لا تملك شركات الذكاء الاصطناعي الصينية الإمكانات المالية الضخمة التي تحظى بها منافساتها الأميركية، كما أن الحكومة الأميركية حرمتها من أحدث الرقائق اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تواصل بكين تضييق الفجوة مع واشنطن.
ركز مطورون صينيون، مثل “ديب سيك” (DeepSeek) و”علي بابا جروب هولدينج” (Alibaba Group Holding ) و”مون شوت” (Moonshot)، على ابتكار أنظمة يقترب أداؤها من أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي، من دون الحاجة إلى استخدام أكثر العتاد تطوراً. وفي الوقت نفسه، تراهن الصين على برمجيات الذكاء الاصطناعي “مفتوحة الأوزان” (open-weight) التي تتيح للمطورين الاطلاع على المعايير الداخلية للنماذج ومشاركتها ودراستها وتعديلها، في مسعى إلى تسريع انتشار الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني.
يشكل كل ذلك تحدياً لنموذج الأعمال الأمريكي الذي يقوم على استثمار مليارات الدولارات في تطوير أقوى تقنيات الذكاء الاصطناعي المملوكة للشركات، ثم تحصيل مبالغ مرتفعة من المستخدمين مقابل إتاحتها لهم.
فيما يلي أبرز ما تجدر معرفته عن تطور الذكاء الاصطناعي في الصين، وحجم التهديد الذي قد يشكله لشركات مثل “أوبن إيه آي” (OpenAI) و”أنثروبيك” (Anthropic) وغيرهما من عمالقة التكنولوجيا الأميركية.
كفاءة بموارد أقل
تحدّ قيود التصدير التي فرضتها واشنطن من قدرة الصين على الحصول على الرقائق المصممة في الولايات المتحدة، والتي تزيد سرعتها بنحو 20% عن نظيراتها الصينية وتستهلك طاقة أقل بما يصل إلى 30%، بفضل احتوائها على عدد أكبر من الترانزستورات في كل شريحة من السيليكون.
وللتغلب على هذا النقص، ركز قطاع التكنولوجيا الصيني على تطوير برمجيات ذكاء اصطناعي “مضغوطة” أكثر، بحيث تتطلب عمليات حسابية أقل للوصول إلى نتائج تضاهي ما تحققه أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية.
تعتمد الشركات الصينية لتحقيق هذه الكفاءة على تقنية تُعرف باسم “مزيج الخبراء” (mixture of experts). فعندما يوجه المستخدم طلباً إلى روبوت دردشة صيني مثل “ديب سيك” أو “كوين” (Qwen) التابع لـ”علي بابا”، لا يحتاج النموذج إلى تشغيل “شبكته العصبية” بالكامل لتوليد الإجابة، وهي عملية تُعرف باسم الاستدلال. بدلاً من ذلك، يفعّل شبكات فرعية متخصصة تُسمى “الخبراء”، بحيث لا يستخدم سوى جزء من قدرته الحاسوبية المتاحة.
في المقابل، غالباً ما تتفوق نماذج المختبرات الأميركية، مثل “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”، في حجم المعلومات التي يمكنها التعامل معها خلال تفاعل واحد، وفي مستوى تطور إجاباتها. لكن هذا التفوق يتطلب تشغيل عدد أكبر بكثير من “الخلايا العصبية” في النموذج، وبالتالي استهلاك قدرة حاسوبية أكبر.
فعلى سبيل المثال، لا يعمل في أي لحظة سوى نحو 3% من معايير نموذج “ديب سيك في 4 برو” (DeepSeek-V4-Pro)، وهو النموذج الرئيسي للشركة، وفقاً لبيانات الأداء التي نشرتها. وبالمثل، يستخدم نموذج “كيمي كيه 3” (Kimi K3)، النموذج الرئيسي لشركة “مون شوت”، أقل من 4% من معاييره في كلّ مرة.
هوت أسهم شركات التكنولوجيا العالمية في أواخر يناير 2025، بعدما كشفت “ديب سيك” عن نموذجها الجديد “آر 1” (R1)، الذي قدم أداءً يضاهي روبوتات الدردشة الأميركية القائمة على الذكاء الاصطناعي، بتكلفة تطوير بدت أقل بكثير.
واليوم، فيما لا تزال “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” و”جوجل” تقدم أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي أداءً في العالم، أصبح نموذجا “كيمي كيه 3” (Kimi K3) من “مون شوت” و”كوين 3.8 ماكس” (Qwen 3.8 Max) من “علي بابا” ضمن أفضل ثمانية نماذج عالمياً، وفقاً لتصنيف “لايف بنش” (LiveBench) للنماذج اللغوية الكبيرة.
كما أن تكلفتها أقل بكثير. فحتى 15 أغسطس، بلغت تكلفة استخدام نموذج “جي بي تي-5.6 سول” (GPT-5.6 Sol) من “أوبن إيه آي” 30 دولاراً لكل مليون رمز مخرجات (tokens)، وهي وحدات البيانات التي تنتجها نماذج الذكاء الاصطناعي استجابةً لطلبات المستخدمين. وتزيد هذه التكلفة بنحو عشرة مرات على نموذج “في 4 برو” (V4-Pro) من “ديب سيك”، الذي تبلغ تكلفته 3.96 دولار لكل مليون رمز خلال ساعات الذروة.
في المقابل، اتهمت “أنثروبيك” كلاً من “ديب سيك” و”مون شوت” ومختبر الذكاء الاصطناعي الصيني “ميني ماكس” (MiniMax) بتنفيذ “هجمات تقطير على نطاق صناعي”، عبر استخدام 24 ألف حساب احتيالي لاستخراج قدرات نموذجها “كلود” (Claude) بصورة غير قانونية بهدف اكتساب ميزة تنافسية. ومنذ ذلك الحين، تتعاون “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي” و”جوجل” للتصدي لمثل هذه الممارسات. ولم ترد الشركات الصينية الثلاث على رسائل بريد إلكتروني طلباً للتعليق.
البنية المفتوحة
تعمل الأجيال الجديدة من نماذج الذكاء الاصطناعي عبر استيعاب كميات هائلة من المعلومات التي أنتجها البشر، لاكتشاف الأنماط في البيانات وتحديد العلاقات الأكثر شيوعاً بين المقاطع الصوتية والكلمات والأصوات أو وحدات البكسل. ومن خلال هذه العملية، تبني شبكة عصبية ضخمة تستطيع تحليل مكونات الطلب المكتوب وتقديم الاستجابة المفيدة الأكثر ترجيحاً استناداً إلى البيانات التي تدربت عليها.
ولا تنشر المنصات الأمريكية الرائدة المعايير الخاصة بنماذج مثل “تشات جي بي تي” (ChatGPT) و”كلود” (Claude) و”جيميناي” (Gemini)، ما يحول دون تمكّن مطوري الذكاء الاصطناعي من الأطراف الأخرى من محاكاتها، أو يضطرهم إلى دفع مقابل للاستفادة منها.
في المقابل، ورغم أن شركات الذكاء الاصطناعي الصينية قد تتكتم هي الأخرى على البيانات المستخدمة في تدريب أنظمتها، أتاحت شركات عديدة منها تنزيل “أوزان” نماذجها، وهي قيم رقمية تُضبط وتُعدّل أثناء عملية التدريب. ويتيح ذلك للجامعات والشركات الناشئة وشركات التكنولوجيا الأصغر تطوير هذه النماذج وتكييفها لأداء مهام محددة بكفاءة أكبر، من دون تكاليف إضافية.
ويحوّل هذا النهج فعلياً جهود البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي على مستوى الصين إلى عملية تشاركية واسعة، ما يخفض تكلفة صيانة النماذج وتحديثها. كما أن المرونة التي توفرها هذه النماذج تسهّل تبني الذكاء الاصطناعي في مجموعة واسعة من القطاعات.
سجل نموذج “آر 1” (R1) انتشاراً سريعاً بعدما أتاحت “ديب سيك” أوزانه، إذ طور المبرمجون نسخاً منه مخصصة لمجالات مثل التمويل والطب ومهام اللغة الصينية. وبحلول منتصف أغسطس، تجاوز عدد تحميلات عائلة نماذج “كوين” (Qwen) التابعة لـ”علي بابا” 3 مليارات، لتصبح عائلة نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر الأكثر تحميلاً في العالم، متقدمةً على منصة “لاما” (Llama) التابعة لشركة “ميتا بلاتفورمز” بقيادة مارك زوكربيرغ. وبحسب “علي بابا”، انبثق عن “كوين” أكثر من 300 ألف نموذج ذكاء اصطناعي مشتق حول العالم.
في الصين، تمول الحكومات الإقليمية النماذج “مفتوحة الأوزان”، وتشجع على بناء مجتمعات للذكاء الاصطناعي تضم آلاف النماذج ومجموعات البيانات، وتتيحها كموارد مشتركة يمكن للشركات المحلية الاستفادة منها.
وترى الحكومة الصينية في هذا النهج أداة للقوة الناعمة، إذ تسعى من خلاله إلى توسيع نطاق تبني الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الاقتصاد، حتى وإن أدى ذلك إلى تقليص أرباح بعض شركات التكنولوجيا. كما ترعى بكين مبادرات تهدف إلى توسيع إتاحة نماذج الذكاء الاصطناعي أمام مطوري البرمجيات في الدول منخفضة الدخل، من بينها “خطة العمل العالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي” التي أُطلقت في يوليو 2025.
الطاقة
يتطلب تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيل خدماتها كميات هائلة من الكهرباء، ما يفرض ضغوطاً متزايدة على شبكات الطاقة حول العالم مع تسارع انتشار هذه التكنولوجيا. وتواجه بعض الدول صعوبة في إنشاء محطات توليد الكهرباء ومزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وخطوط النقل والمحطات الفرعية والمحولات اللازمة لمواكبة القفزة في الطلب.
لكن هذا التحدي يبدو أقل حدة في الصين، التي توسع قدراتها على توليد الكهرباء بوتيرة أسرع من الدول الأخرى. ففي مناطق مثل منغوليا الداخلية، أسهمت وفرة الكهرباء منخفضة التكلفة من مصادر الطاقة المتجددة في إنشاء مئات مراكز البيانات المخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتسعى الحكومة الصينية أيضاً إلى منح شركات الذكاء الاصطناعي المحلية ميزة تنافسية أمام نظيراتها الأجنبية، من خلال وضع سقف لفواتير الكهرباء. كما تتحمل الدولة نصف تكاليف الكهرباء في بعض أكبر مراكز البيانات في البلاد، بشرط أن تستخدم الرقائق الصينية حصراً.
الصناعة
تتركز جهود تبني الذكاء الاصطناعي في معظم أنحاء العالم على خدمات الأعمال، بدءاً من أتمتة التعامل مع العملاء وتبسيط سير العمل، وصولاً إلى رفع الإنتاجية في قطاعات مثل التمويل والقانون والرعاية الصحية. أما الصين، فتتبنى نهجاً تقوده الدولة ويركز على تعزيز الإنتاجية على مستوى الاقتصاد، من خلال دمج الذكاء الاصطناعي في التجارة والتصنيع والخدمات اللوجستية.
وهذه ليست مفاجأة. فالولايات المتحدة تعتمد إلى حد كبير على قطاع الخدمات، بينما تتصدر الصين العالم في إنتاج السلع المصنعة، بما في ذلك السيارات الكهربائية وغيرها من التقنيات منخفضة الكربون. كما تشكل قوة كبرى في التجارة الإلكترونية، وتبرز لاعباً متقدماً في مجال الروبوتات.
وبحسب “الاتحاد الدولي للروبوتات”، استحوذت الصين في السنوات الأخيرة على أكثر من نصف الروبوتات الصناعية الجديدة التي جرى تركيبها عالمياً، في ظل توسع الشركات المصنعة الصينية في أتمتة عمليات الفحص والتجميع والخدمات اللوجستية.
وكانت الحكومة الصينية واضحة في أن هدفها ليس بناء أكبر شركات الذكاء الاصطناعي وأكثرها ثراءً، وإنما توظيف هذه التكنولوجيا لاكتساب تفوق تقني يسرّع وتيرة التنمية الاقتصادية.
تتصدر الشركات والمؤسسات الأكاديمية الأميركية الأبحاث العلمية الأساسية طويلة الأجل التي تهدف إلى تطوير التقنيات الجوهرية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي. في المقابل، يركز قطاع الذكاء الاصطناعي في الصين بدرجة أكبر على جمع كميات هائلة من البيانات الناتجة عن استخدام هذه التكنولوجيا على أرض الواقع، والاستفادة منها في تحسين النماذج.
فعلى سبيل المثال، دمجت شركة “بي واي دي” (BYD) لصناعة السيارات الذكاء الاصطناعي في خطوط تجميع سياراتها الكهربائية لتسريع دورات الإنتاج والحد من هدر المواد. وسجلت الشركة انخفاضاً بنسبة 40% في أعطال البطاريات، إلى جانب تحسن عمرها الافتراضي بنسبة 20%، وعزت هذه النتائج إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات ضمان الجودة.
كما اعتمدت “فوكسكون” (Foxconn)، شريكة “أبل” في تجميع هواتف آيفون في الصين، تقنيات الرؤية الحاسوبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لاكتشاف العيوب وتحسين استهلاك الطاقة على خطوط الإنتاج. وقالت الشركة إن هذه التقنيات أسهمت في خفض استهلاك الطاقة بأكثر من 10% في بعض المواقع، فيما ساعدت عمليات فحص الجودة المؤتمتة بالذكاء الاصطناعي على تقليص معدلات العيوب. أما “علي بابا”، فتتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي لديها حالياً معظم مهام خدمة العملاء الروتينية.
تشجع الحكومة الصينية استخدام الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في قطاعات التصنيع واللوجستيات والخدمات، وتوفر تمويلاً لنشرها، في مسعى إلى مواجهة النقص المتزايد في الأيدي العاملة مع تقلص عدد السكان في سن العمل.
لكن بكين تتعامل بحذر مع هذا التوجه، خشية أن يؤدي التحول السريع والواسع نحو الأتمتة إلى تسريح أعداد كبيرة من العاملين وإثارة اضطرابات اجتماعية. وفي هذا الإطار، قضت محكمة صينية بعدم جواز فصل الموظفين لمجرد استبدالهم بأنظمة الذكاء الاصطناعي.








