أصبحت سياسات الهوية السامة أكثر انتشاراً ورواجا
حجم التحدي يتطلب تفكيراً شجاعاً ومبادرات جريئة
بقلم: مها يحيي
قد يكون العنف الذي اجتاح الدول العربية في السنوات الأربع الماضية مجرد لمحة لما هو آت، فقد وضعت الوحشية المتزايدة، وأفعال الحكومات، الشعوب العربية تحت ضغوط رهيبة، وبدون تغير المسار، ستكون النتيجة المزيد من الصراع، وموجة جديدة من الانتفاضات، ولكن ليست سلمية هذه المرة.
ولم تشهد الدول العربية اضطرابات مشابهة منذ الحرب العالمية الأولي، فقد نشب الصراع فيما لا يقل عن 9 دول عربية، ووصلت المذابح إلي مستويات لا يمكن تصورها من الوحشية، كما تتراكم التوترات حتي في الدول التي من المفترض أنها تعيش في سلام، وتضعف نظم القيم الممتدة منذ وقت طويل، وتتداعي المؤسسات المجتمعية التي كانت تقوم علي أساس صلب في يوم من الأيام.
ورغم أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تضم 5% فقط من سكان العالم، إلا أنها أنتجت أكثر من ثلث اللاجئين عالمياً، وفي سوريا وحدها، تم تهجير 11 مليون مواطن بالقوة سواء داخل أو خارج الدولة.
وهذه التغيرات الديموغرافية الهائلة بدأت تحول الهوية الاجتماعية والسياسية في المنطقة علي نحو لا رجعة فيه، وبالفعل تعتمد الأطراف المتقاتلة علي سياسات الهوية الطائفية لحشد الدعم، واستقطاب السكان أكثر علي أسس دينية وعرقية وأيديولوجية.
وفي الدول التي ليست في حالة حرب، أصبحت سياسات الهوية السامة أكثر انتشاراً ورواجاً، ففي مصر علي سبيل المثال، أصبح الشعب أكثر تأييداً للحملة الوحشية علي الإخوان المسلمين وداعميهم من الإسلاميين.
ولا تؤدي هذه الاضطرابات إلا لمزيد من الفقر في الدول العربية وتقليص الفرص المستقبلية لمواطنيها، وهناك حوالي 21 مليون طفل عربي لا يتعلمون في المدارس، وأكثر من 50 مليون أسرة عربية فقيرة، وفي سوريا، 80% من السكان، لا يستطيعون شراء حاجاتهم الأساسية، وقبل النزاع، عاني ثلث الشعب اليمني- أي حوالي 11.5 مليون شخص- من انعدام الأمن الغذائي، والآن أُضيف 2 مليون آخرون إلي القائمة.
وهذه الاضطرابات خلقت أرضاً خصبة لتجنيد الشباب المتطرف، وساهمت تونس، صاحبة قصة النجاح المحتفي بها في الثورات العربية، بأكبر عدد من المقاتلين الأجانب في الدولة الإسلامية، بحوالي 3000 شخص معظمهم من الشباب.
وتبين الأدلة القولية أن العديد من الأطراف في الصراعات المختلفة تستخدم الأطفال للقتال في حروبهم، ففي اليمن، ثلث المقاتلين من الأطفال، وتفتخر الدولة الإسلامية بأنها تدرب الأطفال ليخوضوا المعارك المقبلة.
وبدلا من تخفيف حالة عدم الرضا أو محاولة التصالح، تستخدم الحكومات العربية القوة الغاشمة لسد أي مساحة للمعارضة أو المناقشة، وباسم الأمن القومي، يُحرم الأفراد من جنسياتهم، وتتعرض المظاهرات لإطلاق النار، ويحتجز الآلاف في المعتقلات التعسفية.
كما ينتشر التعذيب والاختفاء القسري، ففي سوريا، يقال إن 85 ألف شخص اختفوا منذ بدأ الصراع، في حين تعرض 12 ألفاً لتعذيب وحشي.
ويؤدي منع المواطنين من المشاركة في العمليات الديمقراطية إلي تهميش المعارضة السياسية أكثر، ما يزيد مخاطر تجنيدها في الحركات الإرهابية، وفي مصر، تتزايد الأصوات الداعية بالرد بطريقة أكثر عنفاً وراديكالية علي حملة الحكومة، وتواجه السلطات في الأردن والمغرب تحدياً متزايداً في الميل نحو التشدد.
وبالطبع، يؤدي تفضيل القادة السياسيين القمع علي المشاركة السياسية إلي فقدان المزيد من التأييد لصالح الجماعات مثل الدولة الإسلامية، لأنها الكيان الوحيد الذي يقدم رؤية واضحة للمستقبل رغم وحشيتها وعدوانيتها.
وفي هذه المرحلة، يتطلب إنهاء العداءات الحالية في سوريا، والعراق، واليمن إجماعاً محلياً وإقليمياً ودولياً، في حين يتطلب القضاء علي العنف الكارثي في المنطقة رجوع الحكومات إلي أساسيات الحكم، وتقديم عمليات سياسية تشمل جميع الأطراف، ووضع حد للعنف من قبل الدولة، وضمان المحاكمة العادلة، ومعالجة المظالم الاجتماعية والاقتصادية.
ومن الواضح أن هذه قائمة طويلة، ولكن حجم التحدي يتطلب تفكيراً شجاعاً، ومبادرات جريئة، وبراعة من قبل القادة السياسين والتنمويين في داخل الدول وعلي المستوي الإقليمي، وإلا سيجتاح العنف المنطقة وما أبعد منها.
إعداد: رحمة عبدالعزيز
المصدر: بروجكت سينيديكيت








