تقترب رئيسة البنك المركزي كريستين لاجارد، التي تصف نفسها بـ”سيدة الأزمات” في أوروبا، من المرحلة الأخيرة في مسيرتها المهنية، في وقت بات فيه العالم مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي عرفته في بدايات توليها المناصب العامة قبل عقدين من الزمن.
وترى لاجارد أن هناك ما يدعو للاطمئنان نسبيًا، في ظل آفاق تضخم مستقر وقدر من الصمود في النمو الاقتصادي، إلا أن صعود التيارات الشعبوية، وصعوبة أوروبا في التعامل مع توازنات القوى العالمية، لا يزالان يثيران قلقها، بحسب تقرير لوكالة “بلومبرج” الأمريكية.
ومن مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت، تحدثت لاجارد عن دور اتساع فجوات عدم المساواة في تغذية دعم التيارات السياسية المتطرفة، وكيف أن بطء اتخاذ القرار يعرقل قدرة أوروبا على رسم مستقبلها بنفسها.
وقالت لاجارد في حوار مع “بلومبرج”: «سنعيش في عالم أكثر تقلبًا، وأكثر عرضة للصدمات، وقد أصبح مجزأً أمام أعيننا، آمل أن نصل إلى لحظة مراجعة حقيقية».
وبينما بدأ بالفعل السباق على خلافة رئاسة البنك المركزي الأوروبي، رغم أن الكثير قد يحدث قبل تقاعد لاجارد العام المقبل، فإن المسؤولة الفرنسية، التي أتمت السبعين من عمرها مؤخرًا، ترى بوضوح كيف أن ملامح عالم يُعاد تشكيله بفعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومنافسه الصيني ستفرض تحديات كبيرة على من سيخلفها.
ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي، أصدر أوامر بشن هجمات عسكرية على 7 دول ذات سيادة، ودفع نحو إعادة صياغة التجارة العالمية لصالح الولايات المتحدة، في وقت تحركت فيه الصين بقوة لتوسيع نفوذها الاقتصادي، وعلى الرغم من محاولات الاتحاد الأوروبي الرد عبر خطط لتعزيز التنافسية وزيادة الإنفاق الدفاعي، لا تزال الكتلة الأوروبية غارقة في البيروقراطية والانقسامات.
ويرى البنك المركزي الأوروبي أن غياب التحرك يمثل تهديدًا لاستثمارات الشركات وإنفاق المستهلكين، ما قد يقوض المكاسب التي تحققت بشق الأنفس عبر تثبيت التضخم عند مستوى 2% بعد صدمة أسعار غير مسبوقة ومخاوف انكماش استمرت عقدًا من الزمن، وإدراكًا لحجم التحدي، كثفت لاجارد مطالبها بالإصلاح، داعية إلى قرارات أسرع ووحدة أوروبية أكبر.
وقالت لاجارد: «هناك زخم تشكل خلال العام الماضي على وجه الخصوص، وكان الرئيس ترامب سببًا في إطلاقه، لذا أشكره على ذلك.. أوروبا تتعلم الدروس، لكن هل تتعلم بالسرعة الكافية؟ المستقبل وحده سيجيب».
وأكدت لاجارد التزامها بمواصلة أداء مهامها حتى أكتوبر 2027، نافية التكهنات السابقة حول مغادرتها المبكرة لتولي رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، مضيفة: «أنا لا أستسلم بسهولة.. عندما تكون لديك مهمة وهدف، عليك أن تنجزهما».
وأشارت إلى أن منصبها استغرق وقتًا أطول مما كانت تتوقع، وتابعت: «كنت أظن دائمًا أنها مدة 5 سنوات.. ولو كنت أعلم أنها 8 سنوات منذ البداية، لكنت فكرت في الأمر مطولًا».
كما شددت على أنها غير معنية بالعودة إلى السياسة الفرنسية أو الترشح للانتخابات الرئاسية المقررة بعد نحو 15 شهرًا، قائلة: «لا أظن ذلك.. رأيت رؤساء يتغيرون باستمرار، ورأيتهم يتقدمون في العمر ويتغيرون.. لقد تجاوزت هذه المرحلة».
ورغم ذلك، فإن الانقسامات الاجتماعية في فرنسا، والتوتر المتصاعد بين الأغنياء والفقراء، واحتمالات صعود حزب «التجمع الوطني» الشعبوي، تشغل تفكيرها بشكل واضح، وقالت: «لا يمكن للمجتمعات أن تعمل وهي منقسمة بعمق، وتشعر فيها أغلبية كبيرة بأنها مهمشة».
وتطرقت لاجارد أيضًا إلى التهديدات التي تواجه استقلالية البنوك المركزية، في وقت انتقد فيه ترامب مرارًا الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ورئيسه جيروم باول، مؤكدة أن استقلالية البنك المركزي الأوروبي خط أحمر، قائلة: «لم أتلق يومًا اتصالًا من أي قائد أوروبي، لأنهم يعلمون أنهم لا يستطيعون ذلك، فالأمر منصوص عليه في المعاهدة، ولا أعتقد أن هذا الاستقلال محمي بالقدر نفسه قانونيًا في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو دول أخرى».
ومع اقتراب نهاية ولايتها، يمكن للاجارد أن تنظر إلى مسيرة حافلة بالأزمات. فقد انضمت إلى الحكومة الفرنسية عام 2005، وتولت وزارة المالية قبيل اندلاع الأزمة المالية العالمية، ثم قادت صندوق النقد الدولي اعتبارًا من 2011 خلال أزمة ديون منطقة اليورو، قبل أن تنتقل إلى البنك المركزي الأوروبي حيث واجهت جائحة كورونا.
وقالت واصفة نفسها: «أنا سيدة الأزمات»، مؤكدة في الوقت نفسه أنها لا تفقد هدوءها بسهولة، مضيفة: «في مثل هذه الأوقات أبقى عادة هادئة.. ليس لأنني أحب الأزمات، ولكنني أستمتع بالفارق بين التوتر والخوف والقلق، وبين قدرتك على استدعاء قوتك الداخلية ومواردك وأنفاسك، لإعادة بعض الهدوء إلى المشهد».








