فى العشر الأواخر من شهر رمضان المعظم تصل معدلات الصلاة إلى أعلى مستوياتها، يُكثر المسلمون من الصلاة، ويحرص أغلبهم على أدائها حتى ساعات متأخرة من الليل.. يطيلون السجود، وتسيل دموعهم خشيةً وطمعًا. أتأملهم بسعادة واعتزاز، وأحمد الله الذى أنعم علينا بشهر العتق من النار. صلى الله وسلم على رسولنا الكريم الذى علمنا الصلاة وأخبرنا أنها عماد الدين.. يجتهد كل منا -قدر طاعته وهمته- لأداء الصلاة على النحو الذى يليق بها، اعتبارًا من “الله أكبر” وحتى الانتهاء من التحيات، لتأتى تسليمتا الختام، وكأنهما إغلاق لملف، أو طىٌّ لكتاب، أو دفعٌ لضلفة باب، أو نزع لفيشة أى شاحن…
غالبًا ما ننسى أن تسليمتى ختام الصلاة هما إلقاء للسلام على ملائكة الرحمن.. معلومة نتعلمها فى الصغر لكننا ننساها كما ننسى الكثير مما نتعلم فى ظل نظام غير جاد ولا حريص عَلى بناء الإنسان بالعلم والتنوير!
لا أريد لقضية التعليم -على أهميتها- أن تأخذنى مما أحرص على توضيحه ابتغاءً لوجه الله ومرضاته.. جرّبوا أن تقولوا “السلام عليكم ورحمة الله”، وكأنكم ترون الملائكة على يمينكم ثم على يساركم، وستجدونه -بعون الله وتيسيره- شعورًا شديد الحلاوة، يليق أن يكون ختامًا للصلاة المفروضة على كل عاقل كى يزداد حكمةً وسعادة.
منذ ذقت متعة ختام الصلاة على هذا النحو وأنا أحاول ألا أنسى وأعود لما كنت عليه قبل هذا الاكتشاف الذى أحب أن يأخذه عنى ولو قارئ واحد، لعل التواب الغفور يغفر لى قدرًا من ذنوبي. أحببت تسليمتى الختام، وبدأت أراجع كل المواضع التى يزيد شعورى بالاستمتاع بها أثناء الصلاة، لينعكس أثرها على سلوكى وتصرفاتى.. هنا تذكرته، تذكرت الفنان المصرى العالمى رمزى يسى، لا تتعجبوا، وأمهلونى حتى أشرح سر استدعاء ذاكرتى الآن لحديث مع واحد من أمهر عازفى البيانو فى هذا الزمان.. الفنان رمزى يسى يعزف أعظم المقطوعات وأعقدها ببراعة تجعل مستمعيه يلهبون أياديهم تصفيقًا له. منذ سنوات عديدة، أتيح لى الاقتراب منه والتعرف على ما يتمتع به من خلق حميد، سألته عن أمر أردت التحقق منه، قلت: لا شك أنك عازف مدهش ومبهر، تُمتع من يستمع إليك، ولكن هل تستمتع أنت أيضًا بعزف نفس المقطوعات مئات المرات؟
سكت قليلًا، ثم ابتسم، وعلمنى أحد أهم دروس عمرى، قال يسى: “بالطبع أستمتع بالعزف، فعلى مدى سنوات تكونت لدىّ حصيلة كبيرة من الذكريات السمعية للأجزاء التى عزفتها على النحو الذى يشبع فضولى وطموحى الفنى، ويكون التحدى الدائم هو محاولة استعادتها كلها أو أكبر قدر منها، فى كل مرة أعزف مقطوعة من المقطوعات”.
“بلّمت” عجزًا عن الفهم، فقال:”أبسّطها لك: أنت تعرف أن كل قطعة موسيقية تتكون من مجموعة وحدات صغيرة تتلو بعضها بدقة وبتوقيتات محكمة، ومع مرور السنوات وتكرار عزفى لقطعة معينة، تختزن ذاكرتى الموسيقية أفضل ما وصلت إليه من أداء لكل جزء من الأجزاء الصغيرة التى تكوّن العمل، وفى كل مرة أجلس إلى البيانو تنشط ذاكرتى لتحفزنى على تقديم كل هذه الأجزاء، وهو تحدٍّ يجعلنى أذوب فى حالة شغف وولع واشتياق للعودة لعزف نفس العمل مرة أخرى”.
استوعبت المعنى، واختزنته فى خانة الحكمة التى ألهث وراءها، ودون أن أدرى، وجدتنى أتذكره فى محاولتى لطرح فكرة تعيننى وغيرى على الاشتياق للصلاة.. بدأت التجربة مع معجزة “الله أكبر” التى نقولها سبع مرات فى كل ركعة من ركعات الصلاة.. بعدها انتقلت إلى الفاتحة التى نتلوها سبع عشرة مرة يوميًّا فى الصلوات المفروضة وتقل اثنتين يوم الجمعة.. وجدتنى -مع ضعف علمى- أكتشف أن أعظم ما يتمناه المرء هو ما يطلبه من العلى القدير حين يقول: “اهدنا الصراط المستقيم” بعد إعلان الخضوع الكامل والتوكل التام على الله وحده فى “إياك نعبد وإياك نستعين”.
أغرانى هذا الطريق الممتع للاستغراق فى جمال التسبيح ونطق الشهادتين والصلاة على رسول الله وعلى أبى الأنبياء وعلى آلهما (صلى الله وسلم وبارك عليهم جميعًا وعلى سائر الرسل والأنبياء). يُضاف إلى هذا كله ما يفتح الله به علينا من فهم وتدبر لآيات الذكر الحكيم التى نتلوها أو نستمع إليها أثناء الصلاة.. وحتى لا أطيل عليكم، فإنى أدعوكم للعودة لقراءة الجزء الخاص بالتسليمتين الشريفتين.. أزعم أن اشتياقى للصلاة تضاعف كثيرًا بعد أن أصبحت كل صلاة فرصة جديدة لاستعادة أجمل وأرق مشاعر الواقف بين يدى الله.
بقلم: محمد عبدالمنعم الصاوى








