أقر البنك المركزي المصري في أغسطس الماضي الإطار التنظيمي الكامل لمنصة الهوية المالية الرقمية (eKYC)، الذي يتيح للمواطن فتح حساب بنكي والحصول على منتجات مصرفية عبر القنوات الرقمية بالكامل دون زيارة الفرع.
ويأتي ذلك في وقت بلغ فيه صافي الاحتياطي الدولي لمصر رقمًا قياسيًا عند 57.2 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، وارتفعت فيه نسبة الشمول المالي إلى 77.6% بنهاية 2025، مما يمنح القطاع المصرفي المصري فرصة استثنائية للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في قيادة التحول المصرفي إقليميًا.
وقال خالد بركات، الخبير المصرفي بخبرة تقارب 30 عامًا: “من واقع قيادة مباشرة لعمليات تحول مصرفي حقيقية على مدى ثلاثة عقود، لا كمراقب، بل كطرف نفذ هذا التحول وتحمّل مسؤوليته المباشرة، يمكن ملاحظة نمط متكرر: المؤسسات التي تنجح في تحويل التقنية إلى نمو فعلي هي التي تعامل التحول كإعادة بناء لنموذج العمل بأكمله، لا كمشروع تقني منعزل”.
وأضاف: “هذا النمط ينطبق على مستوى البنك الواحد، لكنه ينطبق بنفس القدر على مستوى الاقتصاد الوطني ككل”.
وتقدّر “ماكينزي” أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يضيف ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار سنويًا إلى الاقتصاد العالمي، منها ما بين 200 و340 مليار دولار للقطاع المصرفي.
وحين تنمو ربحية القطاع المصرفي وقدرته على خدمة شرائح جديدة من المواطنين والمستثمرين، ينعكس ذلك مباشرة على الناتج المحلي، والإيرادات الضريبية، والقدرة التمويلية للاقتصاد ككل، مما يجعل هذا الملف قضية سياسة اقتصادية لا قضية تقنية معزولة.
وتتنوع التقنيات المستخدمة في القطاع المصرفي، ولكل منها غرض ومستوى رقابة مختلف؛ فمعالجة اللغة الطبيعية هي الأنسب لخدمة أعداد ضخمة من المواطنين على مدار الساعة بتكلفة منخفضة، والذكاء الاصطناعي التوليدي يختصر وقت إعداد التقارير وتحليل المستندات، لكنه يحتاج إلى ضوابط أوضح لأنه قد “يخترع” معلومات غير دقيقة إن لم يُقيّد بمصادر موثوقة.
أما الذكاء الاصطناعي الوكيل فينفذ سلسلة قرارات وإجراءات كاملة ضمن صلاحيات محددة، ويرفع الكفاءة التشغيلية، لكنه يطرح أسئلة جوهرية حول المساءلة القانونية والحوكمة.
وأوضح بركات: “الفائدة الأكبر على المستوى الوطني ليست في زيادة أرباح البنوك بحد ذاتها، بل في قدرة هذه الأدوات مجتمعة على الوصول إلى شرائح لم تكن مخدومة من قبل. فأكبر عائق أمام توسيع قاعدة الخدمة المالية لم يكن يومًا نقص الطلب، بل صعوبة تقييم المخاطر بدقة وسرعة كافيتين لعملاء بلا سجل ائتماني تقليدي، وهي الفجوة التي تسدها اليوم نماذج التقييم البديلة”.
وتمتلك مصر اليوم مجموعة مؤشرات اقتصادية إيجابية متزامنة، لا مؤشرًا واحدًا معزولاً؛ فقد رفعت وكالة “S&P Global” تصنيف مصر الائتماني في أكتوبر 2025 لأول مرة خلال سبع سنوات، بعد أن رفعت وكالة “Fitch” تصنيفها المماثل في نوفمبر 2024.
وسجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج 47.3 مليار دولار في العام المالي 2025/2026 بنمو 29.6%، بينما بلغت عائدات قناة السويس 4.67 مليار دولار في العام المالي ذاته بنمو 23%.
وفي مجال الشمول المالي، ارتفعت نسبة المواطنين من سن 15 عامًا فأكثر الذين يمتلكون حسابًا بنكيًا أو وسيلة دفع رسمية من 27% عام 2016 إلى 77.6% بنهاية 2025، وفقًا للبنك المركزي المصري، مع تجاوز شبكة الدفع الفوري “إنستاباي” 22 مليون مستخدم، بمعاملات بلغت قيمتها 4.33 تريليون جنيهٍ حتى الربع الثاني من 2026.
وتشهد البيئة التنظيمية تسارعًا لافتًا، إذ أطلق البنك المركزي المصري صندوق تطوير وإصلاح القطاع المصرفي في أكتوبر 2025، ومنح أول ترخيص لبنك رقمي بالكامل في السوق، بينما شهد أبريل 2026 حزمة إصلاحات تنظيمية لسوق المال المصري.
كما تتحول مصر تدريجيًا من متلقٍ للخبرة إلى مصدّر لها إقليميًا؛ ففي يوليو 2026 استضاف البنك المركزي المصري وفدين من البنك المركزي الغاني لنقل الخبرة في إدارة البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في السياسة النقدية والتنبؤ بالتضخم، إضافة إلى منظومة الأمن السيبراني المالي المصرية “EG-FinCIRT” و”EG-FinCSF”.
ويرى بركات أن اجتماع هذه المؤشرات، من تحسن التصنيف الائتماني وتعافي الاحتياطيات وتسارع الشمول المالي إلى الانفتاح التنظيمي وقاعدة الكفاءات الرقمية والشهية الاستثمارية المتجددة، نادرًا ما يحدث بهذا التزامن في دورة اقتصادية واحدة.
وختم قائلًا: “التحول المؤسسي الناجح ليس مشروعًا تقنيًا منعزلاً، بل إعادة بناء كاملة لنموذج العمل، تقودها الإدارة العليا وتتحمل مسؤوليتها المباشرة. والمطلوب في هذه المرحلة هو استثمار هذه المؤشرات عبر سياسات تحفز الشراكة بين البنوك التقليدية وشركات التكنولوجيا المالية، وتدعم استمرار الانفتاح التنظيمي الذي بدأ بالفعل يجذب انتباه المستثمرين الدوليين”.







