رفض توظيف مالكه ثم استحوذ عليه ليسيطر على شبكات التواصل
من أكثر الأحداث إثارة للدهشة مؤخراً فى سوق التكنولوجيا هو استحواذ «الفيس بوك» على « واتس آب »، خدمة التراسل عبر الهاتف المحمول التى يستخدمها أكثر من 450 مليون مستخدم شهرياً حول العالم، وقد أثار مبلغ الـ 19 مليار دولار، قيمة شراء «الفيس بوك» لـ « واتس آب »، دهشة الجميع فى عالم التكنولوجيا، فسوف تدفع «فيس بوك» مبلغ 12 مليار دولار أمريكى كأسهم نظير الاستحواذ على « واتس آب »، فيما ستدفع 4 مليارات دولار نقداً، وتعتزم الشركة دفع 3 مليارات دولار أمريكية إضافية كأسهم مقيدة لملاك « واتس آب » وفريق عمل الخدمة.
وبالتأكيد، يحظى هذا السعر باهتمام كبير، إذ يعد 19 مليار دولار مبلغاً ضخماً تاريخياً لمشروع مشترك، ولكن ما هى المكاسب التى سيجنيها «الفيس بوك» من هذا الاستحواذ؟
فشركة لا يتجاوز عمرها بضع سنوات ولا تتجاوز ايراداتها مليار دولار وخدمتها مجانية تقريباً، هل تستحق كل هذا المبلغ؟
فكما هو الحال مع استحواذ «جوجل» لـ «اليوتيوب» بقيمة 1.65 مليار دولار، وشراء «فيس بوك» لـ «انستجرام» مقابل مليار دولار، وجد العديد من الأشخاص صعوبة فى إدراك فائدة الاستحواذ على خدمة لا تتناسب مع مبادئ التقييم التقليدية.
ففى الماضى، كانت تقوم تقييمات الشركات على ايراداتها أو التدفقات النقدية، ولكن فى عالمنا الجديد، عالم الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعى، عادة ما تكون الايرادات شيئاً سيتم الحصول عليه لاحقا كنتيجة للانتشار الهائل لمثل هذه التطبيقات، ما يجعل اساليب التقييم التقليدية من الصعب تطبيقها على مثل هذه العمليات من الاستحواذ.
وتعد قيمة عمليات الاستحواذ الأخرى أقل بكثير من إجمالى قيمة استحواذ «الفيس بوك» على «واتس آب»، فهذا يعود إلى أن قاعدة المستخدمين فى تلك الخدمات الأخرى أصغر بكثير من قاعدة مستخدمى « واتس آب »، وهذا هو الأمر الذى يجعل «واتس آب» صفقة جذابة وذات قيمة كبيرة بالنسبة لـ «فيس بوك»، فلا يعتبر الـ 450 مليون مستخدم رقماً ضخماً فحسب، بل إنه آخذ فى الازدياد بشكل سريع جداً، خاصة بعد أن تضاعف عدد المستخدمين العام الماضى فقط.
و«الفيس بوك» بهذا الاستحواذ قد حصل على أكثر التطبيقات شعبية للرسائل الاجتماعية عبر الهواتف النقالة فى العالم بأسره، ولا يمكن التقليل من أهمية هذا الأمر، إذ تحاول «الفيس بوك» على مدار السنوات القليلة الماضية التكيف مع هذا العالم المتحرك، ومع «واتس آب» لم يحصل مارك زوكربيرج، مؤسس «الفيس بوك»، على خدمة واسعة الانتشار فقط، بل تتمتع ايضا بشعبية هائلة فى الأسواق الناشئة، حيث تسعى «الفيس بوك» توسيع وجودها.
ولأن «الفيس بوك» ليس لديها نظام للهواتف الذكية خاص بها مثل «جوجل» و«أندرويد»، فقد شعر زوكربيرج أنه ينبغى القيام بهذه الخطوة الآن لتعزيز انتقاله إلى عالم الحوسبة المحمولة، وإلا كان «جوجل»، الذى عرض 10 مليارات دولار على «واتس آب»، سبقه فى اتخاذ تلك الخطوة.
وتعد قيمة الاستحواذ باهظة بالتأكيد، ولكن وفقاً لمقاييس العصر الحديث، فــ « واتس آب » يستحق هذا المبلغ.
ووصف جان كوم، المؤسس والرئيس التنفيذى لشركة « واتس آب »، الصفقة بـ«الشراكة مع فيس بوك»، مؤكداً أن تلك الشراكة سوف تسمح له ولفريق عمله بالاستمرار فى مهمتهم الأساسية، وهى توفير «منتج رائع يستخدمه العالم بأكمله».
وشدد «كوم» على أن شركته ستظل مستقلة رغم الانتقال للعمل داخل «فيس بوك«، مضيفاً، عبر مدونة «واتس آب»، أن تلك الشراكة لن تغير شيئاً بالنسبة للمستخدمين الحاليين أو بالنسبة لسياسة فرض رسوم رمزية نظير الاستمتاع بالخدمة أو لسياسة عدم تقديم إعلانات بالخدمة.
وكان كوم قد ولد ونشأ فى قرية صغيرة خارج كييف عاصمة أوكرانيا، وهاجر مع أمه وهو فى السادسة عشرة من عمره إلى الولايات المتحدة بسبب مناخ معاد للسامية، لكن والده لم يتمكن من الهجرة معهما، وعملا فى وظائف متعددة؛ فقد كانت أمه تعمل جليسة أطفال، بينما كان هو عاملاً لتنظيف أرضية محل بقالة صغير، وتمكن من دخول جامعة «سان جوزيه» الحكومية، وكان يعمل حارساً فى شركة محلية، وتعرف على موظف فى شركة «ياهو» هو بريان اكتون وحصل على عمل هناك، حيث كان مهتما بالإلكترونيات، ونجح فى عمله لدرجة أن الشريك المؤسس لشركة «ياهو» ديفيد فيلو أقنعه بترك الدراسة والتفرغ للعمل.
وعندما توفيت والدته تولى بريان اكتون رعايته، وفى سبتمبر عام 2007 ترك كوم العمل فى «ياهو» بعد تسع سنوات هو وأكتون، وتقدم الاثنان للعمل فى «فيس بوك»، لكن طلبهما رفض، وهى الغلطة التى ربما كلفت «فيس بوك» 19 مليار دولار فيما بعد.
وفى فبراير عام 2009 سجل شركة «واتس آب» فى كاليفورنيا، لكن الموقع تعرض لكثير من المشكلات، وقرر «كوم» وقف العمل فى هذا المشروع والبحث عن عمل جديد، لكن صديقه وشريكه أكتون أقنعه بالاستمرار.








