بقلم : عماد الدين حسين – الشروق
كان مهما للرئيس محمد مرسى ان يطمئن المواطنين بأن مصر لن تفلس، وأن الودائع آمنة، والمستقبل مشرق.
كل ذلك كان مطلوبا، وأعتقد أن الرئيس ــ فى خطابه امام مجلس الشورى ــ نجح فى اقناع البسطاء بذلك، لكنه وهو يفعل، فقد أفلت منه الأمر لأن الجزء الثانى من الرسالة وهو خطورة الأوضاع الاقتصادية لم يصل للناس العادية لدرجة أن البعض علق على مضمون الخطاب بقوله: «يبدو اننا سنقرض سويسرا ديونا عما قريب»!.
ليس مطلوبا من الرئيس أن يشيع صورة غير حقيقية، ويلجأ إلى طريقة المرحوم الدكتور عبدالرازق عبدالمجيد نائب رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد الأسبق حينما أقسم بالطلاق أو برحمة أمه على أن الميزانية بها فائض.
طريقة عبدالمجيد التى توارثها كثيرون بعده هى اللعب بالأرقام، أو استخدامها فى غير محلها أو انتزاعها من سياقها، وهكذا فعندما يقول الرئيس ان السياحة زادت فى فترة معينة، فقد تكون المعلومة الصغيرة صحيحة لكنها ليست دقيقة، والمفترض أن مستشارى الرئيس ينقلون له الصورة الواقعية، والجميع يعلم أن السياحة «مضروبة بالثلث»، وعندما نكون فى «عز الموسم» الآن، والسائحون غير موجودين بالأقصر واسوان مثلا، فماذا يعنى هذا؟!.
«شخصيا اخى الاصغر يعمل مرشدا سياحيا بالاقصر ويقيم بالقاهرة منذ شهور دون عمل».. فهل اصدق الواقع ام البيانات فى خطاب الرئيس؟!
حديث الرئيس عن تحسن السياحة دفعت الصديق أكرم القصاص رئيس التحرير التنفيذى لـ«اليوم السابع» إلى القول: «بعد خطاب الرئيس.. اكتشاف آبار هائلة من السياح فى جنوب سيناء والغردقة وبحيرة ناصر»!.
لم يكن الرئيس مطالبا ان يعطى الناس فكرة غير موجودة فى واقعهم.
يعلم القاصى والدانى ان هناك مشكلة مستفحلة ومتفاقمة فى الاقتصاد وانها مهددة بمزيد من التدهور إذا استمرت الأمور على ما هى عليه.
عندما تقابل وزيرا على انفراد يقول لك: الرجاء قولوا للناس الحقيقة، وان القادم أصعب، وعندما ترد على مثل هذا الوزير بالقول ولماذا لا تخاطبونهم انتم مباشرة؟!، يرد فيقول: لا نريد أن نجعل حياة الناس سودا أكثر من ذلك.
عندما يتدهور الوضع الاقتصادى فإن الناس العادية لن تنتظر بيانا من الحكومة يخرج ليقول لهم ان «الحال عال العال»، هم سيكونون قد عرفوا الحقيقة المرة فورا من البقال والجزار والخباز.
كان مطلوبا من الرئيس أن يقول للناس انه لا يوجد إفلاس.. وهذا فى غاية الأهمية، لكنه كان مطلوبا منه أكثر ان يقول لهم فى نفس السطر ان هناك مشكلة اقتصادية خطيرة، وعدم طرح حلول خلاقة لها سيدفعها لتصبح أكثر خطورة.
لو كنت مكان الرئيس لقلت للناس ان لدينا أزمة لكنها ليست خطيرة، وان لدينا أزمة سياسية نسعى لحلها. لكن ان يتم تصوير الأمر باعتباره مجرد شائعات من مفلسين فقط.. فذلك مما قد يضر ولا يفيد.
المؤكد أن هناك من يتربص بمصر وبالثورة وبالرئيس من ثورة مضادة فى الداخل إلى بلدان شقيقة وعدوة لا تكن ودا للرئيس وجماعته، لكن لابد لمستشارى الرئيس أن يعطوه الأرقام الحقيقية والصورة الكاملة حتى لا تكون محاولة طمأنة الناس هى تخديرهم بالكامل وبالتالى لا يشعرون بالمرض إلا بعد تفاقمه.
تزويد جرعة الانجازات الاقتصادية فى الخطاب قد يكون مؤشرا على وجود أزمة فعلا.. واذا لم تكن هناك ازمة فما معنى اجراءات البنك المركزى امس الأول بتعويم الجنيه والاستعداد لتطبيق زيادة الضرائب على سلع متعددة قالت لنا الرئاسة ــ قبل اسابيع ــ انها لن تنفذها قبل موافقة المواطنين؟.








