كان المشهد المتوقع جاهزًا.. الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى يرفع الفائدة، فتتجه الأموال الساخنة فى الأسواق الناشئة نحو الخروج بحثًا عن عائد دولارى أكثر أمانًا.
لكن ما حدث فى مصر خلال الأيام التالية مباشرة لقرار الفيدرالى جاء مخالفًا لهذا السيناريو.. فبعد موجة بيع محدودة فى أول جلسة تداول، عاد الأجانب والعرب للشراء بقوة، ليسجلوا صافى مشتريات بلغ 74.97 مليار جنيه -1.45 مليار دولار- من أدوات الدين المحلية خلال 5 جلسات.
رفع الفيدرالى الأمريكى، فى اجتماعه يوم 16 سبتمبر 2026، سعر الفائدة الأساسى بمقدار 25 نقطة أساس، لتتراوح بين 3.75% و4%، فى خطوة تعكس استمرار القلق بشأن التضخم رغم متانة النشاط الاقتصادى الأمريكى.
وجاء القرار قبل أيام من اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزى المصرى، التى قررت فى 24 سبتمبر الإبقاء على سعر عائد الإيداع عند 19% والإقراض عند 20%، مع تثبيت سعر العملية الرئيسية عند 19.5%.
وفى أول جلسة تداول أعقبت قرار الفيدرالى، سجل الأجانب مبيعات صافية من أدوات الدين المصرية بنحو 13.3 مليار جنيه – 250 مليون دولار-، فى مؤشر أولى بدا متوافقًا مع التوقعات التقليدية لتأثير رفع الفائدة الأمريكية على الأسواق الناشئة.
ويرى محللون أن العامل الرئيسى وراء استمرار جاذبية السوق المصرية يتمثل فى الفارق الكبير بين العائد على الأصول المصرية والعائد المتاح على الأصول الأمريكية.
ففى الوقت الذى يبلغ فيه نطاق الفائدة الأمريكية 3.75% إلى 4%، تحافظ مصر على أسعار فائدة 19% للإيداع و20% للإقراض، بينما تدور عوائد بعض أذون الخزانة المصرية حول مستويات تقترب من 25% لبعض الآجال – فارق يتجاوز 15 نقطة مئوية فى بعض المقارنات، يمنح المستثمر الأجنبى مساحة لتحقيق عائد مرتفع، خاصة إذا ظل سعر صرف الجنيه مستقرًا نسبيًا ولم تحدث تحركات حادة فى قيمة العملة.
ويبدو أن قرار البنك المركزى المصرى تثبيت أسعار الفائدة، رغم رفع الفيدرالى الأمريكى، يستهدف الحفاظ على توازن دقيق بين دعم جاذبية الجنيه وأدوات الدين من ناحية، وعدم زيادة تكلفة الاقتراض المحلى من ناحية أخرى.
كما يستند القرار إلى تحسن نسبى فى مسار التضخم؛ إذ تباطأ التضخم السنوى فى المدن إلى 14.5% خلال أغسطس 2026، مقابل 14.9% فى يوليو، بينما أبقى المركزى على سياسته النقدية عند مستويات توصف بأنها تقييدية.
شفيع: التوترات الجيوسياسية تضغط على الأموال الساخنة رغم جاذبية العائد
فى المقابل، قال مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث المالية بشركة أسطول القابضة، لـ«البورصة»، إن سوق أدوات الدين الحكومية فى مصر شهدت خلال الفترة الأخيرة تخارجات لاستثمارات الأجانب بوتيرة أعلى من الدخول، مرجعًا ذلك إلى التوترات الجيوسياسية فى المنطقة والحرب الدائرة بين أمريكا وإيران.
وأضاف أن رفع الفيدرالى الأمريكى لأسعار الفائدة، وسط توقعات بمزيد من الرفع خلال الاجتماعات المرتقبة، يزيد من الضغوط على الأموال الساخنة فى مصر، رغم استمرار جاذبيتها نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة على أدوات الدين الحكومية.
ويرى شفيع أن استمرار الفيدرالى فى وتيرة التشديد النقدى يتطلب من المركزى المصرى زيادة أسعار الفائدة للحفاظ على جاذبية أدوات الدين أمام المستثمرين الأجانب.
نجلة: فارق الفائدة بين القاهرة وواشنطن لا يزال يميل لصالح الجنيه
على الجانب الآخر، قال محمود نجلة، المدير التنفيذى لأسواق النقد والدخل الثابت فى شركة الأهلى لإدارة الاستثمارات المالية، لـ«البورصة»، إن هدوء حركة الأجانب فى أدوات الدين المصرية خلال الفترة الأخيرة لا يعنى اختفاء شهية المستثمر الأجنبى للسوق المصرى، وإنما يعود إلى إعادة ترتيب المراكز فى ظل المتغيرات العالمية.
ويرى نجلة أن تثبيت البنك المركزى المصرى لأسعار الفائدة، حتى بعد رفعها من قبل الفيدرالى الأمريكى، لا يزال يحافظ على جاذبية السوق المصرية للمستثمرين الأجانب، مؤكدًا أن فارق أسعار الفائدة بين السوقين يميل لصالح أدوات الدين المصرية.
وأوضح أن متوسط العائد على أذون الخزانة فى السوق الثانوى بنهاية سبتمبر بلغ 24.2% لأجل 3 أشهر، و25.35% لأجل 6 أشهر، ونحو 25.4% لأجل سنة، وهى مستويات لا تزال جاذبة جدًا مقارنة بمعدلات الفائدة العالمية.
وذكر نجلة أن حركة الأجانب تعكس نشاطًا طبيعيًا للسوق المحلية يتضمن تحركات فى الاتجاهين، البيع والشراء، بما يعنى أن ذلك لم يعد يمثل توجهًا بالخروج.
وتوقع احتفاظ السوق المحلية بالأموال الساخنة، لكنها ستكون أكثر انتقائية وحساسية لأى تطورات فى سعر الصرف أو الفائدة العالمية أو الأوضاع الجيوسياسية.
وأضاف أن استمرار استقرار سوق الصرف مع بقاء العائد على أدوات الدين عند مستوياته الحالية، ومع وضوح أكبر للصورة الجيوسياسية، قد يدعم عودة تدفقات أجنبية أكبر تدريجيًا.








