بقلم: نجيب عياشى
إصرار من جانب بعض المسئولين فى الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي، وكذلك فى الشرق الأوسط وخبراء السياسة الخارجية فى واشنطن وأماكن أخرى، على أن يشكل الحزب العلمانى «نداء تونس » مع حزب النهضة الإسلامى حكومة ائتلافية، وهو رأى ليس له ما يبرره.
ونجح حزب نداء تونس جنباً إلى جنب الأحزاب الليبرالية والتقدمية الأخرى فى هزيمة النهضة فى الانتخابات البرلمانية، بينما يستعد مرشحه الرئاسى باجى السبسى لتسلم منصبه.
ويحتج المنادون بحكومة ائتلافية بأن التحالف مع النهضة سيحقق المصالحة والاستقرار، ويتبنى هذا الاقتراح العديد من التونسيين، لكنهم يتجاهلون الحقائق السياسية فى بلادهم، كما أنه تدخل سياسى متهور فى شئونهم.
إذا كان المجتمع التونسى فى الآشونة الأخيرة، وبشكل مكثف شهد استقطاباً على أساس علمانى وإسلامي، فإنه ليس «تقسيماً» للمجتمع يستدعى مصالحة. وهذه ليست ليبيا أو سوريا أو العراق أو حتى مصر. تتمتع تونس بمجتمع عريق موحد ومتجانس عرقياً ودينياً على الأقل، حيث يلتزم الحزب الإسلامى فيه فعلياً بقواعد الديمقراطية.
ويعد إدراج الإسلاميين فى المجال السياسى مصدر اهتمام كبيراً لصناع السياسة الأمريكيين ومستشاريهم فى الأوساط الأكاديمية وغيرها، لكنها ليست قضية تونس. بالفعل تم دمج النهضة فى النظام السياسي، ومارس بمهارة اللعبة السياسية، وأظهر فى مناسبات عديدة تقبل نتائج الانتخابات. فإذا كانت هناك انقسامات فى تونس فإنها ذات طبيعة اقتصادية فى المناطق الداخلية التى تواجه أعلى مستويات الحرمان الاجتماعى والاقتصادي.
واتسمت الفترة الانتقالية التى امتدت ثلاث سنوات فى ظل حكومة يقودها الإسلاميون بسوء الإدارة لشئون الدولة مع عواقب كارثية على الاقتصاد، وزيادة فى التشدد الاسلامى الراديكالى والعنف وظهور الإرهاب غير المعروف عملياً فى تونس حتى ذلك الحين.
وكانت هذه فترة للنقاش المكثف بين الأطراف التونسية، وكذلك للتغلب بنجاح على أزمات كبرى حيث تمت خطوات مهمة فى بناء نظام سياسى حقيقى ومؤسسات سياسية شاملة وديمقراطية على أساس دستور يعد واحداً من أكثر الدساتير تقدمية وفقاً للمعايير العامة.
وتعد الضغوط الخارجية لتشكيل حكومة ائتلافية تضم الإسلاميين تدخلاً متهوراً فى إرادة التونسيين فأولئك الذين يمارسون مثل هذه الضغوط يتجاهلون قرار أغلبية الناخبين الذين شاركوا فى انتخابات معترف بأنها كانت حرة ونزيهة على نطاق واسع. رفض التونسيون الإسلاميين لعدم كفاءتهم، وكذلك لأجندتهم الرجعية. كما ترعى هذه الضغوط فكرة أن العرب والمسلمين ينبغى أن يدمجوا دينهم فى السياسة.
حققت تونس تقدماً جيداً على طريق الإصلاحات الديمقراطية ولها إنجازات كبرى فى مجال الحريات وحقوق الإنسان، ويتميز المجتمع المدنى فيها بالجاهزية والحيوية، وهو ما يجعل من الصعب على أى قوة سواء إسلامية أو علمانية الرجوع عن العملية الديمقراطية.
الإصرار على انقسام زائف بين العلمانيين والإسلاميين، وأن هناك حاجة من المجتمع التونسى للمصالحة وتشكيل حكومة ائتلافية لتجاوز الخلافات، لا يمكن النظر إليه إلا على تعزيز مصلحة الإسلاميين فى البقاء على الساحة السياسية، والتى تهدف لحماية قادتهم. فبعض من هؤلاء القادة قد يواجهون إجراءات قانونية لاتهامهم فى قضايا فساد ودعم الإرهاب بمجرد تركز السلطات التشريعية والرئاسية فى الأحزاب العلمانية.
يمكن أن ينظر إلى الضغط لتشكيل ائتلاف أيضاًَ على أنه محاولة لأبعاد الأنظار عن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية المستمرة التى تسببت فى نشوب ثورات الربيع العربي. وقد يؤدى عدم حل هذه المشكلات إلى عدم الاستقرار وحدوث انتفاضات جديدة، وهذا هو التهديد الفعلى للعملية الديمقراطية.
ينتظر التونسيون تشكيل حكومة متماسكة ومختصة سوف تعالج قضية ملحة مثل انعدام الأمن بدعم من البرلمان، وسوف تستمر فى تعزيز سيادة القانون وإصلاح نظم العدالة والأمن لتصبح أكثر احتراماً لحقوق الإنسان، وأكثر مهنية وكفاءة وأكثر قدرة على الإدارة الرشيدة للحكم.
وبالنظر لهذه المعطيات، فإن تشكيل حكومة ائتلافية ينبغى أن يكون مع الأحزاب الليبرالية والتقدمية الأصغرمثل الجبهة الشعبية التى فازت فى الانتخابات البرلمانية بجانب نداء تونس، فمثل هذا التحالف سيكون الأقدر على استنباط نموذج النمو الاقتصادى الشامل والعادل، وحشد الدعم الشعبى خصوصاً من نقابات قوية والعمل بين الناس والفئات المحرومة من التونسيين الفقراء وغيرهم، سيؤدى هذا النهج إلى الاستقرار الاجتماعى الحقيقى فى نهاية المطاف، وليس حكومة ائتلافية مع الإسلاميين.
أما إسلاميو حزب النهضة فلديهم خيارات مختلفة لإظهار أنهم جادون فى احترام قواعد الديمقراطية وإرادة الشعب التى تسفر عنها الانتخابات والعمل على حل الأمن والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية لصالح الجميع، فضلاً عن تصديهم لأصدقائهم من الناحية الفكرية الذين لجأوا للعنف. كما يمكنهم استخدام نفوذهم فى البرلمان دون أن يكونوا جزءاًَ من الائتلاف الحاكم.
إعداد ــ سارة عجور
المصدر: صحيفة ديلى ستار








