كرة القدم لم تعد مجرد منافسة على البطولات والألقاب، بل تحولت إلى صناعة اقتصادية ويلعب فيها الاستثمار دورًا كبيرًا في اكتشاف المواهب وتطويرها وتسويقها.
وبينما تنفق أندية مبالغ ضخمة لشراء النجوم، اختارت أندية أخرى البحث عن طريق مختلف يقوم على اكتشاف اللاعبين الصغار، وتأهيلهم، ثم بيعهم بمقابل مالي يحقق عائدًا على الاستثمار. ويبرز ناديا إنبي ووادي دجلة باعتبارهما نموذجين يستحقان الدراسة في سوق كرة القدم المصرية.
إنبي.. الموهبة التي تتحول إلى ملايين
ارتبط اسم إنبي على مدار سنوات بتقديم لاعبين مميزين إلى الكرة المصرية، مستفيدًا من منظومة الناشئين وقدرته على اكتشاف المواهب ومنحها الفرصة للمشاركة مع الفريق الأول. ولم يقتصر دوره على تخريج اللاعبين، بل امتد إلى شراء بعض المواهب من أندية أخرى، وتطويرها، ثم تسويقها عندما ترتفع قيمتها الفنية والسوقية.
وتقدم صفقة أقطاي عبدالله مثالًا واضحًا على هذه السياسة. فبحسب تصريحات المدير الرياضي لإنبي، تعاقد النادي مع اللاعب من طنطا مقابل أربعة ملايين جنيه، قبل أن يبيعه إلى الأهلي مقابل 30 مليون جنيه. وبذلك بلغ الفرق بين سعر الشراء وسعر البيع 26 مليون جنيه، قبل احتساب الرواتب والمكافآت والعمولات وسائر المصروفات المرتبطة بالصفقة.
وتوضح هذه الأرقام كيف يمكن لإدارة ناجحة أن تحقق عائدًا كبيرًا من الاستثمار في لاعب خلال فترة قصيرة. فسعر البيع بلغ سبعة أمثال ونصف سعر الشراء، وهو ما يعكس أهمية اكتشاف المواهب قبل ارتفاع أسعارها، ومنحها فرصة لإثبات قدراتها، ثم الاستفادة من الطلب عليها في سوق الانتقالات.
لكن نجاح صفقة واحدة لا يكفي للحكم على إجمالي أرباح إنبي؛ إذ يتطلب ذلك حصر جميع عمليات الشراء والبيع، ومقارنة الإيرادات بتكاليف قطاع الناشئين ورواتب اللاعبين ومصروفات الفريق الأول.
وادي دجلة.. الأكاديميات بوابة الاستثمار
أما وادي دجلة، الذي ارتبطت تجربته الاستثمارية باسم مؤسسه ماجد سامي، فقد اعتمد على منظومة مختلفة نسبيًا، تقوم على مدارس الكرة والأكاديميات وتطوير المواهب في مراحل عمرية مبكرة، إلى جانب المشاركة في المنافسات الرسمية وتسويق اللاعبين للأندية المحلية والخارجية.
وفي يناير 2025، أعلن ماجد سامي عن أن إجمالي إيرادات بيع اللاعبين منذ بداية نشاط النادي الكروي اقترب من نصف مليار جنيه. كما تحدث عن عائد متوقع يقارب 100 مليون جنيه من انتقال عمر مرموش إلى مانشستر سيتي، مع الإشارة إلى أن المبلغ تقديري وقابل للزيادة أو النقصان.
وتكشف تجربة مرموش عن القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تحققها منظومة اكتشاف المواهب؛ فقد بدأ اللاعب مسيرته في وادي دجلة، ثم انتقل إلى ألمانيا، وتدرج في مسيرته الاحترافية حتى وصل إلى أحد أكبر أندية إنجلترا. وهكذا يمكن للنادي الذي يكتشف اللاعب ويطوره أن يستفيد من انتقالاته، وفق العقود والحقوق المالية المستحقة له.
ومع ذلك، فإن الاقتراب من نصف مليار جنيه في إجمالي المبيعات لا يعني تحقيق أرباح صافية بالقيمة نفسها؛ فالأكاديميات تحتاج إلى ملاعب ومدربين وإداريين وأدوات تدريب ورعاية طبية، كما أن تطوير اللاعبين يستغرق سنوات، وقد لا يحقق كثير منهم عائدًا ماليًا يعوض تكاليف الاستثمار فيهم.
أيهما أكثر قدرة على تحقيق الأرباح؟
المقارنة بين إنبي ووادي دجلة تكشف اختلافًا في أدوات الاستثمار، أكثر مما تقدم حكمًا نهائيًا على الأرباح. فالتعاقد مع لاعب جاهز نسبيًا، ثم إعادة بيعه بسعر أعلى، قد يحقق عائدًا سريعًا، كما توضح صفقة أقطاي عبدالله. أما الاستثمار في الأكاديميات والناشئين، فيعتمد على بناء قاعدة واسعة من المواهب، مع احتمال ظهور لاعبين مميزين يحققون عوائد كبيرة بعد سنوات من الإنفاق.
وتتوقف النتيجة الاقتصادية في الحالتين على جودة الإدارة، ودقة اختيار اللاعبين، وقدرة النادي على تسويقهم، والاحتفاظ بحقوق مالية عند انتقالهم مستقبلًا. كما تتأثر الأرباح بمدة بقاء اللاعب، وتكلفة تطويره، وما إذا كان النادي يحصل على مقابل مالي مباشر فقط أم يستفيد أيضًا من شروط إعادة البيع.
الاستثمار الرياضي.. الإيرادات ليست الأرباح
تقدم تجربتا إنبي ووادي دجلة نموذجًا مهمًا لإمكانية تحويل المواهب إلى مورد اقتصادي للأندية المصرية. لكن تحديد حجم النجاح المالي يتطلب الاطلاع على الحسابات الفعلية، وليس الاكتفاء بأرقام الصفقات المعلنة.
ففي إنبي، يوضح الفرق بين شراء أقطاي عبدالله بأربعة ملايين وبيعه بثلاثين مليون جنيه عائدًا أوليًا قدره 26 مليونًا قبل المصروفات. وفي وادي دجلة، يشير إجمالي المبيعات المعلن، الذي اقترب من نصف مليار جنيه، إلى حجم النشاط التجاري المرتبط باللاعبين عبر سنوات.
والخلاصة أن صناعة اللاعب المصري يمكن أن تتحول إلى استثمار حقيقي، بشرط أن تقوم على منظومة متكاملة تجمع بين اكتشاف المواهب والتدريب والتسويق والإدارة المالية.
فالأندية التي تنجح في تطوير اللاعبين وبيعهم بقيمة أعلى من تكلفتهم تستطيع بناء مصدر دخل مهم، لكن الحكم النهائي على نجاحها يظل مرتبطًا بصافي الأرباح، لا بحجم الأموال التي تدخل خزائنها وحده.








