كل من يصر على أن أمريكا غير قادرة على إدارة أكبر اقتصاد فى العالم بعد جائحة كورونا التى تسببت فى أعلى معدل للبطالة منذ الركود العظيم وكذلك أعلى معدل للتضخم فى 40 عاما يجب أن يتساءل حول آخر مرة كان فيها معدل البطالة وعوائد سندات الخزانة أقل من 4% بعدما تراجع التضخم بـ3% على الأقل لرقم أحادى.
سيكون ذلك قبل نصف قرن تقريبًا قبل أن يعطى الكونجرس، الفيدرالى الأمريكى، الصلاحية فى 1977 للترويج بفاعلية لأهداف التوظيف الكامل واستقرار الأسعار وأسعار الفائدة المعتدلة على المدى الطويلة.
ويغيب ذكر ذلك الهدف المزدوج بصورة مثيرة للانتباه من الانتقادات الموجهة للفيدرالى بالتأخر فى مكافحة التضخم.
وغالبًا ما تفوت الروايات الإعلامية سياق أن الفيدرالى عليه واجب فى كبح الأجور وضغوط الأسعار بينما يحاول تجنب الركود.
البطالة تراجعت لأدنى مستوى فى 54 عاما عند 3.4% فى يناير، حتى بعدما رفع الفيدرالى الأمريكى الفائدة 7 أضعاف ما كانت عليه قبل 10 أشهر من 0.25% إلى 4.5%، قبل أن يرفعها مرتين إلى 5% فى الوقت الحالى.
أدت زيادة أسعار الفائدة إلى إبطاء التضخم بينما تراجعت البطالة قرب أدنى مستوياتها فى نصف قرن، وكان من توابع التشديد فى أوضاع الائتمان غير المسبوق خلال تاريخ الفيدرالى الممتد على مدى 110 أعوام، القلق غير المبرر بين المشاركين فى السوق، وعانى المستثمرون واحدة من أعلى مستويات التقلب فى أسواق السندات منذ الأزمة المالية فى 2008 بحسب بيانات جمعتها “بلومبرج”.
لكن على خلاف الدورات السابقة من التقلب المفرط فى أسواق السندات، استفاد الأمريكيون من أدنى معدل للبطالة منذ 1969 واقتصاد نما 3.6% خلال النصف الثانى من 2022 بحسب بيانات الناتج المحلى.
يعزو تخطى الاقتصاد الجائحة والخروج منها بسوق عمل قوى ومعدلات تضخم بدأت فى الانخفاض، إلى سياسات الفيدرالى المعتمدة على البيانات. وهذا ما يشرحه بشكل عملى بول سامويلسون، الحائز على جائزة نوبل ومؤلف الكتاب الأكثر مبيعًا، “الاقتصاد”، حينما تم سؤاله، لماذا يتغير معدل التضخم المفضل لديك فى طبعات الكتب المختلفة؟، وأجاب “حينما تتغير الأحداث أغير رأيي. ماذا تفعل أنت؟”.
ونسب ساموليسون لاحقًا المقولة لجون ماينارد كينز، الذى قال قبل عدة عقود إن المستثمر الناجح عليه أن يكون مستعدًا لتغيير رأيه طبقًا لتغيرات الحقائق والظروف.
وكينز، الرياضى البريطانى الذى أصبح اقتصاديا وفيلسوفا غيًر النظرية الاقتصادية وممارس الاقتصاد الكلى وسياسات الحكومات قال أيضًا، أى شىء نفعله بوسعنا تحمل تكاليفه”.
حينما ضربت كورونا الاقتصادى فى مارس 2020، خفض الفيدرالى الفائدة من 1.75% إلى 0.25%، كان ذلك بالتحديد حينما ارتفعت البطالة من 3.5% إلى 4.4% فى أكبر زيادة من 67 عامًا بحسب بيانات “بلومبرج”.
وفى الشهر التالى، قفز معدل البطالة إلى 14.7%، التضخم فى تلك الأثناء تسارع بأسرع وتيرة من 1981 فى ظل اضطرابات سلاسل الإمداد وإنفاق الحكومات على حزم الدعم للأفراد والشركات خلال الجائحة، وتلا ذلك أزمة الطاقة التى اندلعت عقب الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
وحينما انخفضت البطالة لمستويات ما قبل الجائحة فى مارس 2022، بدأ الفيدرالى فى رفع الفائدة، وسط انتقادات واسعة تستهجن تخلف الفيدرالى عن الركب، رغم أن سوق السندات لم تبد أى إشارات على نقص الثقة فى البنك المركزى، واستهدافه لمعدلات التضخم.
مؤشر أسعار المستهلكين بلغ ذروته عند 9.1% فى يونيو على أساس سنوى وسجل مؤخرًا 6% فى فبراير، وتعد المؤشرات الحالية الجيدة على وصول الأمريكيين للتوظيف الكامل بدون تضخم جامح هو خلاف ما حدث تمامًا فى 1970 و1980 حينما رفع الفيدرالى الفائدة من 13% إلى 5.5%.
وحينها ارتفع مؤشر أسعار المستهلك إلى 12% من 3%، وصعدت البطالة إلى 9% من 5%، وبحلول 1980 كان الفيدرالى يواصل رفع الفائدة لتصل إلى 20%، فيما كان التضخم يسجل 15%، والبطالة ارتفعت لأعلى مستوياتها التى سجلتها عقب الحرب العالمية الثانية عند 10.9% فى 1982.
وانكوى المستثمرين والشركات على السواء بذلك التقلب المفرد، وانعكس ذلك فى عقود من توسيع الثروات وانعدام عدالة الدخول.
الآن، الشركات الأمريكية تعيش فترة جيدة مع عودة البطالة لأدنى مستوياتها، معدلات ديون الشركات للأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والإطفاء، والتى تقيس التزامات الديون على الشركة مقسومة على الأرباح السنوية تراجعت لمستوى قياسى منخفض إلى 0.95 بالنسبة لشركات مؤشر “ستاندرد آند بورز 500″، فيما ارتفع متوسط ربح السهم إلى 224 دولارا.
وارتفعت حقوق الملكية لأصحاب المنازل إلى 31 تريليون دولار الأعلى منذ بدء تجميعها فى 1946، وسمحت قوة الأسر والمستهلكين فى التكيف بشكل جيد رغم تركيز وسائل الإعلام على أسعار الجازولين التى بلغت ذروتها عند 5 دولارات للجالون بعدما ارتفع الخام الأمريكى إلى 122 دولارا للبرميل خلال يونيو.
ومنذ ذلك الحين، تراجع البترول بنسبة 38% إلى نحو 74 دولارا وهو مستوى متسق مع متوسط آخر 20 عاما، وتراجع الجازولين 31% إلى 3.4 دولار للجالون.
وبالرغم من أن متوسط نسبة خدمة الدين للأسر ارتفعت خلال آخر عامين عند نحو 9.7%، لكنها متماشية مع اتجاهها قبل الوباء وأقل بكثير من ذروتها عند 13.2% فى 2007 بحسب بيانات الفيدرالى التى جمعتها بلومبرج.
ورغم أن العائد الثابت لقروض الرهن العقارى لأجل 30 عاما ارتفع إلى 7.08% آخر العام الماضى مقابل 2.65% آخر 2021، لكن المستوى الحالى عند 6.39% مازال أقل من متوسط آخر 52 عاما عند 7.76% بحسب بيانات “بلومبرج”.
لكن ماذا عن ارتفاع إيجارات الشقق؟ فى الوقت الحالى تتباطأ بشكل سريع من زيادة 17% قبل عام إلى زيادة 6.3% فقط بحسب زيلو جروب، منصة إلكترونية للعقارات.
وعلى خلاف سبعينيات القرن الماضى، حينما كانت التوقعات بتسارع التضخم هى السائدة، يتوقع الأمريكيون ارتفاع التضخم بنحو 2.8% فقط خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، حسب مسح جامعة ميتشجان الشهرى، وكان المؤشر نفسه يسجل 9.7% فى 1980.
ويظهر مسح المستهلكين الصادر عن البنك الاحتياطى فى نيويورك أن التضخم يتباطأ خلال السنوات الثلاثة المقبلة إلى 2.7% وهو الأدنى منذ يونيو 2020.
وبالمثل فإن سوق السندات الحكومية البالغ قيمته 24.3 تريليون دولار، ورغم كل تقلباته مؤخرًا، لا يظهر أى علامات على تخليه عن توقع انخفاض التضخم بشكل ملحوظ.
وتُظهر مبادلات فائدة الكوبون الصفرية والتى تُحتسب بناء على معدل التضخم المتوقع مقارنة بالمعدل الحالى تُظهر أن السوق يسعر أن التضخم سيكون 5% الشهر المقبل و3.3% فى غضون 6 أشهر و2.6% خلال 12 شهرا بحسب بيانات “بلومبرج”.
ولنكن على يقين، مع ارتفاع عائد الأوراق المالية قصيرة الأجل عن تلك طويلة الأجل فيما يعرف بـ”منحنى العائد المعكوس”، وهو مقياس جيد للتنبوء بالركود، الذى يعقب رفع الفيدرالى للفائدة بعام أو عامين.
ولكن رغم الركود الذى لا مناص منه، فإن حدته لن تكون كما فى 1981 و1982 بفضل نجاح الفيدرالى فى الحفاظ على هدفيه الأساسيين.
بقلم: ماثيو فينكلر، كاتب مقالات رأى فى “بلومبرج”
المصدر: وكالة أنباء “بلومبرج”








