عانت اليابان من ارتفاع معدلات التضخم من جديد، وشهدت البلاد، ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك هذا العام إلى 4.3%، وهو مستوى لم تشهده منذ ثلاثة عقود.
في معظم البلدان، لا يتم تبني التضخم على نطاق واسع.. لكن ارتفاع الأسعار في اليابان يشكل علامة فارقة في التحرر من الانكماش المطول.
تكمن الفكرة في أن ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك يمكن أن يكون علامة على اقتصاد أكثر حيوية، يتميز بإنفاق وطلب أكبر، وهذا بدوره قد يكون بمثابة مؤشر على التحول نحو مسار نمو أكثر استدامة ومرونة.
ومع ذلك، يشكل التضخم التسارع، أيضًا تحديًا كبيرًا لسياسة بنك اليابان، إذ يتعين عليه التعامل بحذر مع توازن دقيق بين تحفيز النمو الاقتصادي وضمان استقرار الأسعار.
في 28 يوليو، اتخذ بنك اليابان خطوة صغيرة، لكنها مهمة إلى الوراء تجاه موقفه شديد السهولة في السياسة النقدية، ما أدى إلى تخفيف القيود المفروضة على مشترياته من السندات الحكومية اليابانية، لكن البنك المركزي أوضح أن تركيزه سيبقى دون تغيير حتى يمكن التأكد من أن الأسعار تنمو بنحو 2% سنويًا بطريقة مستقرة ومستدامة.
تجاوز معدل مؤشر أسعار المستهلك الأساسي في اليابان، والذي يستثني أسعار المواد الغذائية، المستوى المستهدف للبنك منذ أبريل 2022، لكن بنك اليابان يواصل توخي الحذر فيما يتعلق بالمزايا والتكاليف المرتبطة بتعديل معايير سياسته الحالية.
هذا النهج التدريجي ينبع من انعدام اليقين المحيط بتوقعات التضخم في المستقبل.
من وجهة نظر مكتب أبحاث الاقتصاد الكلي التابع لرابطة دول الآسيان+3، فإن معدل مؤشر أسعار المستهلك الأساسي في اليابان، الذي انخفض في يونيو لأول مرة في 17 شهرًا إلى 4.2%، بلغ ذروته ومن المرجح أن يبلغ متوسطه حوالي 3% العام الحالي و2% العام المقبل.
مع ذلك، نظرًا للشكوك المحيطة بديناميكيات التضخم في اليابان، فإن بنك اليابان محق في الحفاظ على نهج حذر، وفي الوقت نفسه، يحتاج البنك إلى الاستعداد لاتخاذ موقف مختلف إذا ظهرت علامات تحمل التضخم المرتفع.
ونظرًا لارتفاع أسعار الطاقة والغذاء العالمية، بدأ معدل التضخم في اليابان ، في التسارع بشكل كبير خلال الربع الثاني من 2022، بعد الاقتصادات المتقدمة الأخرى، كما أن الانخفاض الحاد في قيمة الين مقابل الدولار أدى إلى تضخيم الزيادة في أسعار الواردات.
منذ أواخر 2022، كان هناك تحول ملحوظ آخر في مشهد التضخم، إذ تراجعت أسعار البترول العالمية بينما ظل الين مستقرًا نسبيًا بعد أن تراجع إلى أدنى مستوياته التي لم تشهدها البلاد منذ عقود، ونتيجة لذلك حدث انخفاض حاد في أسعار الواردات.
مع ذلك، اكتسب التضخم الأساسي زخمًا في اليابان خلال العام الحالي، ويرجع ذلك أساسًا إلى الزيادات في أسعار السلع والخدمات غير المرتبطة بالطاقة، ومن المألوف أن تستغرق مثل هذه الارتفاعات في الأسعار وقتًا لتتدفق عبر الاقتصاد.
في الواقع، يقدر مكتب أبحاث الاقتصاد الكلي أن انخفاض قيمة الين بنسبة 10% قد تستغرق ما يصل إلى تسعة أشهر لتغذية ارتفاع أسعار المستهلك.
يمكن أن يكون للعديد من العوامل المحورية تداعيات كبيرة على ترسيخ معدلات التضخم المرتفعة في اليابان.
أولاً، سيلعب الاتجاه السائد في نمو الأجور دورًا حاسمًا. فقد أظهرت مفاوضات الأجور في ربيع العام الحالي، دلائل على أن الأجور، التي ظلت راكدة لعقود، قد ترتفع أخيرًا.
نفذت الشركات الكبرى زيادة كبيرة في الأجور بنسبة 3.9%، وهي أكبر زيادة في الأجور منذ 31 عامًا، وهذا يشير إلى اعتراف أرباب العمل بالحاجة إلى معالجة ارتفاع تكاليف المعيشة للموظفين.
لسوء الحظ، لا يوجد سبب للثقة في أن الزيادة الكبيرة في الأجور خلال العام الحالي ستنتقل إلى العام المقبل أو العام الذي يليه، ما يترك المجال مفتوحًا لمسألة ما إذا كان ارتفاع الأجور سيصبح دافعًا راسخًا لارتفاع التضخم.
لاشك أن تكاليف مدخلات الشركات اليابانية ستشكل عاملاً مهمًا آخر في صورة التضخم، وكانت الشركات اليابانية، وخاصة تلك التي تعمل في قطاع الخدمات، مترددة تقليديًا في رفع الأسعار للمستهلكين.
مع ذلك، مُرر المزيد من تأثير ارتفاع تكاليف المواد الخام والأجور للعملاء مؤخرًا.، في أبريل، ارتفعت أسعار الخدمات اليابانية بنسبة 1.7% على أساس سنوي، وهي أعلى زيادة شهرية منذ 1995، باستثناء فترتين تأثرت فيهما الأسعار برفع ضريبة الاستهلاك.
وربما تمنح بيئة التضخم المرتفعة الحالية الشركات اليابانية دفعة أقوى لرفع الأسعار لتغطية تكاليفها، ما يشكل خطرًا صعوديًا على توقعات التضخم.
وأخيرًا، يجب أخذ ارتفاعات التضخم المدفوعة بعوامل جانب العرض في الاعتبار، رغم أن هذه الآثار تميل إلى أن تكون مؤقتة.
يجب مراقبة تأثير ارتفاع الأسعار المستوردة على التضخم المحلي وتوقعات التضخم، ويمكن أن تُحدث التوترات الجيوسياسية المستمرة اضطرابات مؤقتة في الإمدادات وقد تؤدي إلى ارتفاع آخر في أسعار الطاقة.
بالإضافة إلى ذلك، نظرًا للتباين المستمر في السياسة النقدية بين الولايات المتحدة واليابان، فإن الانخفاض المتكرر والسريع لقيمة الين قد يزيد من تسريع التضخم المحلي.
بالنظر إلى الشكوك الكبيرة المحيطة بديناميكيات التضخم في اليابان، من الضروري أن يكون بنك اليابان مستعدًا لاحتمالية ظهور “وضع طبيعي جديد” بعد الوباء الذي يتميز ببيئة تضخم مرتفع دائمًا.
يمكن أن يفكر بنك اليابان في اعتماد نطاق مستهدف لاستقرار الأسعار من 1% إلى 3% باعتباره هدفا أكثر واقعية وعملية، وهذا من شأنه أن يوفر للبنك المركزي مزيدًا من المرونة في إدارة السياسة النقدية، كما أن بنك اليابان بحاجة لأن يكون قابلاً للتكيف، نظرًا لاستمرارية انعدام الاستقرار في البيئة العالمية.








