إذا اعتزم الجيش الإطاحة بالرئيس المصري، فإن الإطاحة برئيس منتخب، حتي ولو أعقبت دعماً شعبياً هائلاً، ستمثل نكسة كبري
ولكن ما يلوح في الافق علي الاقل علي المدي القريب هو قفزة هائلة أخري إلي المجهول
إن الحشود التي ملأت ميادين مصر ضخمة جداً حتي أن البعض حكم عليها بأنها أكبر من المسيرات التي أسقطت حسني مبارك منذ عامين، والهتافات ضد الرئيس محمد مرسي هذه المرة وجماعته الاخوان المسلمون هي نفسها الشعارات التي طالبت بسقوط نظام مبارك عام 2011.
تدفق ملايين المصريين إلي الميادين في جميع انحاء البلاد يوم الاحد الماضي ليقوموا بثورة ثانية سيتردد صداها في جميع ارجاء العالم العربي مثل سابقاتها ولكن الثورة هذه المرة وجهت ضربة قاسية للاسلام السياسي.
وليس من الغريب ان يكون ثمن العاطفة الثورية في مصر غالياً، ولكن ما يلوح في الافق علي الاقل علي المدي القريب هو قفزة هائلة أخري إلي المجهول.
القوات المسلحة، التي عادت إلي ثكناتها في العام الماضي بعد تسليم السلطة للرئيس محمد مرسي، أعلنت نفسها حكما في الصراع السياسي الذي احتدم في البلاد قائله أنها تستجيب لتطلعات الشعب المصري.
قال المحلل السياسي خليل عنان إن هذا انقلاب عسكري صريح، في حين قال مراقب غربي إن هذا انقلاب ولكن بالحركة البطيئة.
لم يتضح حتي الآن ما إذا كان إعطاء الجيش مهلة 48 ساعة من أجل حل خلافاتهما قبل أن يفرض خارطة طريق يعني سعي القوات المسلحة لإقصاء الرئيس المصري من الحكم.
ورغم ان الرئيس قام بترقية قائد الجيش عبد الفتاح السيسي العام الماضي وضمن حماية ميزانية الجيش من المراقبة البرلمانية، شعر الجيش المصري بقلق متزايد من عدم كفاءة الحكومة وتزايد الانقسامات السياسية، بالإضافة إلي مغازلة الرئيس المصري للجهاديين السابقين.
حتي لو ان خطة الجيش تدعو فقط للحصول علي امتيازات من الرئيس، فسيكون ذلك تدخلاً عسكرياً من شأنه أن يحد من سلطات الاخوان المسلمين.
لا تستطيع أن تتحمل مصر مزيداً من عدم الاستقرار، حيث أن اقتصادها علي حافة الإنهيار، كما أن مستوي احتياطي النقد الأجنبي يتدني بشكل ملحوظ بالإضافة إلي حالة الاستقطاب التي أصابت المجتمع المصري مما دفع مشايخ الأزهر إلي تحذير الشعب المصري من شبح الحرب الأهلية.
نجح مرسي في تنفير العديد من شرائح المجتمع، كما ساهم في توحيد قوي الثورة المضادة من مؤيدي النظام السابق مع ثورة جديدة لليبراليين المنتمين لليسار.
يقود معارضي مرسي احساسا كبيرا بالظلم، بدءاً من هؤلاء الذين يرون الاخوان المسلمين كجماعة استبدادية مروراً بهؤلاء الذين ضاقوا ذرعاً من المصاعب الاقتصادية التي تضخمت منذ ثورة 2011 إلي مؤيدي النظام القديم.
تجتمع آراء كل تلك الشرائح حول استراتيجية مشتركة وحيدة وهي تشجيع الجيش علي التدخل وإعادة الانتقال مرة أخري إلي الديمقراطية من البداية.
تقول مصادر دبلوماسية غربية أن الجيش تردد كثيراً في العودة إلي السياسة نظرا لمدي فشل الجنرالات في ادارة المرحلة الانتقالية بعد الاطاحة بمبارك، الا ان المصادر صرحت ان خطة الجيش هذه المرة هي تولي مدنيين ادارة المرحلة الانتقالية.
إذا اعتزم الجيش الإطاحة بالرئيس المصري، فإن الإطاحة برئيس منتخب، حتي ولو أعقبت دعم شعبي هائل، ستمثل نكسة كبري لفرص مصر في بناء نظام ديمقراطي ومخاطرة نحو تطرف الإسلاميين خاصة مع إصرار مسئولي الإخوان علي أن مرسي هو الرئيس الشرعي للبلاد كما انهم قالوا إنه في حالة الإطاحة به من الحكم، فلن يمنعهم شيء من أن يقوموا بالمثل مع الرئيس القادم عند اثبات فشله في إدارة أمور البلاد.
وصلت مصر لنقطة تتطلب وجود وسيط في تلك المرحلة من الصراع، ولكن إذا كان هذا يعني العودة إلي الحكم العسكري، فإن أولئك الذين يحتفلون اليوم بتدخله سوف يشعرون بخيبة أمل مريرة.
بقلم: رولا خلف
المصدر: فاينانشيال تايمز








