استهلت الأسهم الآسيوية العام الجديد بمكاسب حادة، إلا أن هذا الصعود قد يواجه رياحًا معاكسة بفعل المخاوف من فقاعة محتملة في قطاع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تباين مسارات السياسات النقدية بين اقتصادات المنطقة.
وترتبط آسيا بعمق بسلاسل الإمداد العالمية للذكاء الاصطناعي، ما يجعلها عرضة لأي انعكاس حاد في سوق الأسهم الأمريكية “وول ستريت”، رغم أن التقييمات الأرخص لشركات الرقائق الصينية وسعي بكين إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي يوفران قدرًا من الحماية، بحسب ما نقلته وكالة “بلومبرج” الأمريكية، حيث يأتي ذلك في وقت تصدر فيه القطاع اهتمامات المستثمرين بعد أن تفوق مؤشر “إم سي إس آي” لأسهم آسيا على نظرائه العالميين بنحو 5% العام الماضي، مسجلًا أقوى أداء نسبي له منذ عام 2017.
ويُتوقع أن يكون تباين السياسات النقدية محركًا رئيسيًا آخر للأسواق، إذ تتبنى الصين والهند توجهات داعمة للنمو، في مقابل ميل اليابان وأستراليا ونيوزيلندا إلى تشديد السياسة لكبح التضخم، وفي الوقت ذاته، قد تظهر حركة تدوير نحو أسهم متأخرة الأداء يُنظر إليها على أنها أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية، وقد تواصل كوريا الجنوبية، التي كانت الأبرز أداءً العام الماضي، تحقيق مكاسب إضافية إذا استمر زخم الإصلاحات السوقية.
ولعب الهوس الاستثماري بالذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في تفوق الأسهم الآسيوية على نظيراتها العالمية خلال العام الماضي، وامتد هذا الزخم إلى مطلع العام الجديد، ليدفع مؤشر تكنولوجيا المعلومات الإقليمي إلى مستوى قياسي في نهاية الأسبوع الماضي، وبينما يرى بعض المستثمرين أن آسيا توفر فرصة أفضل للتعرض للذكاء الاصطناعي بفضل التقييمات الأرخص، يحذر آخرون من مخاطر تركّز الشركات الكبرى في أسواق مثل تايوان وكوريا الجنوبية، ما قد يزيد من التقلبات مع استمرار الصعود.
وقال كين وونج، المتخصص في محافظ الأسهم الآسيوية لدى «إيستسبرينج إنفستمنتس» في هونج كونج، إن ما يجرى أقرب إلى “إرهاق من الذكاء الاصطناعي” وليس فقاعة، مشيرًا إلى أن أي تراجع في الإنفاق الرأسمالي أو ضعف في مسار الأرباح قد يفرض مخاطر إضافية.
وفي الصين، يتزايد التفاؤل حيال شركات الرقائق مع مضاعفة الجهود لتحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، حيث تدرس بكين حزمة حوافز قد تصل قيمتها إلى 70 مليار دولار لدعم صناعة أشباه الموصلات، وتجلى هذا الحماس في الطروحات القوية لشركتي «ميتا إكس إنتجريتد سيركيتس شنجهاي» و«مور ثريدز تكنولوجي»، ما دفع شركات أخرى إلى الإسراع بطرح أسهمها، من بينها وحدة رقائق الذكاء الاصطناعي التابعة لـ«بايدو» وشركة «جيجاديفايس سيميكونداكتور».
كما تستمد أسهم التكنولوجيا الصينية جاذبيتها من انخفاض تقييماتها، إذ يجري تداول مؤشر رئيسي للأسهم المدرجة في هونج كونج عند 19 مرة للأرباح المتوقعة، مقابل 25 مرة لمؤشر «ناسداك 100».
وتظل السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي عاملًا حاسمًا في توجيه تدفقات رؤوس الأموال ومعنويات المخاطرة في آسيا، مع توقعات بخفض الفائدة مرتين في 2026، وقد يتيح ذلك مجالًا لبنوك مركزية في دول مثل الهند وتايلاند لخفض تكاليف الاقتراض دعمًا للنمو، وعلى النقيض يتعرض بنك اليابان لضغوط لرفع الفائدة بوتيرة أسرع للحد من التضخم وضعف الين، بينما أشارت نيوزيلندا إلى قرب انتهاء دورة التيسير، مع تزايد التوقعات بتحول مماثل في أستراليا.
وقال ديلين وو، استراتيجي الأبحاث في «بيبرستون جروب»، إن بيئة الفائدة المنخفضة المستقرة في الهند قد توفر دعمًا تدريجيًا لسوق الأسهم، فيما قد تعزز التخفيضات المحتملة في دول أخرى من أداء الأسواق، مشيرًا إلى أن القطاعات التي تتمتع بمرونة سياسية وأرباح قوية ستكون الأوفر حظًا، مقابل ضغوط أكبر على الأصول الحساسة للفائدة.
ومع سعي بعض المستثمرين إلى تنويع محافظهم بعيدًا عن الأصول الأمريكية وتجارة الذكاء الاصطناعي المزدحمة، تتجه الأنظار إلى الأسواق المتأخرة، حيث أنهى مؤشر «نيفتي 50» الهندي عام 2025 بمكاسب 10.5%، متخلفًا عن مؤشر آسيا والمحيط الهادئ بأوسع هامش منذ عام 1998، وسط آمال بأن تسهم تخفيضات الضرائب والفائدة في تحسين الأرباح، كما يراهن البعض على استفادة إندونيسيا من حزم التحفيز الحكومية، فيما تراجع أداء جنوب شرق آسيا عمومًا خلال العام الماضي.
وفي كوريا الجنوبية، يتركز الاهتمام على استمرار الزخم بعد أن حققت الأسهم قفزة عالمية بلغت 76% العام الماضي بدعم من طفرة الذكاء الاصطناعي وتوقعات إصلاحات الشركات، حيث ارتفع مؤشر «كوسبي» إلى ما فوق 4300 نقطة، مقتربًا من مستوى 5000 الذي يستهدفه الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونج، ولا تزال شركات الرقائق الكبرى في البلاد تحظى بدعم قوي من الطلب على الذكاء الاصطناعي، مدعومة بارتفاع صادرات أشباه الموصلات بنسبة 43% في ديسمبر، ما يؤكد الدور المحوري لسامسونغ و«إس كيه هاينكس» في هذا القطاع عالميًا.








