بقلم: يانوس بابانطونيو
يؤكد اعتراف صندوق النقد الدولي الذي جاء متأخراً بأنه قلل بشكل كبير من حجم الضرر الذي قد تلحقه سياسة التقشف بمعدلات نمو الاتحاد الأوروبي ليلقي الضوء علي الهزيمة الذاتية الناجمة عن الوصفات التقليدية لمعالجة أسباب أزمة الديون التي أعقبت الانهيار المالي في 2008-2009.
تقول النظرية التقليدية إن أي دولة منفردة أو مجموعة من الدول تسعي إلي تعزيز مواردها المالية يمكنها أن تسير في طريق خفض أسعار الفائدة، واضعاف العملة وأن تتوقع تحسناً لوضعها التجاري، لكن لأن هذا من غير الممكن أن يحدث في كل الاقتصادات الرئيسية في وقت واحد وأن ذلك التقشف في دولة ما أو مجموعة من الدول يعني ضمنا تراجع الطلب علي منتجات دول أخري فإن مثل هذه السياسات تؤدي في نهاية المطاف إلي تدابير تسفر عن إفقار الجيران.
تزداد المشاكل الحالية تعقيداً نظراً للافتقار إلي القدر الكافي من الطلب الخاص لاسيما استهلاك الأسر في الاقتصادات المتقدمة لتعويض الخسائر في الطلب الناجمة عن التقشف، حيث قاد الاستهلاك النمو الاقتصادي في هذه البلدان خلال العقدين الماضيين حتي وصلت مساهمته في اجمالي الناتج المحلي نسبا تاريخية.
فضلاً عن ذلك، تواجه الاقتصادات المتقدمة الرئيسية مثل الولايات المتحدة والمانيا واليابان مشاكل مالية طويلة الأجل مما يحد من قدرتها علي المساهمة في إدارة الطلب، وتعد التحركات الاخيرة للتخفيف من السياسة النقدية اول خطوة علي الطريق الصحيح ولكنه لم تثبت قدرتها حتي الآن علي تغيير مسار السياسة النقدية.
حتي يعمل الطلب المحلي كمحرك للنمو، لابد ان تعمل السياسات علي تحويل الموارد من الاستثمار إلي الاستهلاك، ولابد من تعزيز عملية تنسيق السياسة الاقتصادية بشكل كبير من أجل التعامل بشكل فعال مع تغيرات بهذا الحجم، ولنبدأ بأوروبا، فقد بات من الواضح تماما الآن أن تدابير التقشف والإصلاحات الداخلية ليست كافية لانتشال دول منطقة اليورو الضعيفة من الركود.
يتطلب إعادة اقتصادات الدول الضعيفة في منطقة اليورو إلي مسار النمو ما هو أكثر من الإصلاحات الهيكلية وضبط الأوضاع المالية، بل إن الأمر يتطلب أيضا إصلاحا واسع النطاق لنظام الإدارة الاقتصادية في الاتحاد النقدي.
ويتضمن إصلاح الإدارة إحراز تقدم ملموس حيال الاتحادالاقتصادي لإضفاء الطابع المركزي علي الديون الأوروبية من خلال إصدار سندات اليورو، وتعبئة القدر الكافي من الأموال المخصصة للإنقاذ، والسماح للبنك المركزي الأوروبي بالتدخل في أسواق السندات الأولية، وإنشاء اتحاد مالي وآخر مصرفي، ولكنه يعد هدفا صعب المنال، نظراً لرفض أغلب دول الاتحاد الأوروبي التنازل عن صلاحيات المؤسسات الأوروبية، إلا أن أوروبا يتعين عليها التحرك بشكل أكثر حسما في هذا الاتجاه، وإلا فإن المضاربة علي الديون الوطنية للدول
الأعضاء سوف تستمر، وهو ما يعني إبقاء تكاليف الاقتراض عند مستويات تتناقض مع الظروف اللازمة لدعم التعافي الاقتصادي.
وبالنسبة للطلب الخارجي، فإن تقديم المساعدات داخل أوروبا علي شكل سياسات التحفيز النقدي في الاقتصادات الأكثر قوة من غير المرجح أن يكون كافيا، وذلك نظرا للظروف المالية والسياسية السائدة في ألمانيا بصورة رئيسية.
وعلي نطاق عالمي، فالولايات المتحدة واليابان ليستا في موقف يسمح لهما بتوفير الحافز الخارجي المطلوب، الاقتصادات الناشئة والنامية في آسيا هي فقط القادرة علي المساهمة بشكل فعّال في زيادة الطلب العالمي، وتشير تجربة صندوق النقد الدولي الحديثة إلي إمكانية تعبئة الصناديق الخاصة، من خلال التنسيق المناسب، لإقامة مشاريع الشراكة الكبري بين القطاعين الخاص والعام التي تربط التوسع في الطلب بالاستثمار في البنية الأساسية.
وبعبارة أخري فإن الأمر يتطلب عقد «صفقة جديدة» عالمية تجمع بين سياسات مصممة لإعادة تنظيم الاستهلاك والاستثمار في مختلف أنحاء العالم، ولكي يصبح إبرام مثل هذه الصفقة أمراً ممكناً، فلا بد أولا من تلبية بعض الشروط المسبقة، أولا: لا بد من إحكام عملية تنسيق السياسات الدولية من قِبَل مجموعة العشرين من خلال إنشاء أمانة دائمة لتقديم المقترحات الخاصة بالسياسات والتوصيات فيما يتصل بتطورات الاقتصاد الكلي والتطورات المالية.
وثانياً: لابد أن يتقدم الإصلاح المالي العالمي بوتيرة أسرع، وأخيراً: يحتاج الأمر إلي اتفاقية تجارية جديدة – ربما في إطار جولة الدوحة – لضمان قدرة القوي التجارية الرئيسية علي الوصول إلي الأسواق الخارجية.
إن الوقت الآن مناسب لتسوية عالمية جديدة تستهدف النمو، وتعالج الظروف المتأزمة في أجزاء معينة من العالم، وتعيد التوازن إلي الاقتصاد العالمي بوضعه من جديد علي مسار النمو القوي والمضطرد.
إعداد: نهي مكرم
المصدر: بروجيكت ساينديكيت








