بقلم: كريستين لاجارد
رئيسة صندوق النقد الدولى
كان العام الماضى عصيباً على العديد من الدول العربية التى تمر بمرحلة تاريخية من التحول السياسى والاقتصادى مثل مصر والأردن وليبيا والمغرب وتونس واليمن، فالبيئة مليئة بالتحديات ولكن أمل هذه الشعوب فى بناء مجتمع جديد يقوم على قدر أكبر من الانفتاح ومزيد من الفرص والمساواة لم يتبدل.
يجب أن تكون اللبنة الأولى فى بناء اقتصاد أكثر شمولية هى استقرار الاقتصاد الكلى، وللآسف بات هذا الأمر مهدداً فى بعض الدول جراء تباطؤ النمو العالمى وازدياد التوترات الاجتماعية وتفاقم الضغوط السياسية.
ونستطيع ان نرى بوضوح العلامات التى تنذر بالخطر، كتعثر النمو الاقتصادى والمعاناة التى يعيشها شعوب تلك البلاد، واتساع عجز الميزانيات الحكومية وتراجع حجم الاحتياطات النقدية الاجنبية، وارتفاع معدلات البطالة من مستويات كانت مرتفعة بالفعل بشكل غير مقبول.
أصبح مقابلة هذه التحديات اكثر صعوبة فى أوقات التحول السياسى ولن يتم الا من خلال بناء توافق وطنى بشأن أجندات الاصلاح ترتكز على الشفافية والتواصل الدائم مع المواطنين، ولكن الوقت هو جوهر المسألة.
هناك تقدم جيد حيال دفع عملية التحول السياسى إلى الأمام، ولكن هذه العملية لم تنته بعد مع الانتخابات التى من المقرر إجراؤها خلال الاشهر القليلة المقبلة فى عدد من بلدان الشرق الاوسط مثل مصر وتونس والاردن، لذلك فان الوضع مازال هشاً ويشوبه اندلاع دورى للاضطرابات الاجتماعية، كما ان الصراع المأسوى فى سوريا يقودنا إلى أزمة انسانية خطيرة.
على الصعيد الاقتصادي، تواجه الشعوب العربية تحديات كبيرة نابعة من مصادر مختلفة مثل ارتفاع اسعار الغذاء وتكاليف الوقود المتقلبة وضعف النشاط الاقتصادى العالمي، وتراجع الصادرات التى كانت قوية نسبيا خلال 2011، تراجعاً كبيراً حالياً.
بدأت عائدات السياحة تنتعش ولكنها مازات دون مستوياتها قبل 2011، وقد احبط، ايضا، عدم اليقين السياسى فى بعض هذه الدول المشروعات الاستثمارية فى المستقبل، وبالتالى ظلت معدلات النمو فى الدول العربية منخفضة خلال المرحلة الانتقالية، ولن يتمكن الانتعاش المعتدل الذى تنبأ به صندوق النقد الدولى هذا العام لهذه الدول بنحو 3.5% فى المتوسط، عدا ليبيا، من خفض معدلات البطالة خاصة بين الشباب والنساء، أو تلبية تطلعات شعوب تلك البلدان.
ادى زيادة الانفاق فى دول الربيع العربى على مدار العامين الماضيين إلى ارتفاع كبير فى معدلات العجز المالى حتى وصلت إلى اكثر من 9% من متوسط الناتج المحلى الاجمالى فى 2012، باستثناء ليبيا، فضلا عن انهيار الاحتياطات النقدية الدولية.
وكل ذلك يتطلب فى المقام الاول تدابير سياسية عاجلة لتعزيز استقرار الاقتصاد الكلي، أى استبدال الدعم غير الهادف الذى يستفيد منه الأثرياء فى الغالب بشبكات ضمان اجتماعى اكثر فاعلية لحماية الفقراء، كما يجب ان تتضمن هذه التدابير تحسين نوعية الانفاق الحكومى لتلبية الاحتياجات الحقيقية للشعب، وزيادة معدلات الاستثمار وخفض معدلات الفائدة على الديون التى تؤثر سلبا على اقتراض القطاع الخاص.
الوقت قد حان لاجراء حوار وطنى شامل حيال هذه السياسات، حيث إن الاصلاح الاقتصادى لا يمكن تحقيقه دون فهم واسع النطاق ودعم شعبى والتزام سياسي، ومن الواضح ان واضعى السياسات القومية هم من يتولون زمام الامور.
ويمكن للمجتمع الدولى ان يقدم المساعدة من خلال التمويل وتقديم المشورة السياسية وتمكين صادرات المنطقة من تحقيق وصول افضل للاسواق، لذلك تعهد صندوق النقد الدولى بتقديم مساعدات مالية تزيد على 8 مليارات دولار لدعم البرامج الاقتصادية المحلية فى الأردن والمغرب واليمن، وتجرى الان مناقشات من اجل تقديم الدعم المالى لمصر وعلى استعداد لتقديم المساعدات المالية لتونس فضلا عن المساهمة فى بناء القدرات فى ليبيا.
يحمل التحول الذى يمر به الشرق الاوسط وعودا بحياة افضل لملايين من الناس داخل المنطقة، ويتعين على المجتمع الدولى القيام بكل ما فى وسعه لمساعدة المنطقة على النجاح فى تحقيق غاياتها.
إعداد: نهى مكرم
المصدر: فاينانشيال تايمز








