بقلم: محمد العريان
شعرتُ خلال آخر رحلاتى إلى الشرق الأوسط بالدهشة بسبب نمو الفجوة بين الدول، لدرجة أنى اقتنعت بشدة أنه لم يعد من المعقول التحدث عن المنطقة ككل متماسك بعد الآن، وبدلا من السعى وراء تقارب داخلي، يسير هذا الجزء المهم من العالم فى ثلاثة مسارات تتسم بالاختلافات التى سوف تستمر وتنمو على الأرجح فى السنوات القادمة.
ويوجد على أحد المسارات دول مثل العراق وليبيا وسوريا التى تناضل لتجنب الفخ المخيف بأن تصبح دول فاشلة، وكلها تتشارك نفس الاحتمالية المؤسفة بأن وضعها سوف يزداد سوءا قبل أن يتحسن.
ويتدهور وضع هذه المجموعة من الدول كل يوم بسبب خليط رهيب من العنف، والانقسام السياسي، والتفكك الاجتماعي، والانهيار الاقتصادي، كما أن قدرتها على الخروج من هذا الوضع ضعيفة، بل ومعدومة تقريبا فى بعض الحالات.
وللأسف، سوف تستمر المعاناة البشرية الهائلة، وسوف تضغط الهجرة البشرية الناتجة عن هذه الأوضاع على الدول المجاورة بشدة خاصة الأردن ولبنان.
وعلى النقيض يوجد دول تنتقل من موضع قوى إلى أقوى، ويساعدها على ذلك إيرادات البترول الأعلى مثل الإمارات التى تتقدم ببرامج متعددة الجوانب لتنويع محركات نموها، ومن ثم تحسن رأسمالها البشرى والمادي، كما تدخر المزيد من الموارد المالية المهمة للأجيال القادمة.
وتسجل هذه المجموعة من الدول الإنجاز تلو الآخر، ومنذ وقت قصير كان المراقبون ينظرون إلى هذه الانجازات على أنها بعيدة المنال وغير واقعية، وخلال هذه العملية، تبنى هذه الدول زخما تنمويا أكبر يجعل مجموعة الإنجازات المقبلة ممكنة وأكثر أهمية.
وتمتد فوائد التقدم فى هذه الدول خارج حدوده، فباعتبارها مستورداً رئيسياً للعمالة، ينتج عن نجاحها المزيد من التحويلات المالية إلى الاقتصادات غير البترولية، كما أن دوره كمستثمر إقليمى كبير يغذى المزيد من التدفقات الرأسمالية بالإضافة إلى المساعدات الكبيرة ثنائية الجانب.
أما ما سوف يحدث للدول الشرق أوسطية التى تقع بين هذين النقيضين أكثر غموضا، ففى سعيها لتحقيق إمكاناتها غير المستغلة، ينبغى على دول مثل الجزائر والمغرب وتونس التغلب على العديد من التحديات بعضها قائم منذ وقت طويل والبعض الآخر جديد.
وربما لا يوجد مثال يوضح هذه التحديات بقدر مصر، وهى دولة تسلط خبرتها الضوء على ما هو على المحك بالنسبة للمنطقة، وتعد مصر مثقلة حاليا بخليط غير محبَذ من النمو الاقتصادى البطيء، ومعدل البطالة المرتفع، والاختلالات المالية، والضعف المؤسسيّ، والخدمات الاجتماعية الفقيرة، بالإضافة إلى النمو السكانى السريع والفقر.
وعلاوة على ذلك، فإن البيئة الخارجية لمصر غير مستقرة، ومنذ الثورة الشعبية التى أطاحت بالرئيس حسنى مبارك فى 2011، ومصر تسير على طريق سياسى وعر.
وليس غريباً أن الاقتصاد يعمل بأقل من إمكاناته بكثير، فالسياحة تأثرت كثيراً، والفنادق تعانى من معدلات شغور عالية، والآثار التاريخية الشهيرة نصف خالية، أما فى قطاعى الزراعة والصناعة، فقد خنقت البيروقراطية والفساد المميزات التنافسية للدولة، هذا بخلاف انقطاع التيار الكهربائى المتكرر.
وبعد سنوات عديدة من الأداء المحبط، أصبح هناك إدراك فى القاهرة بما هو مطلوب لتحويل الأمور، وأقصد أن هناك مزيجاً من الرؤية والقيادة والالتزام، وباستثناء الخلافات السياسية، هناك تقدم محرز فى تصميم برنامج اقتصادى إصلاحى من شأنه تحرير إمكانات الدولة الهائلة.
كما أن هناك خطوات فى سبيل تعديل نظام الدعم الباهظ وغير الفعال، وتحسين البنية التحتية، ومعالجة مشكلة إمدادات الطاقة، وتعين المساعدات الكبيرة التى تحصل عليها مصر من دول أخرى – خاصة السعودية والإمارات – فى تنفيذ هذه الخطوات، بالإضافة إلى عودة رؤوس الاموال الخاصة المحلية والأجنبية وإن كانت لا تزال عودة مترددة.
ويعتمد الكثير على إذا ما كانت دولة مثل مصر سوف تستطيع تبنى إصلاحات اقتصادية ومالية ومؤسسية وسياسة واجتماعية دائمة أم لا، وإذا ما كانت ستقدر على القيام بذلك فى سياق التقدم نحو الديموقراطية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان.
وسكان هذه المجموعة من الدول هم من بين الأكبر فى المنطقة، وبإمكانهم لعب دور مهم فى ترسيخ الاستقرار الإقليمي، كما أنها بوابات لأوروبا وأفريقيا وآسيا، وبالتالى فإن المسار الذى تتخذه تلك الدول سوف يؤثر بالأخص على مقدرات المنطقة ككل.
إعداد: رحمة عبدالعزيز
المصدر: موقع بروجكت سينيدكيت








