كريس جيلز يكتب: من المبكر جدًا إعلان الانتصار على التضخم


الأخبار الجيدة لها آثار غريبة، فبعد شهرين فقط من التطورات المشجعة فى الأسعار فى الولايات المتحدة، كثر الحديث عن انتهاء التضخم، والدروس التى يتعين علينا أن نتعلمها.

وتراهن الأسواق المالية على هبوط ناعم يتمثل فى انخفاض معدلات التضخم دون حدوث ركود، ويتحدث الاقتصاديون عن «الانكماش التام».

ويذهب البعض إلى ما هو أبعد من ذلك، فهم لا يتوقعون فقط نجاح الولايات المتحدة فى التغلب على التضخم، لكن أيضاً تكرار ذلك فى كل مكان، والبعض بدأ يهمس أن التضخم كان فى نهاية المطاف عابراً، وأن الانحدار غير المؤلم ظاهرياً فى تضخم مؤشر أسعار المستهلك فى الولايات المتحدة لا بد أن يفرض إعادة تفكير جوهرية فى النظرية الاقتصادية.

وهناك حاجة إلى بعض الحقائق لتأطير المناقشة، فانخفاض التضخم فى مؤشر أسعار المستهلكين فى الولايات المتحدة من الذروة التى تجاوزت 9% إلى 3.2% فى يوليو من هذا العام لا يمكن أن يخفى القفزة الضخمة للأسعار مقارنة بالأهداف.

وعلى مدى العامين الماضيين، ارتفع المقياس الرئيسى للتضخم فى الولايات المتحدة 12%، مقابل 2% هدف التضخم للفيدرالى الأمريكى.

وفى منطقة اليورو والمملكة المتحدة، كانت الزيادات خلال العامين الماضيين أعلى من ذلك؛ حيث بلغت 14.6% و17.6% على التوالى.

وتوقع الجميع أن يكون ارتفاع الأسعار بعد الاضطرابات التى أحدثتها الجائحة والغزو الروسى لأوكرانيا مؤقتاً، وكان القلق دائماً هو أن التضخم لن ينخفض إلى مستوى 2% المستهدف من تلقاء نفسه، ويمكن أن يصبح ثابتاً تماماً فى طريقه إلى الانخفاض.

وهذا بالضبط ما يحدث وما زال مصدر القلق، وحتى بعد البيانات الجيدة الأخيرة، فإنَّ توقعات التضخم الصادرة عن بنك الاحتياطى الفيدرالى لنهاية هذا العام والعام المقبل والعام الذى يليه من غير المرجح أن تتحسن كثيراً.

وفى السابق كانت كل الأخطاء الرئيسية تتلخص فى الاستهانة بقوة التضخم واستمراريته بدلاً من المبالغة فى تقديره.

ورغم الانخفاض الحاد فى التضخم، يبدو أن الاقتصاد الأمريكى لا يزال على صفيح ساخن، ولم تعد سوق العمل إلى التوازن بعد.

وكما لاحظ أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بحدة فى اجتماعهم الأخير، فإنَّ «الأجور الاسمية كانت لا تزال ترتفع بمعدلات أعلى من المستويات التى تم تقييمها على أنها متسقة مع الإنجاز المستدام لهدف التضخم الذى حددته اللجنة بنسبة 2%».

وإذا كانت الولايات المتحدة قد شهدت بعض الاتجاهات المشجعة دون تحقيق قدر كافٍ من التقدم، فإنَّ أوروبا لم تحذُ حذوها بعد.

واضطر البنك المركزى الأوروبى إلى رفع توقعاته للتضخم فى أحدث توقعاته، وأصبحت مقاييس التضخم الأساسى صعبة.

وفى حين أنه من الممكن للإحصائيين فى المملكة المتحدة وضع تدابير تظهر أن التضخم الأساسى بدأ فى الانخفاض، فإنَّ معظم نقاط البيانات لا تزال تشير إلى دوامة أسعار الأجور المستمرة منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى. ولا تشمل تعريفات استقرار الأسعار، ذلك المستوى المرتفع من تضخم الخدمات الذى لا يزال يبلغ 7.4% فى يوليو، مع نمو الأجور سنوياً بما يزيد على 8%، وهذه ليست البيئة التى من المنطقى فيها أن تعلن البنوك المركزية الأوروبية انتصارها على التضخم.

وبطبيعة الحال، أصبحت البنوك المركزية ناشطة فى مكافحة التضخم على مدى الأشهر الثمانية عشر الماضية.

ويعمل ارتفاع تكاليف الاقتراض بمقدار 5.25% فى الولايات المتحدة، و5.15% فى المملكة المتحدة، و4.25% فى منطقة اليورو، على تهدئة أسواق العمل، مع انخفاض الوظائف الشاغرة وارتفاع معدلات البطالة فى بعض البلدان، ولا يزال يتعين الشعور بالكثير من آثارها.

ولعل الحقائق لا تشير إلى ضرورة إجراء رفع إضافى لأسعار الفائدة للتغلب على التضخم، ولكن مع استمرار التضخم الأساسى مرتفعاً للغاية على ضفتى الأطلسى، فليس هناك تقريباً أى حجة متماسكة تؤكد أن الغالبية العظمى من هذا التشديد النقدى كان غير مدروس.

ولا نستطيع أن نعرف كيف كان أداء الاقتصادات الأطلسية الكبرى، لو لم يفعل محافظو البنوك المركزية أى شىء، ولكن ليس هناك شك فى أن الطلب الزائد سوف يكون أقوى، والتضخم أعلى، وسوف تصبح مشكلة الارتفاع المستمر فى الأسعار أسوأ.

ومن ثم فإن الخطوات التى اتخذوها لاحتواء التضخم كانت ضرورية بشكل شبه مؤكد، وليس هناك ما يدعو إلى الصراخ بأن المهمة قد أنجزت.

لكن أحد جوانب مكافحة التضخم الذى فاجأ الجميع تقريباً، هو افتقاره إلى الألم، فقد وصلت معدلات البطالة فى الولايات المتحدة إلى مستويات منخفضة قياسية، ولم ترتفع إلا بالكاد فى أوروبا، ولقد حدد سوق العمل التوقعات بطريقة جيدة مع ارتفاع أسعار الفائدة.

ورغم أنه قد يكون من المغرى أن نقول إنَّ تباطؤ التضخم يمكن أن يكون غير مؤلم دائماً، ونحن بحاجة إلى إعادة كتابة كتب مدارس الاقتصاد، يبدو أن هذه حالة خاصة فى مرحلة ما بعد الوباء وليست حالة تتحدى النظرية.

وأثناء الجائحة وبعدها، عانى العالم العديد من الصدمات فى جانب العرض التى أسهمت فى الارتفاع الأولى للأسعار. وقد حدث ذلك على مستوى العالم فى سلاسل التوريد المضطربة والأقل كفاءة، وفى الزيادات الكارثية فى أسعار الغاز فى أوروبا العام الماضى وفى انخفاض مشاركة القوى العاملة فى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

وقد تم إصلاح العديد منها أو تحسينها، ما يساعد على خفض التضخم بألم أقل من المعتاد.

وهذه ليست أخباراً سيئة بالنسبة للاقتصاد؛ لأن نظريات السعر يتم تحديدها دائماً من خلال العرض والطلب.

ومن المبكر للغاية أن نفكر فى مستقبل نظرية الاقتصاد الكلى، والسؤال المطروح الآن بالنسبة للولايات المتحدة والدول الأخرى هو ما إذا كانت أسعار الفائدة كافية أم أنها تحتاج إلى رفعها قليلاً.

بقلم: كريس جيلز

محرر اقتصادى فى فاينانشيال تايمز

المصدر: «فاينانشيال تايمز»

لمتابعة الاخبار اولا بأول اضغط للاشتراك فى النسخة الورقية او الالكترونية من جريدة البورصة

منطقة إعلانية

https://www.alborsaanews.com/2023/08/27/1704503