“أمضت الشركات الصينية أكثر من عام ونصف العام في إثبات قدرتها على تطوير نماذج في طليعة التكنولوجيا”
يثبت الذكاء الاصطناعي الصيني فائق الرخص أنه يشكل تهديداً كبيراً لاقتصاديات وادي السيليكون الهشة.
لكن حرب الأسعار نفسها أصبحت تنطوي على مخاطر مماثلة بالنسبة إلى قطاع الذكاء الاصطناعي في الصين.
وبعد تحذير العملاء من توقع زيادة كبيرة في أسعار خدماتها، كشفت “ديب سيك” يوم الخميس عن أسعار جديدة لأحدث نموذجيها “V4-Pro” و”V4-Flash”.
وينطوي هيكل التسعير الجديد، المقسم بين أوقات الذروة وخارجها، على قفزة حادة، إذ أصبحت بعض الرسوم أعلى بعدة مرات من مستوياتها السابقة.
لكن هل تعني هذه الزيادة أن السباق الضاري نحو خفض الأسعار إلى أدنى مستوى بدأ أخيراً في الانحسار؟ على الأرجح لا.
فقد أمضت الشركات الصينية أكثر من عام ونصف العام في إثبات قدرتها على تطوير نماذج في طليعة التكنولوجيا.
أما الجزء الأصعب فكان معرفة كيفية إقناع الشركات والعملاء بالدفع مقابلها.
ويوجد الآن نحو 1000 نموذج لغوي كبير معروض في البلاد، بحسب روبرت ليا من “بلومبرج إنتليجنس”، فيما يتنافس كثير منها على تقديم الرموز بأسعار زهيدة. وهذا يجعل بناء ميزة تنافسية مستدامة بالغ الصعوبة.
أسعار ذكاء اصطناعي منخفضة
تُعد زيادة أسعار “ديب سيك” إشارة إيجابية، لكنها على الأرجح لن تعكس هذا الاتجاه.
فحتى مع رفع أسعار واجهة برمجة التطبيقات الخاصة بها، التي تتيح للشركات الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي عبر برمجياتها الخاصة، تظل هذه الأسعار منخفضة نسبياً بالمعايير العالمية، ولا تضمن بأي حال مساراً مستداماً نحو الربحية.
كما تشير إعادة تطبيق أسعار أعلى في أوقات الذروة إلى أن المختبر الذي يتخذ من هانغتشو مقراً له، ربما يسعى إلى إدارة قدرته الحاسوبية خلال فترات الطلب الكثيف.
وخلال الساعات خارج الذروة، تتقاضى “ديب سيك” حالياً 0.22 دولار لكل مليون رمز إدخال، و0.66 دولار لكل مليون رمز إخراج لنموذج “V4 Flash”.
أما خلال ساعات الذروة، فتتضاعف هذه الأسعار.
وكانت الشركة تتقاضى سابقاً 0.14 دولار لكل مليون رمز إدخال و0.28 دولار لكل مليون رمز إخراج.
وبالمقارنة، يتقاضى النموذج الأعلى لدى “أنثروبيك” 10 دولارات و50 دولاراً، على الترتيب، مقابل العدد نفسه من الوحدات التي تستخدمها نماذج الذكاء الاصطناعي لمعالجة البيانات.
لكن التوقيت لا يترك مجالاً كبيراً للمناورة، إذ تمنح موجة الإصدارات الجديدة خلال الأشهر الأخيرة العملاء بدائل كثيرة إذا شعروا بأن “ديب سيك” رفعت أسعارها أكثر مما ينبغي.
لكن إذا كانت الشركات تجد صعوبة في رفع الأسعار من دون خسارة المستخدمين، فما الذي يمكنها فعله؟
ما يزيد هذه المعادلة تعقيداً أن النماذج المفتوحة تتيح، في جوهرها، آليات عملها الداخلية مجاناً.
ويحظى هذا النهج بمباركة الحكومة، ما يجعل من الصعب الخروج عن هذا التوجه، حتى لو كان ذلك أكثر منطقية من الناحية التجارية. وهذا يدفع الشركات الآن إلى ابتكار حلول جديدة.
تقاسم إيرادات الذكاء الاصطناعي
استقطبت شركة “مونشوت”، التي تتخذ من بكين مقراً لها، اهتماماً عالمياً بإطلاق نموذجها الضخم “Kimi K3” الشهر الماضي.
وبالمعايير الصينية، كانت تكلفة الوصول إلى النموذج المفتوح عبر واجهة برمجة التطبيقات مرتفعة بالفعل، عند 3 دولارات لكل مليون رمز إدخال و15 دولاراً لكل مليون رمز إخراج.
لكن شروط الترخيص تضمنت تفصيلاً لافتاً: إذ يتعين على الشركات التي تقدم “Kimi K3” كخدمة وتحقق إيرادات تتجاوز 20 مليون دولار خلال 12 شهراً إبرام اتفاق تجاري مع “مونشوت”.
ولم تُعلن تفاصيل الشكل الذي يمكن أن يتخذه تقاسم الإيرادات. لكن مجموعة علي بابا القابضة تدرس، بحسب تقارير، ترتيباً مماثلاً لنموذجها “Qwen 3.8 Max”، وفق ما أفادت به “رويترز” الأسبوع الماضي نقلاً عن مصادر مطلعة على خطط الشركة.
ويُعد هذا محاولة مبتكرة للاستحواذ على جزء من القيمة التي يخلقها النموذج، مع الإبقاء في الوقت نفسه على التكنولوجيا الأساسية مفتوحة، كما يكشف عن صعوبة إيجاد طريقة لتحقيق الدخل من دون الاكتفاء برفع أسعار الوصول.
“قد تفترض الشركات أن زيادة الإنفاق لإطلاق قدرات أفضل ستتيح لها فرض أسعار أعلى، لكن المستخدمين ربما يتعلمون درساً مختلفاً”
لكن تطبيق تقاسم الإيرادات قد يكون أصعب من تنفيذ زيادة مباشرة في الأسعار.
ويكمن الخطر في مغادرة المطورين، خصوصاً إذا لم تتمكن الشركات من ربطهم بأنظمتها البيئية بإحكام كافٍ يجعل الانتقال إلى بدائل أخرى مرهقاً للغاية.
وبعبارة أخرى، ربما لا تكون حرب الأسعار في طريقها إلى النهاية، بل إلى أن تصبح أكثر تعقيداً.
ويثير ذلك كله سؤالاً أكثر جوهرية: أين تكمن القيمة الفعلية هنا؟
هل هي في نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية، أم في كل ما يحيط بها وما يُبنى فوقها؟
إذا واصلت الأنظمة القوية الانتشار وأصبحت الرموز قابلة للاستبدال، فقد يصبح الذكاء وفيراً قبل أن تتمكن الشركات التي تبيعه من معرفة كيفية تحقيق الأرباح منه.
تحوّل القيمة في الذكاء الاصطناعي
في هذا السيناريو، تنتقل القيمة إلى أماكن أخرى، مثل الرقائق والأجهزة ومزودي الخدمات السحابية وعلاقات العملاء والتطبيقات التي تربط المستخدمين بسير عمل محدد.
وبالنسبة إلى مطوري النماذج الذين ينفقون مبالغ ضخمة لبناء أنظمة أكبر باستمرار، فإن ذلك يكشف عن تهديد أكبر بكثير من مجرد المنافسة منخفضة الأسعار.
في الوقت نفسه، أصبحت حرب الأسعار عالمية. فقد خفضت “أوبن إيه آي” أسعار بعض نماذج سلسلة “GPT 5.6” بنحو 80% الشهر الماضي، في الأسبوع نفسه الذي فتحت فيه “مونشوت” الوصول إلى “Kimi K3” عبر واجهة برمجة التطبيقات.
كما دفع صعود النماذج الصينية منخفضة التكلفة عمالقة التكنولوجيا، ومن بينهم “إنفيديا” و”ميتا بلاتفورمز”، إلى ضخ استثمارات كبيرة في بدائل أمريكية مفتوحة وأرخص سعراً، ما يعيد الضغوط إلى الصين لمواصلة المنافسة عند أدنى مستويات الأسعار.
وقد تفترض الشركات أن زيادة الإنفاق لإطلاق قدرات أفضل ستتيح لها فرض أسعار أعلى، لكن المستخدمين ربما يتعلمون درساً مختلفاً.
فكل جيل جديد يصبح أفضل، بينما تصبح الأجيال السابقة أرخص، لكن عملاء الشركات لا يحتاجون بالضرورة إلى أقوى نموذج لأداء المهام الروتينية، تماماً كما لا يحتاج كل شخص يتنقل يومياً إلى سيارة سباق من “فورمولا 1”.
إذن، إلى أين تذهب المكاسب الاقتصادية فعلياً؟
تشير التقديرات إلى أن نحو ثلث إلى نصف استخدام الرموز، أي ما تدفع الشركات مقابله فعلياً، يرتبط بتطوير البرمجيات، وهي واحدة من أوضح المجالات التي يخلق فيها تبني الذكاء الاصطناعي قيمة فعلية.
وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يكون بعض من يتحمل بصورة غير مباشرة كلفة الذكاء الاصطناعي الذي يزداد رخصاً هم المبرمجون الذين فقدوا وظائفهم بعدما حل محل أعمالهم.








