تتجه مصلحة الضرائب المصرية إلى إغلاق ملف المحاسبة التقديرية والجزافية، بإلغاء المادة 18 من قانون الضريبة على الدخل، فى خطوة تستهدف إنهاء الأساس القانونى لإصدار تعليمات تحدد نسب صافى الربح، والانتقال إلى منظومة ضريبية تستند إلى البيانات الفعلية والمستندات والفواتير والإيصالات الرقمية.
وتعنى المادة 18 من قانون الضريبة على الدخل، بقواعد وأسس المحاسبة الضريبية وإجراءات تحصيل الضريبة على أرباح المنشآت الصغيرة.
ويمثل إلغاء المادة تحولًا فى آليات الفحص والمحاسبة الضريبية، إذ تستهدف المصلحة الاعتماد بصورة أكبر على الفحص الإلكترونى والمستندى بدلًا من التقديرات، بما يعيد تشكيل العلاقة بين الممول والإدارة الضريبية ويحد من المنازعات الناشئة عن اختلاف تقديرات الأرباح.
عرفان: التزام الممولين بالفاتورة الإلكترونية ينفي الحاجة للتقدير الجزافى
بداية، دعا عرفان فوزي، الأمين العام للجمعية العلمية للتشريع الضريبي، إلى ضرورة تحقيق التناسق والانسجام بين النصوص التشريعية الضريبية والالتزامات التنظيمية المفروضة على الممولين، مؤكداً أن المحاسبة التقديرية للضرائب انتهت فعلياً في ظل إلزام الجميع بإنشاء وتداول الفواتير والإيصالات.
كشف أمين عام الجمعية العلمية للتشريع الضريبي، وجود تناقض واضح بين إلزام التشريعات لكافة الممولين بإصدار فواتير وإيصالات إلكترونية بحسب طبيعة تعاملاتهم، وبين الاستمرار في إخضاعهم للمحاسبة التقديرية.
وأشار إلى أن إلزام الممول بإثبات تعاملاته مستندياً يجعل اللجوء للتقدير الجزافي أمراً في غير محلّه ويفقد إلزامية الفاتورة قيمتها التشريعية، مؤكداً أن إثبات الإيرادات والمستندات عبر الفواتير والإيصالات يمثل الحماية الأساسية للممول لمنع الشطط والتقديرات المبالغ فيها من جانب مأموري الضرائب.
وشدد فوزي، على أن قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 بات بحاجة ماسة لإعادة نظر وصياغة جديدة كاملة، لاسيما بعد كثرة التعديلات التي دخلت عليه وعلى المادة 90 لاستيعاب المحاسبة التقديرية ، لافتًا إلى أن المطلوب حالياً ليس مجرد تعديل مادة بعينها، بل إعادة صياغة القانون بالكامل لتوحيد الالتزامات الضريبية وجعلها مكملة لبعضها البعض، بما يضمن ضبط الإيقاع التشريعي واستقراره.
ونوه أمين عام الجمعية، بأن المنظومة الضريبية أتاحت بدائل مرنة للممولين، سواء بتقديم إقرار مؤيد بمستندات وإيرادات واضحة، أو عبر الانضمام إلى نظام المحاسبة المبسطة (وفق القانون 6) للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها 20 مليون جنيه، والذي يكتفي بتحديد الضريبة بنسبة قطعية من إجمالي الإيراد دون الحاجة لتقديم مستندات المصروفات.
أكد فوزي أن التحول الرقمي والنظام المبسط يقلصان مساحة المنازعات الطويلة والطعون التي كانت تفرض تكاليف باهظة على الممولين، موضحاً أن بعض الاعتراضات الحالية على تطبيق هذه النظم تأتي من قبل بعض الفئات المقاومة للتغيير والتي تعتمد مصالحها على بقاء الخلافات التقديرية.
العادلى: المواجهة تتطلب تدريباً وتعليمات داخلية.. لا تعديلات تشريعية
ويرى عبدالله العادلي، رئيس قطاع الضرائب بمكتب «مور إيجيبت» للاستشارات المالية والضريبية، أن معالجة ملف المحاسبة التقديرية لا تتطلب بالضرورة تعديلاً تشريعياً، وإنما تحتاج بصورة أكبر إلى إجراءات داخلية وتدريب العاملين بمصلحة الضرائب على إجراء الفحص الفعلي وإعطائه الأولوية على التقدير الجزافي.
أضاف العادلي أن المادة 18 من قانون الضريبة على الدخل يجب أن تظل قائمة للتعامل مع الحالات التي لا تتوافر فيها حسابات أو دفاتر يمكن الاعتماد عليها، مشيراً إلى أن اللجوء إلى التقدير في هذه الحالات يظل أمراً ضرورياً، وبالتالي فإن تعديل المادة من عدمه لن يمثل حلاً للمشكلة.
وأوضح العادلي، أن الممارسة العملية داخل مصلحة الضرائب يجب أن تركز على تدريب العاملين وتأهيلهم لإجراء فحص فعلي للملفات، بدلاً من الاعتماد على التقدير الجزافي، بحيث تكون الأولوية دائماً للفحص الفعلي متى كان ذلك ممكناً.
وأشار إلى أن الفحص الفعلي يحقق فائدة أكبر للمأمور وللممول وللحصيلة الضريبية، موضحاً أن فحص حالة الممول والوقوف على الإيرادات والمصروفات الفعلية أفضل من اللجوء إلى تقدير الضريبة استناداً إلى الإيرادات فقط، خاصة أن المصروفات التي تتحملها شركة تمثل في الوقت نفسه إيرادات لأشخاص أو كيانات أخرى.
ولفت العادلي إلى أن الاعتماد على الفحص الفعلي يسهم كذلك في توسيع قاعدة الحصر الضريبي، إذ يتيح للمصلحة تتبع المدفوعات التي تخرج من شركة إلى أطراف أخرى، مثل مقابل شراء الأراضي أو الأتعاب المهنية وغيرها، بما يساعد على التعرف على الأنشطة والإيرادات المرتبطة بهذه المعاملات.
وتابع: “المشكلة في جوهرها لا ترتبط بالحاجة إلى تعديل تشريعي بقدر ما تتعلق بالتعليمات الداخلية وتدريب العاملين وحثهم على إجراء الفحص الفعلي”، مشدداً على أن إعطاء الأولوية لهذا النوع من الفحص يمكن أن ينعكس على الحصيلة الضريبية وعلى حصر المجتمع الضريبي بصورة أكثر شمولاً.
عبدالهادي: التقديرات الجزافية تؤثر سلباً على مناخ الأعمال
وقال عبدالرسول عبدالهادي، أستاذ المحاسبة والضرائب، إن تطبيق آليات المحاسبة التقديرية أو الفعلية يرتكز بالأساس على وعي وثقافة المجتمع الضريبي، إلى جانب كفاءة وأداء مصلحة الضرائب في المنظومة.
وشدد على الاحتياج المتزايد لصياغة نظام ضريبي عادل يضع حلولًا حاسمة لملفات الممولين الملتزمين، ويخلق حوافز حقيقية لدمج غير الملتزمين، مع ضرورة التخلي تمامًا عن التقديرات الجزافية التي تؤثر سلبًا على مناخ الأعمال.
وطالب أستاذ المحاسبة، بضرورة إيجاد آلية واضحة وقابلة للتنفيذ للقوانين الضريبية الصادرة حديثًا قبل البدء الفعلي في تطبيقها على أرض الواقع، لضمان تلافي المشكلات الإجرائية وتيسير العمل بها.
ودعا عبدالهادي، إلى إعادة نظر شاملة في المنظومة الضريبية ككل، بهدف تحويلها إلى بيئة عادلة وجاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية، وقادرة على استقطاب الاقتصاد غير الرسمي تحت المظلة الرسمية للدولة.
مشرفة: الدفع بفرق “مساعدة المسجلين” ميدانياً لتوعية صغار التجار
ويرى أحمد مشرفة، المحاسب القانوني وعضو مجلس إدارة الجمعية العلمية للتشريع الضريبي، أنه لامجال للمحاسبة التقديرية في ظل التعديلات التشريعية الأخيرة، والتوسع في تطبيق الفاتورة والإيصال الإلكترونيين، وتفعيل القانون 6 المعنى بالضريبة القطعية على المنشآت التى لا يتجاوز حجم أعمالها عن 20 مليون جنيه .
أضاف أن قانون الضرائب رقم 91 لم يتضمن منذ صدوره ما يسمى «التقدير الجزافي»، إلا في حالات محددة تمتنع فيها الممول عن تقديم مستنداته. وشدد على أن إلغاء التقدير الجزافي نهائيًا هو الأفضل لصالح الحصيلة الضريبية للدولة، ولضمان استقرار المراكز القانونية للممولين.
ودعا عضو مجلس إدارة الجمعية العلمية للتشريع الضريبي مصلحة الضرائب المصرية إلى ضرورة الدفع بمأموري الضرائب وفرق «مساعدة المسجلين» للتواجد ميدانيًا بين الممولين، ولا سيما صغار التجار وأصحاب الأكشاك والمحلات الصغيرة.
وأوضح مشرفة، أن هذه الفئات تفتقر إلى الدراية الكافية بأحكام القانون رقم 6، مشيرًا إلى أن القانون يوفر الحماية لجميع الممولين الذين يتجاوز حجم أعمالهم حد 20 مليون جنيه أو يقل عنه. واستشهد في هذا الصدد بتجربة سابقة لمصلحة الضرائب عند تطبيق المرحلة الثانية لضريبة المبيعات، حين جرى توجيه فرق لإرشاد المسجلين وتصحيح أخطائهم دون إخضاعهم للمحاسبة المباشرة.
وفيما يتعلق بالممولين الذين تتجاوز مبيعاتهم 20 مليون جنيه، بيّن مشرفة أن دخولهم في نظام العينات يضمن استقرار الأوضاع الضريبية للالتزام المستندي.
وانتقد المحاسبة بناءً على مجرد نسب «صافي الربح» لدى بعض القطاعات الكبرى، مثل شركات المقاولات، مشددًا على أن الاعتماد على التقدير في هذا القطاع يتسبب في ضياع مبالغ ضريبية طائلة على الخزانة العامة للدولة.
وأكد مشرفة، أن القانون رقم 91 ينص على تقديم إقرارات مؤيدة بحسابات منتظمة أو بمستندات، لافتًا إلى توجيهات رئيس المصلحة السابقة بالكتفاء بالمستندات. وشدد على أن التوصية الرئيسية للجمعية تتمثل في سرعة تحرك مصلحة الضرائب لإرشاد الممولين بكيفية التطبيق الصحيح للقانون رقم 6.
وهكذا.. بينما يمثل إلغاء المادة 18 خطوة نحو تقليص مساحة المحاسبة التقديرية والاعتماد على البيانات الفعلية، يكشف اختلاف آراء الخبراء أن إنهاء التقديرات الجزافية لا يرتبط بالنص التشريعى وحده، وإنما بقدرة المنظومة الضريبية على تحويل الرقمنة إلى ممارسة فعلية داخل عمليات الفحص، وتأهيل العاملين وتوحيد الإجراءات، بما يحقق التوازن بين حقوق الممولين ومستهدفات الحصيلة، ويعزز الثقة فى المنظومة ويدعم دمج الاقتصاد غير الرسمى تحت المظلة الرسمية.







