يواصل القطاع المصرفي ، تعديل أوضاعه استجابة لقرارات خفض أسعار الفائدة التي اتخذها البنك المركزي المصري في 2025، مما سيعيد تشكيل خريطة السوق المصرفي.
وتتزايد التساؤلات، حول انعكاسات خفض الفائدة على سلوك المودعين ومستقبل الشهادات الادخارية مرتفعة العائد، خاصة مع تراجع معدلات التضخم وتحسن مؤشرات النمو الاقتصادي.
من جانبهم، أكد خبراء مصرفيون أن الجهاز المصرفي لا يواجه مخاطر خروج سيولة، بل يشهد مرحلة إعادة هيكلة طبيعية للأوعية الادخارية، عبر التحول نحو شهادات أقل عائدًا وأكثر مرونة.
وأشاروا إلى أن هذه التحركات تدعم استقرار السيولة وتعزز قدرة البنوك على مواكبة دورة التيسير النقدي دون التأثير سلبًا على الثقة في القطاع البنكي.
وقررت لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي المصري في آخر اجتماعاتها عام 2025، خفض سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي بواقع 100 نقطة أساس إلى 20% و21% و20.5%، على الترتيب، ليبلغ إجمالي الخفض 725 نقطة أساس منذ بداية العام.
«شوقي»: الشهادات متغيرة العائد المرتبطة بالكوريدور تحافظ علي جاذبية الادخار البنكي
قال أحمد شوقي، الخبير المصرفي، إن ما يشهده السوق المصرفي حالياً عقب خفض أسعار الفائدة يُعد أمراً متوقعاً، في ظل التراجع الواضح في معدلات التضخم، مؤكداً أن خفض الفائدة يمثل أحد المحركات الأساسية لدعم معدلات النمو الاقتصادي في مصر.
وتراجع معدل التضخم العام لإجمالى الجمهورية إلى 10% خلال نوفمبر الماضى، مقارنة بـ10.1% فى أكتوبر 2025، وفق بيانات صادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء.
وأوضح شوقي أن الاقتصاد المصري سجل معدل نمو قوي بلغ 5.5% خلال الربع الأول من العام المالي 2025 /2026، مقارنة بنحو أكثر من 4% خلال العام المالي 2024 /2025، وهو ما يعكس الأثر الإيجابي لسياسات التيسير النقدي.
وأضاف شوقي لـ « البورصة » أن كل خفض بنسبة 1% في أسعار الفائدة يسهم في تقليص أعباء خدمة الدين بنحو 110 مليارات جنيه، وهو ما ينعكس إيجاباً على الموازنة العامة للدولة، إلى جانب دوره في خفض تكلفة التمويل على الشركات، بما يشجعها على الاقتراض والتوسع في أنشطتها الإنتاجية داخل الاقتصاد المصري.
وفيما يتعلق بالمودعين، أكد أن انتهاء آجال الشهادات الادخارية يُعد سيناريو متكرراً وليس جديداً، وقد تكرر بالفعل خلال السنوات الماضية دون أن يؤدي إلى خروج السيولة من الجهاز المصرفي، موضحاً أن العملاء يستمرون في التعامل مع البنوك لعدة أسباب رئيسية.
وأوضح شوقي، أن القطاع العائلي، الذي يمثل أكثر من 9 تريليونات جنيه من إجمالي ودائع تبلغ نحو 15 تريليون جنيه، يفضل بطبيعته العائد الدوري، بجانب أن الثقافة الادخارية تميل إلى التعامل مع البنوك باعتبارها الخيار الأكثر أماناً، فضلاً عن الحاجة الدائمة لتوافر السيولة.
وأشار إلى أن البدائل الاستثمارية الأخرى لا تحقق نفس المزايا، إذ يحتاج الذهب لفترة زمنية لا تقل عن عام لتحقيق عائد، بينما يُعد العقار صعب التسييل مقارنة بالأوعية الادخارية البنكية.
ولفت إلى أن البنوك بدأت بالفعل في تقديم حلول ادخارية بديلة، حيث قامت ثلاثة بنوك بطرح شهادات متغيرة العائد مرتبطة بسعر “الكوريدور”، بعائد يعادل سعر الإيداع مطروحاً منه 25 نقطة أساس، ليصل حالياً إلى نحو 19.75% بعد خفض سعر الإيداع إلى 20%.
أضاف أن العائد الحقيقي لا يزال إيجابياً رغم خفض الفائدة، موضحاً أنه عند مقارنة الوضع الحالي ببداية العام، حينما بلغ متوسط العائد 24% مقابل تضخم عند 21% تقريباً، كان العائد الحقيقي في حدود 3%، بينما يصل العائد الحقيقي حالياً إلى نحو 6–7%، سواء عند احتساب فائدة متغيرة بنحو 19.75% أو حتى متوسط عائد يبلغ 17%، مقارنة بمعدل تضخم يدور حول 12–12.3%.
واستبعد شوقي، سيناريو خروج السيولة من البنوك، مؤكداً أن الأرقام التي سيعلنها البنك المركزي خلال شهري يناير وفبراير، ستظهر زيادة في حجم الأوعية الادخارية، كما حدث في الفترات المماثلة من الأعوام السابقة.
وأكد أن ودائع القطاع العائلي تشهد نمواً مستمراً ولا تتعرض لانخفاض، نظراً لحرص العملاء على الحصول على العوائد الدورية، وهو ما يدعم استقرار الجهاز المصرفي ويعزز الثقة في القطاع البنكي.
«أبو الخير»: البنوك ستطرح أوعية ادخارية بعوائد أقل .. لكن بشروط أكثر مرونة
وقال أحمد أبو الخير، الخبير المصرفي، إن قرار البنك المركزي المصري بخفض معدلات الفائدة بنحو 7.25% خلال عام 2025، يُعد تحولًا جوهريًا في مسار السياسة النقدية، خاصة مع تزامنه مع اقتراب آجال استحقاق الشهادات الادخارية مرتفعة العائد التي طرحتها البنوك الحكومية الكبرى، وفي مقدمتها البنك الأهلي المصري وبنك مصر، ما يعكس مرحلة جديدة في إدارة السيولة وتكلفة الأموال داخل القطاع المصرفي.
وأوضح أن سلوك المودعين خلال الفترة المقبلة سيتباين بين شريحتين رئيسيتين، الأولى تفضل تجديد الشهادات الادخارية حفاظًا على عنصر الأمان وانخفاض المخاطر، خاصة كبار السن وأصحاب المدخرات التقليدية.
وأضاف أن الشريحة الثانية تميل إلى البحث عن بدائل استثمارية أكثر مرونة أو أعلى عائدًا، مدفوعة بتوقعات استمرار الاتجاه النزولي لأسعار الفائدة خلال عام 2026، ما يقلل جاذبية الشهادات التقليدية على المدى المتوسط.
وأشار إلى أن البنوك ستتعامل بحذر مع الشهادات المستحقة خلال شهر يناير الحالي، عبر طرح أوعية ادخارية بديلة بعوائد أقل نسبيًا، ولكن بشروط أكثر مرونة، مثل تقليص آجال الاستحقاق أو تقديم عوائد متدرجة أو متغيرة.
ولفت أبو الخير، إلى أن هذه السياسات تستهدف الحفاظ على مستويات السيولة داخل الجهاز المصرفي، وتقليل مخاطر خروج الودائع بشكل مفاجئ، في ظل مرحلة إعادة تسعير تكلفة الأموال.
وأكد أن الفترة المقبلة قد تشهد تباينًا واضحًا بين سياسات البنوك الحكومية والبنوك الخاصة في إدارة ملف الشهادات الادخارية، حيث تميل البنوك الحكومية إلى مراعاة اعتبارات الاستقرار المالي والسيولة الكلية ودعم توجهات السياسة النقدية.
وأوضح أن هذا التوجه قد يدفع البنوك الحكومية إلى الاستمرار في تقديم أوعية ادخارية جاذبة نسبيًا، وإن كانت بعوائد أقل من المستويات الاستثنائية التي سادت خلال الفترات الماضية.
وأشار إلى أن البنوك الخاصة تتمتع بمرونة أكبر في التسعير وإعادة توجيه مواردها نحو التوسع في الإقراض والأنشطة الاستثمارية الأعلى عائدًا، ما يجعلها أقل ميلًا للإبقاء على شهادات مرتفعة العائد.
ولفت إلى أنه حال توجه بعض المودعين إلى عدم تجديد الشهادات، فمن المتوقع أن تتجه السيولة المتحررة إلى بدائل استثمارية متعددة، أبرزها أذون وسندات الخزانة طويلة الأجل للمستثمرين الأكثر خبرة.
وأضاف أن صناديق الاستثمار النقدية وصناديق الدخل الثابت قد تستفيد أيضًا من هذه التحولات، نظرًا لما توفره من سيولة مرتفعة وعائد تنافسي مقارنة بالودائع التقليدية.
وتوقع أن تشهد البورصة المصرية اهتمامًا تدريجيًا من جانب بعض المودعين الساعين لتعويض تراجع العائد الحقيقي، إلى جانب توجه محدود نحو الاستثمار في العقارات أو الذهب كأدوات للتحوط، مع بقاء ذلك مرتبطًا بدرجة المخاطر في تلك الأسواق.
وشدد أبو الخير على أنه مع استمرار التوقعات بخفض أسعار الفائدة خلال عام 2026، قد يزداد الإقبال على الأدوات طويلة الأجل ذات العائد الثابت لتثبيت العوائد قبل مزيد من التخفيضات.
وأكد أن تراجع أسعار الفائدة لن يؤدي إلى انكماش ملحوظ في ودائع البنوك، مرجحًا استمرارها في مستويات مستقرة مع إعادة هيكلة داخلية لمكوناتها، عبر التحول من شهادات طويلة الأجل مرتفعة العائد إلى أوعية أقصر أجلًا وأكثر مرونة.
«وجيه»: المودع التقليدي سيظل ميالًا لتجديد الشهادات الادخارية
وقالت شيماء وجيه، الخبيرة المصرفية، إن خفض أسعار الفائدة بنسبة كبيرة خلال العام الماضي ، مثل نقطة تحول واضحة في سلوك المودعين، لكنه لا يدفعهم جميعًا في الاتجاه نفسه.
وأوضحت أن المودع التقليدي، خاصة أصحاب الدخول الثابتة وكبار السن، سيظل ميالًا لتجديد الشهادات الادخارية رغم تراجع العائد، طالما ظل عنصر الأمان والاستقرار قائمًا.
وأضافت أن شريحة المودعين الأكثر وعيًا ماليًا ستبدأ في إعادة تقييم جدوى الشهادات مرتفعة العائد التي انتهت آجالها، في ظل تآكل العائد الحقيقي واستمرار الضغوط التضخمية، وهو ما قد يدفع هذه الفئة إلى البحث عن بدائل أكثر مرونة وكفاءة من حيث العائد والمخاطر.
وأشارت وجيه، إلى أن البنوك ستتعامل مع الشهادات المنتهية خلال يناير بسياسة مزدوجة، تقوم على طرح أوعية ادخارية بعوائد أقل ولكن بمرونة أعلى من حيث المدة ودورية الصرف، إلى جانب تشجيع التحول الجزئي نحو حسابات التوفير المميزة أو الشهادات المتدرجة للحفاظ على قاعدة الودائع.
وأشارت إلى أنه حال عدم تجديد الشهادات، ستتجه السيولة إلى بدائل استثمارية متعددة بحسب درجة المخاطرة المقبولة، في مقدمتها أدوات الدين الحكومية مثل أذون وسندات الخزانة، إلى جانب الصناديق الاستثمارية ذات الدخل الثابت أو المتوازن، والاستثمار العقاري كوعاء تحوطي.
وشددت على أن الذهب والفضة قد يشهدان إقبالًا متزايدًا خلال الفترة المقبلة، في ظل توقعات بارتفاع أسعارهما وعدم وضوح المسار المستقبلي لأسعار الفائدة.
ورجحت وجيه، ألا تشهد محافظ الودائع تراجعًا حادًا، مؤكدة أن السيناريو الأقرب هو إعادة هيكلة داخلية للودائع، موضحة أن البنوك ستظل الملاذ الآمن للمدخرات، مع انتقال جزئي من الشهادات طويلة الأجل إلى أوعية أكثر مرونة.
وأكدت أن زيادة الوزن النسبي للحسابات الجارية وحسابات التوفير ستُبقي الودائع مستقرة ولكن بتكلفة أقل على البنوك، وهو ما ينعكس إيجابيًا على هوامش الربحية، ويمنح البنوك مساحة أكبر لإعادة توجيه السيولة نحو الائتمان والاستثمار.








