يتطلب توطين صناعة مكونات الطاقة المتجددة في مصر، بناء طلب محلى قادر على استيعاب الإنتاج، بما يضمن الجدوى الاقتصادية للاستثمارات الصناعية ويحد من الاعتماد على الواردات قبل التوسع في التصدير، بحسب أيمن هيبة، رئيس مجلس إدارة جمعية تنمية الطاقة المستدامة ورئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة.
قال هيبة لـ«البورصة»، إن مصر تمتلك قاعدة صناعية لإنتاج عدد من مكونات مشروعات الطاقة الشمسية، تشمل هياكل تثبيت الألواح والكابلات الكهربائية ولوحات الحماية والتحكم، بينما لاتزال هناك مكونات تحتاج إلى تطوير قدرات التصنيع المحلي، وفى مقدمتها عاكسات التيار المستخدمة فى تحويل الكهرباء المولدة من الألواح الشمسية.
وأضاف أن توطين صناعة الخلايا الشمسية يواجه تحديات تتعلق بارتفاع الاستثمارات المطلوبة وحجم الإنتاج اللازم لتحقيق الجدوى الاقتصادية وخفض تكلفة الوحدة، بما يعزز قدرة المنتج المحلي على المنافسة، خاصة أمام المنتجات الصينية التي تستحوذ على حصة كبيرة من الإنتاج العالمى.
وأشار إلى أن نسبة المكون المحلي في مشروعات الطاقة الشمسية تتراوح بين 25% و40%، موضحًا أن هذه النسبة لا تقتصر على المعدات المصنعة محليًا، بل تشمل أيضًا الخدمات الهندسية والاستشارية وأعمال التصميم والتركيب والتنفيذ.
أكد هيبة، أن المشروعات الكبرى الممولة من المؤسسات الدولية تخضع لاشتراطات فنية وتمويلية، من بينها قابلية المنتجات للتمويل المصرفي والحصول على الشهادات الفنية المطلوبة، وهو ما قد يمثل تحديًا أمام المصانع المحلية الجديدة في مراحل تشغيلها الأولى.
ولفت إلى أهمية التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية الموزعة، لما تمثله من فرصة لخلق طلب محلي على المكونات المصنعة في مصر، داعيًا إلى إزالة القيود التي تحد من انتشار هذه المشروعات، بما يدعم قدرة السوق على استيعاب الإنتاج المحلى ويشجع الاستثمار فى تصنيع مكونات الطاقة المتجددة.
وأوضح أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس شهدت مشروعات تستهدف إنتاج أو تجميع مكونات الألواح الشمسية بمشاركة مستثمرين عرب وصينيين، إلا أن بعض هذه المشروعات يعتمد على تجميع الخلايا أو المكونات، وليس تصنيعها بالكامل بدءًا من مراحل معالجة السيليكون.
وقدر هيبة الطاقة الإنتاجية لهذه المشروعات بنحو 2 جيجاوات سنويًا، معتبرًا أنها لاتزال محدودة مقارنة بالقدرات الإنتاجية للمصانع الصينية، التي قد تصل الطاقة الإنتاجية لأحد مصانعها الأصغر حجمًا إلى 6 جيجاوات سنويًا.
أكد رئيس مجلس إدارة جمعية تنمية الطاقة المستدامة ورئيس شعبة الطاقة المستدامة، أن التطور التكنولوجي السريع يمثل أحد أبرز التحديات أمام توطين صناعة الخلايا الشمسية.
وأوضح أن دراسات الجدوى لبعض المشروعات ذات القدرات الإنتاجية المتوسطة قد تشير إلى فترة استرداد لرأس المال تصل إلى 10 سنوات، في حين تتطلب التطورات التكنولوجية المتلاحقة تحديث خطوط الإنتاج والمعدات بصورة مستمرة.
أضاف أن محدودية القدرات المحلية في البحث والتطوير تزيد اعتماد المصانع المصرية على التكنولوجيا المستوردة، ما يرفع أهمية دراسة الجدوى الاقتصادية للاستثمارات الجديدة وضمان وجود طلب مستدام يتيح للمصانع تحقيق وفورات الحجم واسترداد استثماراتها.
قال هيبة، إن مصر تستورد نحو 99% من احتياجاتها من الألواح الشمسية، خاصة من الصين، كما تعتمد على الاستيراد لتلبية كامل احتياجاتها من عواكس التيار “الإنفرتر” وأنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات.
وأضاف أن أبرز المكونات التي تعتمد مصر على استيرادها تشمل الألواح الجاهزة والخلايا الشمسية ورقائق السيليكون، وفقًا لمرحلة التصنيع المحلي، إلى جانب عواكس التيار ومكونات إلكترونيات القدرة والتحكم، فضلًا عن خلايا البطاريات ومكوناتها الإلكترونية المستخدمة في أنظمة تخزين الطاقة، خاصة عند إضافة أنظمة تخزين البطاريات (BESS) إلى مشروعات الطاقة المتجددة.
وأوضح هيبة ، أن مصر تضم ثلاثة مصانع لتجميع الألواح الشمسية، لدى الهيئة العربية للتصنيع ومصنع بنها ومصنع البصريات، بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 5 ميجاوات لكل مصنع، مشيرًا إلى أن القطاع الخاص يمتلك خط تجميع للألواح الشمسية في المنطقة الصناعية بأبو رواش.
وأشار إلى وجود 3 مجمعات صناعية جديدة تحت الإنشاء في المنطقة الصناعية بالسويس، من بينها مشروع شركة إيليت سولار، الذي يستهدف إنتاج وتجميع الألواح الشمسية بطاقة 2 جيجاوات سنويًا، إلى جانب مرحلة لإنتاج الخلايا الشمسية بطاقة 3 جيجاوات سنويًا، فضلًا عن مشروعات أخرى، من بينها أتوم سولار.
ويعكس التوسع في مشروعات إنتاج الخلايا والألواح، اتجاهًا نحو الانتقال من تجميع الألواح باستخدام مكونات مستوردة إلى توطين مراحل أعمق من سلسلة التصنيع، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب توفير طلب محلي كافٍ وقدرات تمويلية وتكنولوجية قادرة على دعم المنافسة.
قال هيبة، إن تكلفة إنشاء مصنع للخلايا الشمسية تختلف بصورة كبيرة وفقًا لمرحلة التصنيع المستهدفة؛ إذ تختلف تكلفة تجميع الألواح باستخدام خلايا مستوردة عن تصنيع الخلايا من رقائق جاهزة، كما ترتفع متطلبات الاستثمار عند إنشاء سلسلة إنتاج متكاملة تشمل الرقائق ومعالجة السيليكون.
وأوضح أن إنشاء مصنع بطاقة إنتاجية تتراوح بين 2 و4 جيجاوات سنويًا قد يتطلب استثمارات مبدئية تتراوح بين 80 و160 مليون دولار، وفقًا لنطاق التصنيع والتكنولوجيا المستخدمة.
أكد هيبة أن الحوافز اللازمة لتوطين صناعة مكونات الطاقة المتجددة تتمثل في توفير طلب محلي مستقر من خلال برنامج مشتريات ومناقصات واضح يمتد من 3 إلى 5 سنوات، مع تفضيل تدريجي للمنتج المحلي الذي يستوفي متطلبات الجودة والسعر.
وأضاف أن الصناعة تحتاج إلى قروض طويلة الأجل وفترات سماح تغطي مراحل الإنشاء وبدء الإنتاج، إلى جانب تمويل مخزون المدخلات، بما يساعد المصانع على تجاوز الأعباء التمويلية في السنوات الأولى للتشغيل.
وأشار إلى أهمية تسهيل استيراد الآلات والخامات غير المتاحة محليًا، وتسريع رد مستحقات التصدير والضرائب، فضلًا عن توفير أراضي ومرافق جاهزة تشمل الكهرباء المستقرة والمياه المعالجة والصرف الصناعي، مع توحيد إجراءات التراخيص وتحديد مواعيد واضحة لإنجازها.
وشدد على ضرورة ربط الدعم بالإنتاج المباع والمطابق للمواصفات، على أن يتناقص تدريجيًا بمرور الوقت، مع زيادة الحوافز كلما تعمق التصنيع المحلي وارتفعت القيمة المضافة داخل مصر.
أضاف أن نقل التكنولوجيا وتطوير القدرات الهندسية والفنية يمثلان عنصرًا أساسيًا في توطين الصناعة، إلى جانب تشجيع الصناعات المغذية، مثل الزجاج الشمسي ومواد التغليف والإطارات وصناديق التوصيل وغيرها من المكونات المستخدمة في تصنيع الألواح.
وأكد أن الإعفاءات الضريبية وحدها لا تضمن الجدوى الاقتصادية للمصانع ما لم يتوافر طلب مستقر على منتجاتها وتمويل مناسب وجودة قادرة على المنافسة، مشددًا على ضرورة قياس نجاح التوطين وفقًا للقيمة المضافة المحلية ومستوى التكنولوجيا وحجم الإنتاج المباع، إلى جانب الطاقة الإنتاجية.








