“بوتين” بدد القوة الناعمة الروسية القائمة على التجارة واللغة والتاريخ المشترك
يبدو أحياناً أن إدارة دونالد ترامب تستمد رؤيتها للعالم وأفكارها في السياسة الخارجية، من دورة في العلاقات الدولية في إحدى كليات الكرملين، يُدرّسها فلاديمير بوتين، لكن على مستوى ملخصات “كليفس نوتس” التي لا تراعي كيف تُطبق هذه الاستراتيجيات عملياً.
لنأخذ الانهيار الأخير للمحادثات التجارية الأمريكية مع كندا مثالاً.
فقد تعامل البيت الأبيض مع الاجتماعات باعتبارها محاولة لفرض الجزية على دولة تابعة، لا مفاوضات بين شريكين.
وصور ترامب قراره بتغيير شروط التجارة المتفق عليها سابقاً بين البلدين على أنه تصحيح لأخطاء الماضي، بينما يمثل في الواقع جزءاً من مسعى أعمق لفرض المصالح الاقتصادية والأمن المادي للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي عبر الإكراه، بدلاً من التحالفات والقوة الناعمة.
يستند هذا المسعى أيضاً إلى أيديولوجيا تفترض أن الولايات المتحدة تملك حقاً طبيعياً في تصحيح ما يراه ترامب ومؤيدوه انحرافات في التاريخ الجيوسياسي، بحسب ما نقلته “بلومبرج”.
ووفقاً لهذا المنطق، ينبغي أن تنتمي جرينلاند بطبيعة الحال إلى الولايات المتحدة، ولكانت جزءاً منها بالفعل لولا بعض القرارات الأمريكية العبثية في نهاية الحرب العالمية الثانية.
كما أن كندا ليست دولة حقيقية، بل الولاية الأمريكية الحادية والخمسين.
أما خليج المكسيك، فكان طوال الوقت خليج أمريكا، وباتت بحيرة أونتاريو الآن بحيرة أمريكا أيضاً.
وإذا صحت رواية رئيس الوزراء مارك كارني عن أسباب انهيار المحادثات الأمريكية الكندية، فإن واشنطن قدمت في اللحظات الأخيرة مطالب تفرض سياساتها اللغوية الداخلية على كندا وتقضي على صناعة السيارات فيها.
موسكو تُخضع دول الجوار
يعكس ذلك السياسات التي انتهجها بوتين منذ منتصف العقد الأول من الألفية وحتى أواخره.
فمن منظور الكرملين، لا تمثل بيلاروسيا وكازاخستان الحديثة (بحدودها الحالية) وأوكرانيا دولاً حقيقيةً، بل انحرافات تاريخيةً أوجدها البلاشفة.
وكما تفرض “عقيدة دونرو” التي يتبناها ترامب تجاه الأمريكتين، يتعين على جميع الدول الواقعة ضمن ما تسميه موسكو “الجوار القريب” الانصياع لإرادتها.
فلا يحق لها ربط اقتصاداتها، ناهيك عن سياساتها الأمنية، بأي طرف غير روسيا، لأنها قوة عظمى، بينما لا تتمتع تلك الدول بالمكانة نفسها.
قد تبدو مقارنة موقف روسيا من أوكرانيا بنظرة ترامب إلى كندا بعيدةً، لأنها تصور مستقبلاً تعبر فيه الدبابات الأمريكية الحدود، بينما يقصف الطيارون والصواريخ الأمريكية المدن الكندية.
لكن هذا السيناريو لا يمثل سوى أسوأ مآلات سياسات الإكراه، التي تميل إلى التصعيد عندما تدفع صدمتها الدول الأضعف إلى مواجهة أوجه اعتمادها.
وبدلاً من إرغامها على الانصياع، غالباً ما يُفضي الإكراه إلى نتيجة عكسية، إذ يحفزها على تنويع مصادر أمنها وشركائها التجاريين.
بدأ الضغط على كييف لقبول وضعها كدولة تابعة بأدوات اقتصادية في المقام الأول، شملت نزاعات بشأن أسعار الغاز الطبيعي في عامي 2006 و2008-2009، إلى جانب التدخل في الانتخابات وفرض حظر تجاري فعلي.
كما زعمت روسيا امتلاكها حقاً حضارياً في تحديد قوانين اللغة بأوكرانيا.
وحين أخفقت الرشوة والترهيب في إبقاء الأنظمة الموالية، بدأت موسكو طرح مطالب إقليمية، انطلاقاً من شبه جزيرة القرم.
واستغرق الأمر قرابة عقدين حتى تحول إلى حرب صريحة، فيما تراجعت حصة روسيا من صادرات أوكرانيا ووارداتها إلى 5.1% و8.4% على التوالي في عام 2021، مقابل 24% و42% في عام 2000، حين وصل بوتين إلى السلطة.
أرمينيا تفكك ارتباطها بموسكو
ربما يتضح أوجه التشابه بين الولايات المتحدة وكندا بالنظر إلى ما يجري حالياً بين أرمينيا وروسيا، التي بدأت حظر بعض الواردات (لأسباب صحية) رداً على مساعي رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان لإنهاء اعتماد بلاده شبه الكامل على موسكو.
وكان باشينيان قد جمّد في عام 2024 مشاركة أرمينيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، النظير الروسي لحلف شمال الأطلسي “الناتو”.
كما أقر البرلمان الأسبوع الماضي برنامجاً حكومياً جديداً للفترة 2026-2031 لا يصنف روسيا، للمرة الأولى، شريكاً استراتيجياً.
وقال باشينيان، الذي حقق فوزاً ساحقاً في انتخابات يونيو، الأسبوع الماضي إن حكومته ستتقدم بطلب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي “في المستقبل القريب”، على أن يُطرح القرار بعد ذلك في استفتاء شعبي.
كما يعمل أيضاً على تطبيع العلاقات مع أذربيجان وتركيا، مستنداً إلى “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين” المدعوم من الولايات المتحدة، والذي قد يصبح في النهاية جزءاً من ممر لتزويد أوروبا بالطاقة بعيداً عن روسيا وإيران.
لكن الكرملين لا ينظر بارتياح إلى هذه التحركات، ويطالب أرمينيا بإجراء استفتاء الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بحلول ديسمبر، لتواجه بذلك ما قد يترتب على القرار من عواقب وخيمة، بينها فقدان الوصول إلى الأسواق الروسية.
يعرب مسئولون في موسكو عن استيائهم من سعي أرمينيا (شأنها في ذلك شأن أوكرانيا أو جورجيا أو مولدوفا) إلى الاستفادة من مزايا الاندماج مع الاتحاد الأوروبي، بالتزامن مع عضويتها في النظير الروسي، أي الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
وهذا يعني ضمناً أن على الدول الاختيار بين شركائها التجاريين، ليس عند انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وهو أمر ربما لا يحدث مطلقاً، بل قبل ذلك. ولا يُفترض أن تكون هذه المسألة سبباً للمواجهة، لكنها ستتحول إليها على الأرجح.
الحماية الروسية تخذل أرمينيا
المفارقة أن أرمينيا ظلت طويلاً نموذجاً للحليف الروسي التابع. فقد ارتفع التبادل التجاري بين البلدين بين عامي 2000 إلى 2021، بدلاً من تراجعه كما حدث مع الدول التي اتسمت علاقاتها مع موسكو بالتوتر.
أما اليوم، فيكاد باشينيان يتحدى بوتين لطرد أرمينيا من منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي انضمت إليها كعضو مؤسس عام 1992.
وكان الأمل آنذاك أن تضمن العضوية، إلى جانب منح روسيا حق إقامة قواعد عسكرية، استمرار سيطرة يريفان على ناجورنو كاراباخ، الجيب التابع لأذربيجان.
ونتيجةً لذلك، أغلقت أذربيجان وتركيا حدودهما، ما جعل أرمينيا تعتمد كلياً على روسيا عسكرياً واقتصادياً. لكن استعادة أذربيجان للجيب عام 2023 كشفت فشل الرهان على الحماية الروسية، ودفعت يريفان إلى تنويع تحالفاتها.
وهذا هو نمط الإكراه الذي طبقته روسيا على كل دولة سوفياتية سابقة تحدت حق موسكو الحصري في فرض منطقة نفوذها.
لكن هذا النهج لم ينجح، ولم يحسن أوضاع الروس، كما لم يمنح دولتهم مزيداً من النفوذ. بل بدد بوتين ما امتلكته روسيا عام 1991 من قوة ناعمة هائلة، استندت إلى التجارة واللغة والتاريخ المشترك، بعدما سمحت بانهيار الاتحاد السوفياتي بدلاً من القتال للحفاظ على إمبراطوريتها.
موسكو تستبدل الشراكة بالإكراه
لو تعاملت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مع جيرانها بوصفهم شركاء وحلفاء، إلى جانب كونهم منافسين اقتصاديين شرعيين، لربما استحوذت اليوم على حصة أكبر من تجارة شركاء أكثر ثراءً لم يرغبوا قط في أن يُجبروا على الاختيار.
وهنا تجلت عبقرية “خطة مارشال” الأمريكية بعد الحرب، إذ استهدفت بناء حلفاء أوروبيين مزدهرين للتجارة معهم، بدلاً من إخضاعهم وإجبارهم.
أما روسيا، فاختارت دعم الحركات الانفصالية في دول الجوار السوفياتية السابقة لكسب النفوذ، واستخدمت اعتماد تلك الدول عليها في الطاقة والنقل وغيرهما من القطاعات أداةً للتهديد، قبل أن تنتهي، في حالتين حتى الآن، إلى الحرب، مقابل مكاسب محدودة وتكاليف هائلة.
كانت لدى روسيا بعض المبررات، منها افتقارها إلى التمويل اللازم لتبني نهج مماثل لـ”خطة مارشال”، وتاريخها مع التعرض لغزو الأراضي، الذي رسخ لديها ثقافةً عميقةً من الارتياب الأمني.
أما ترامب، فلا يملك أياً من هذه المبررات. فتبنيه نهج موسكو خطأ ارتكبه بمحض إرادته، وبدأ بالفعل في تقويض تحالفات الولايات المتحدة ودفع الدول المعتمدة عليها في أمريكا الشمالية وأوروبا إلى تقليص اعتمادها على الأسواق الأمريكية والمظلة الأمنية الأمريكية.
وهذا ليس نموذجاً ناجحاً.








