة مع العملاء وإثبات قدرتها على إدارة الاستثمارات رقميًا سيدفع قطاعات أخرى إلى تسريع تبنى التكنولوجيا المالية، سواء فى مجالات التمويل أو الاستثمار أو الخدمات المالية الأخرى.
وأشار إلى أن التوسع فى استخدام التكنولوجيا المالية داخل القطاع لم يعد مقتصرًا على التداول فقط، مستشهدًا باتجاه بعض الشركات للحصول على تراخيص تتيح استخدام التكنولوجيا فى التحقق من هوية العملاء الأجانب وإتمام الإجراءات بصورة رقمية.
وأوضح أن المنافسة خلال المرحلة المقبلة لن تعتمد على التكنولوجيا أو العمولات فقط، بل ستتركز بصورة أكبر على تجربة العميل فى جميع مراحل التعامل مع التطبيق.
وأضاف أن تجربة العميل تبدأ من سهولة فتح الحساب والتحقق من الهوية، مرورًا بعمليات الإيداع والسحب والتحويلات، وصولًا إلى وضوح المعلومات وسهولة الوصول إلى تفاصيل الرسوم والعمولات والخدمات المتاحة.
وأكد أن توفير أكبر عدد من الخدمات داخل التطبيق سيظل عنصرًا مهمًا فى المنافسة، إلا أن العامل الأكثر تأثيرًا سيكون قدرة الشركات على الاستماع إلى العملاء وتطوير خدماتها باستمرار وفقًا لاحتياجاتهم.
وأشار إلى أن السرعة والتكنولوجيا أصبحتا متاحتين لمعظم اللاعبين فى السوق، لكن العنصر الفارق سيظل قدرة المنصة على فهم العميل وتحسين تجربته بصورة مستمرة.
وتوقع إبراهيم أن تتراجع تدريجيًا أهمية المنافسة السعرية على العمولات مع تقارب مستوياتها بين الشركات، مقابل زيادة التركيز على جودة الخدمة وتجربة المستخدم.
كما توقع أن تشهد سوق المال خلال السنوات الثلاث المقبلة عمليات اندماج واستحواذ بين عدد من شركات الأوراق المالية، خاصة الكيانات التى تمتلك تراخيص قائمة دون نشاط تشغيلى مؤثر.
وأضاف أن السوق قد تتجه مستقبلاً إلى نموذج يضم أكثر من شركة تحت مظلة كيان مالى واحد يجمع بين التكنولوجيا المالية والوساطة وإدارة الأصول والخدمات الاستثمارية المختلفة.
وأشار إلى أن قاعدة مستخدمى تطبيقات الاستثمار شهدت تحولًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن السنوات الأولى لانتشار التطبيقات اعتمدت بشكل أساسى على جذب مستثمرين جدد، بينما أصبحت المنصات حاليًا تستقطب أيضًا عملاء كانوا يتعاملون سابقًا مع شركات الوساطة التقليدية.
وقدّر نسبة العملاء القادمين من القنوات التقليدية إلى التطبيقات الرقمية حاليًا بما يتراوح بين 60 و70% من المستخدمين، مقابل نحو 30% من العملاء الجدد، مع التأكيد على أن هذه الأرقام تقديرية.
واختتم أن زيادة وعى المستثمرين بطبيعة الاستثمار والفرق بين الاستثمار طويل الأجل والمضاربة يصب فى مصلحة السوق وشركات الوساطة على حد سواء، موضحًا أن بناء قاعدة مستثمرين أكثر وعيًا واستدامة سيكون أحد أهم نتائج التحول الرقمى الذى تشهده الصناعة حاليًا.








