على مدى قرون، تمسكت الكنيسة الكاثوليكية بعقيدة مفادها أن العالم مسطح وأن الشمس تدور حوله، رغم الأدلة التي تناقضها.
واستلزم تقويض هذه العقيدة بالكامل ثورة تكنولوجية وعلمية وثقافية.
واليوم، يقف عالم المال عند منعطف مماثل، إذ لا تزال عقيدة الأسواق «المسطحة»، الساعية إلى تحقيق نتائج تتسم بالكفاءة، تهيمن على عقول كثير من الاقتصاديين، والأخطر من ذلك أنها تواصل إحكام قبضتها على صناع السياسات.
لنتأمل تصريح رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفن وارش أخيراً، بأن على الأسواق أن «تنشغل بالكرة لا بالحكم».
يريد “وارش” إقناعنا بأن البنك المركزي ليس طرفاً فاعلاً في صناعة الأسواق وخلق السيولة التي تدعمها، رغم أن إدارة الديون السيادية والسياسة النقدية تشكلان، بوضوح، جزءاً لا يتجزأ من الأسواق بصورتها القائمة.
لذلك، لم يكن مستغرباً أن تثير تصريحاته حيرة المشاركين في السوق.
وزاد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، المشهد ارتباكاً عندما برر محاولته الأخيرة خفض عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل بالقول: «نحاول إبقاء السوق في حالة توازن».
وكما كان متوقعاً، باء تدخله بالفشل، بحسب ما نقله موقع «بروجكت سنديكيت».
فالأسواق المالية، في واقع الأمر، ليست مسطحة، ولا تعمل بمعزل عما يحيط بها. بل تتوسع وتنكمش استجابة لتحركات أطراف عامة وخاصة بعينها، أو تحسباً لها، بعدما ظلت الوظائف التي تؤديها هذه الأطراف محركاً أساسياً لتطور أسواق الائتمان.
وتأتي في مقدمة هذه الوظائف إدارة الدين العام وتوفير السيولة من القطاعين العام والخاص، أي خلق النقود.
في الولايات المتحدة، تتمثل الأطراف الرئيسية في وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي وكامل طيف المؤسسات المالية الخاصة، المحلية منها والأجنبية.
وهذه الأطراف مجتمعة هي التي تشكل الأسواق المالية وتوفر السيولة اللازمة لاستمرارها.
وفي ورقة بحثية حديثة شاركت في تأليفها مع داريو لاوداتي وويليام أوكونيل وماتياس تيمان، نصف هذا التشابك بين الأطراف العامة والخاصة في صناعة أسواق الائتمان الحديثة بأنه «تثليث السيولة».
ويوضح الاقتصاديون أن أسواق الائتمان تطورت دائماً من خلال التفاعل بين إدارة الدين العام وتوفير السيولة العامة والخاصة، بصرف النظر عن هوية الكيانات أو الأفراد الذين يؤدون هذه الوظائف، أو المعتقدات التي تحكم أداءهم لها.
ومنذ تأسيس بنك إنجلترا، ظلت السيولة تتوسع وتنكمش داخل هذا الحيز الثلاثي، ما غذّى نمو الائتمان ودعم التطور المالي والاقتصادي.
وتمثل السيولة عنصراً محورياً في أسواق الائتمان، لأنها تحدد مدى سهولة تحويل أصل مالي إلى آخر من دون التأثير في سعره السوقي.
وكما قال هايمان مينسكي في عبارته الشهيرة: «يمكن للجميع خلق النقود، لكن المشكلة تكمن في جعل الآخرين يقبلونها».
وخلال معظم حقبة ما بعد الحرب، تمتعت الولايات المتحدة بمكانة استثنائية بوصفها مصدراً لكل من الديون السيادية والدولار الأمريكي، اللذين كانا يجدان دائماً من يقبل عليهما.
غير أن مؤشرات عدة توحي بأن هذا الوضع ربما يكون في طريقه إلى التغير.
فمع تراجع عدد البنوك المركزية الأجنبية المستعدة للاحتفاظ بكميات ضخمة من الدين الأمريكي، واتجاه مزيد من المستثمرين في القطاع الخاص إلى استبدال الديون السيادية بديون الشركات لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يُعاد تشكيل مثلث السيولة.
والأهم أن هذه العملية لا تجري بصورة منسقة، بل تعكس تحركات استراتيجية تتخذها أطراف مختلفة عند كل زاوية من زوايا المثلث سعياً إلى تعزيز مصالحها الخاصة.
تكشف التجارب التاريخية عن حالات عديدة اندلعت فيها أزمات مالية نتيجة عمليات إعادة التشكيل هذه.
فعلى سبيل المثال، نشأ انهيار عام 2008 عندما تخلصت أطراف خاصة من الأصول المالية التي أنشأتها بنفسها، وهي الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري ومشتقاتها.
وحين لم تعد هذه الأصول تجد مشترين، تحولت إلى أصول سامة، ما دفع الاحتياطي الفيدرالي والخزانة إلى التدخل بضخ كميات هائلة من السيولة وإعادة الرسملة لتحقيق الاستقرار في النظام المالي.
لكن ماذا سيحدث إذا لم تعد الولايات المتحدة، باعتبارها ركيزة النظام المالي العالمي، قادرة على الاعتماد على طلب مستقر على ديونها أو عملتها، وهو طلب ضروري لإعادة تمويل الديون القديمة أو تحمل التزامات جديدة؟
لن يشعر معظم المشاركين في السوق بالثقة الكافية للاعتماد على الأمان النسبي للدولار الأمريكي أو سندات الخزانة الأمريكية إلا إذا جرت عمليات الإصدار وإعادة التمويل بسلاسة تكاد تكون تامة.
وإذا اهتزت هذه الثقة، فسيتجهون إلى البحث عن بدائل، بصرف النظر عن العواقب التي قد تترتب على ذلك بالنسبة إلى النظام بأكمله.
ويحمل إعلان بيسنت أخيراً أن وزارة الخزانة ستضاعف على الأقل حجم عمليات إعادة شراء ديونها دلالات واضحة في هذا السياق. فهو يكشف عن مخاوف من عدم وجود عدد كافٍ من المشترين لضمان سيولة الدين الأمريكي وحماية سعره، إلى جانب أسواق الديون التي تعتمد عليه، نظراً إلى الدور المحوري الذي تؤديه سوق سندات الخزانة بوصفها مرجعاً سعرياً وضماناً للديون الخاصة.
ولم تتخلف الولايات المتحدة قط عن سداد ديونها، لكنها لم يسبق لها أيضاً أن راكمت حجماً من الديون يضاهي مستواه الحالي، في وقت اهتزت فيه الثقة في موثوقيتها، بينما تصدر الأطراف الخاصة، وفي مقدمتها قطاع التكنولوجيا، كميات ضخمة من الديون المنافسة.
ويمثل مجرد احتمال أن تزاحم إصدارات الدين الخاص الجديدة الدين العام إشارة تنذر بالخطر، لأنه يوحي بأن «الثقة والائتمان الكاملين» للحكومة الأمريكية آخذان في التراجع.
وسيضع هذا الإدراك الاحتياطي الفيدرالي في مأزق، إذ ستقع على عاتقه مهمة إعادة تمويل الدينين العام والخاص في أي أزمة مستقبلية، بسبب غياب مشترين آخرين. وربما يرغب الاحتياطي الفيدرالي في رفض خيار البيع هذا، لكن من سواه يستطيع ملء الفراغ؟
كلما أسرع الاحتياطي الفيدرالي والخزانة في إدراك عمق التشابك القائم بينهما وبين القطاع الخاص، كان ذلك أفضل.
فهما ليسا حكمين، بل لاعبان داخل نظام أسهما في إنشائه، وإن كان ذلك من دون قصد.
ويتمثل دورهما الحالي في صياغة استراتيجيات فعالة تعيد هذا التشابك إلى نطاق يمكن إدارته.








