تواجه فرنسا مفارقة اقتصادية لافتة؛ فهي من أكثر الاقتصادات المتقدمة إنفاقًا على القطاع العام وإعادة توزيع الدخل، لكنها تعجز عن احتواء الغضب الاجتماعى الذي يتجدد مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة تحسين دخول الأسر.
وأظهرت الاضطرابات الأخيرة في باريس ومدن فرنسية أخرى اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والحكومة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة وتضيق قدرة السلطات على الاستجابة للمطالب الاجتماعية من خلال ضخ المزيد من الأموال.
ولا تقتصر المشكلة على فرنسا؛ إذ أدى ارتفاع أسعار الطاقة والسكن إلى تصاعد الاستياء في دول أوروبية أخرى، ما يكشف عن صعوبة حماية مستويات المعيشة في ظل الضغوط التضخمية وتباطؤ نمو الدخول.
إنفاق ضخم.. وعجز عن تلبية الاحتياجات
راكمت فرنسا نحو تريليون يورو إضافية من الاقتراض منذ عام 2019، ومع ذلك تشير استطلاعات إلى أن الفرنسيين يحتاجون في المتوسط إلى نحو 500 يورو إضافية شهريًا لتغطية نفقاتهم بصورة مريحة.
وتكشف هذه الفجوة أن ضخ الأموال العامة لم يعد كافيًا وحده لاحتواء الضغوط المعيشية، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف السكن والطاقة وتراجع قدرة الأجور على مواكبة الأسعار.
كما أن ارتفاع عوائد السندات الحكومية يزيد تكلفة الاقتراض، ويحد من قدرة الحكومة على استخدام الإنفاق العام لتهدئة الاحتجاجات أو تقديم دعم إضافي للأسر.
وبذلك تجد السلطات نفسها أمام معادلة صعبة: المواطنون يطالبون بتحسين الخدمات والأجور والقدرة الشرائية، بينما تتراجع المساحة المالية المتاحة أمام الحكومة لتلبية هذه المطالب.
المعاشات تستحوذ على حصة متزايدة
تتمثل إحدى المشكلات الرئيسية في طريقة توزيع الإنفاق العام، مقارنة بعام 1974، وهو آخر عام حققت فيه فرنسا توازنًا في الموازنة، لم ترتفع حصة الإنفاق على خدمات عامة مثل الأمن والقضاء والتعليم من الناتج المحلي الإجمالي إلا بنحو 0.1 إلى 0.3 نقطة مئوية، وفقًا لأنطوان فوشيه، المستشار الحكومي السابق.
في المقابل، ارتفعت حصة الإنفاق على المعاشات بنحو 6.5 نقطة مئوية، مع إعطاء الحكومات المتعاقبة أولوية للحفاظ على نظام تقاعد يوفر معاشات سخية وفترات تقاعد طويلة.
ويستهلك الإنفاق على المعاشات ما يقرب من ثلث ميزانية التعليم الفرنسية، وهو ما يساعد على تفسير الضغوط التي تواجه أجور المعلمين مقارنة بمتوسط الأجور في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن عدالة توزيع الموارد بين الأجيال، ومدى قدرة الإنفاق العام على دعم الشباب الداخلين إلى سوق العمل وتحسين جودة التعليم والخدمات التي يحتاج إليها الاقتصاد لزيادة إنتاجيته.
زيادة الأجور لا تعني تحسن الدخل بالقدر نفسه
لا يقتصر التحدى على محدودية الموارد العامة، بل يمتد إلى قدرة سوق العمل على تحسين مستويات المعيشة.
فالإصلاحات التي استهدفت زيادة التوظيف في القطاع الخاص لا تضمن بالضرورة تحسنًا ملموسًا في الدخول، مع ضعف نمو الإنتاجية وتراجع مستويات التعليم وتأخر الابتكار، إلى جانب الأعباء الاجتماعية والضريبية المرتفعة على الأجور.
وتشير تقديرات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية إلى أن زيادة تكلفة توظيف عامل يتقاضى الحد الأدنى للأجور بنحو 440 يورو لا تترجم إلا إلى زيادة تقارب 100 يورو في صافي دخله.
ويعكس ذلك الفجوة بين التكلفة التي يتحملها صاحب العمل والمبلغ الذي يصل بالفعل إلى العامل، بما يضعف الحافز لدى الشركات لزيادة الأجور، ويحد من المكاسب التي تحققها الأسر من نمو الدخل الاسمي.
كما تشير تقديرات نقلتها صحيفة «لوموند» إلى أن متوسط الأجر الوسيط في فرنسا ارتفع بنسبة 22.8% منذ عام 2017، مقابل زيادة بلغت 23.4% في الأسعار خلال الفترة نفسها.
وتعني هذه الفجوة أن نمو الأجور لم يكن كافيًا لتعويض التضخم بالكامل، ما أسهم في استمرار الضغوط على القدرة الشرائية رغم الزيادات الاسمية في الدخول.
الإصلاح المالي لم يعد قابلًا للتأجيل
لا تعني هذه الضغوط أن الاقتصاد الفرنسي فقد جميع نقاط قوته؛ فهو لايزال يتمتع بقاعدة صناعية متقدمة وخبرات هندسية متميزة وشبكة كهرباء تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة النووية.
لكن اجتماع ضعف الإنتاجية وارتفاع الأعباء المالية وتزايد الدين العام يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات، ويحد من قدرة الحكومة على استخدام الإنفاق الإضافي لمعالجة المشكلات الاجتماعية.
وتزداد صعوبة الموقف مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027، إذ قد تدفع الضغوط الشعبية القوى السياسية إلى تبني وعود بزيادة الإنفاق أو خفض الضرائب، رغم محدودية الموارد المتاحة.
وقد تفتقر بعض المقترحات السياسية الرامية إلى إعادة الأموال إلى جيوب المواطنين، إلى المصداقية المالية إذا تضمنت التزامات إنفاق جديدة بمليارات اليورو من دون مصادر تمويل واضحة.
وتتمثل المشكلة الأساسية في غياب نقاش صريح بشأن الإصلاحات الضرورية، سواء فيما يتعلق بالإنفاق على المعاشات أو كفاءة الخدمات العامة أو الأعباء المفروضة على العمل والإنتاج.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن لفرنسا أن تعتمد إلى أجل غير محدد على الاقتراض لتمويل التزاماتها الاجتماعية، فكلما ارتفعت تكلفة الدين، تقلصت قدرة الحكومة على الاستجابة للمطالب الشعبية، وأصبح تأجيل الإصلاح أكثر كلفة.
ويحتاج الاقتصاد الفرنسي إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق بما يحقق توازنًا أفضل بين احتياجات المتقاعدين والشباب، ويحسن كفاءة الخدمات العامة، ويعزز الإنتاجية والقدرة التنافسية.
ومن دون ذلك، قد يستمر الإنفاق العام المرتفع في التعايش مع الغضب الاجتماعي بدلًا من احتوائه.








