ثَمَّة تفسيرٌ مغرٍ للأحداث الاستثنائية التى شهدتها كاراكاس مؤخراً، وهو العودة إلى مفهوم مناطق النفوذ، بدلاً من النظام الدولى القائم على القواعد. تتمتّع الولايات المتحدة بنفوذها الخاص فى الأمريكتين (بموجب ما يُعرف الآن بمبدأ مونرو). ويمكن اعتبار الخطوة الاستثنائية المتمثّلة فى اختطاف رئيس دولة يزيد عدد سكانها على 30 مليون نسمة إشارةً إلى أن واشنطن ستركّز على نطاق نفوذها، تاركةً روسيا والصين، القوتين الأخريين فى الوقت الراهن، منشغلتين بشئونهما الخاصة، لا سيما فى أوكرانيا وتايوان.
سيكون هذا عودةً إلى التكتلات والدبلوماسية التى سادت فى القرن التاسع عشر، تماماً كما تُعيد الحمائية المتجددة إحياء نسخة فيكتورية من التجارة والرأسمالية. يتوافق هذا تماماً مع الرؤية الكابوسية لنظام ما بعد الحرب التى طرحها جورج أورويل فى روايته «1984»، حيث تخيّل عالماً منقسماً بين أوقيانوسيا وأوراسيا وشرق آسيا، كتل ضخمة تتمركز حول الولايات المتحدة وروسيا والصين. هناك منطقٌ مريح فى هذا، وأدبياتٌ غزيرة تفسّر كيف يمكننا جميعاً البقاء فى عالمٍ مُقسَّم إلى قوى.
أما بالنسبة لمن لا يحبّذون إدارة ترامب، فقد يجدون بعض العزاء فى تشبيهها بنمط العصابات. قد لا يكون هذا ميثاق الأمم المتحدة أو الماغنا كارتا، لكن هناك قواعد تحكم التعامل، فعالمٌ مُقسَّم بين عائلات المافيا سيكون، على الأقل، مستقراً ومسالماً فى معظمه. لنتخيّل فقط النظام السائد فى المشهد الافتتاحى لفيلم «العرّاب»، عندما كان فيتو كورليونى يدير الأمور كديكتاتور مستبد يوزّع الغنائم على العائلات الأخرى، وعلى الشرطة.
لا يمكن استبعاد المخاطرة تماماً. عندما تفشل هذه النماذج، قد تؤدّى إلى كوارث شبيهة بالمشاهد الأخيرة من فيلم «العرّاب»، أو إلى التفكك بين الكتل الذى أشعل فتيل الحرب العالمية الأولى. وهناك عيوب أخرى لا تصل إلى حدّ الصراع العسكري.
تطرح آن أبلباوم رؤيةً لعالمٍ ثلاثيٍّ مُقسَّم، بحيث تكون «أمريكا مجرد قوة إقليمية متسلّطة» تُغلق أمامها الأسواق الأوروبية والآسيوية فى نهاية المطاف، بينما «عاجلاً أم آجلاً، سيتنظّم نصف الكرة الغربى ضدّنا ويقاوم».
على أى حال، إن اختطاف نيكولاس مادورو فى أكبر عملية عسكرية فى الأمريكتين منذ عقود لا يتناسب تماماً مع أى نظامٍ مستقر، حتى لو كان مُقسَّماً. وبدلاً من أن يُفهم منه أن روسيا والصين حرّتان فى العمل ضمن مناطق نفوذهما، يمكن اعتباره تحدّياً ترامبياً لهما. ومن منظورٍ مهم، لم تختفِ مناطق النفوذ أبداً.
مناطق النفوذ
انتشر هذا المصطلح خلال اندفاع القوى الأوروبية للاستيلاء على المستعمرات وبنائها فى أواخر القرن التاسع عشر. قبل محاولات بناء نظامٍ عالمي، كانت الفكرة هى إيجاد سبيلٍ للتعايش، حيث توفّر المستعمرات الدعم الاقتصادى لسادتها الإمبرياليين.
كان مبدأ مونرو الأصلي، الذى أُعلن مع ازدياد قوة الاستعمار فى أوائل القرن التاسع عشر، محاولةً للدفاع عن منطقة نفوذٍ مماثلة. لكن حتى بعد إنهاء الاستعمار والنظام القائم على القواعد فى فترة ما بعد الحرب، يبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كان هذا المفهوم قد اختفى.
فى مقالٍ نُشر عام 2020، وصف جراهام أليسون من جامعة هارفرد القرارات التى أعقبت سقوط جدار برلين عام 1989 على النحو التالي:
توقّف صانعو السياسة الأمريكيون عن الاعتراف بمناطق النفوذ ـ أى قدرة القوى الأخرى على فرض الخضوع على دولٍ أخرى فى مناطقها أو ممارسة سيطرةٍ مهيمنة عليها ـ ليس لأن المفهوم قد عفا عليه الزمن. بل أصبح العالم بأسره، بحكم الأمر الواقع، مجالاً أمريكياً.
فقد حلّت منطقة نفوذٍ واحدة محلّ مناطق النفوذ التقليدية. وما يزال الأقوياء يفرضون إرادتهم على الضعفاء. لم تختفِ مناطق النفوذ، بل اندمجت فى منطقةٍ واحدة بفعل الهيمنة الأمريكية الساحقة.
من هذا المنظور، شهدت السنوات الست والثلاثون الماضية انكماشاً مستمراً لتلك المنطقة الشاسعة التى كانت تتمتّع بنفوذٍ أمريكي. ويعود ذلك جزئياً إلى الوضع الاقتصادي، فقد نمت دولٌ أخرى، انطلاقاً من قاعدةٍ أدنى، بوتيرةٍ أسرع بكثير. لقد ولّى عهد الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي.
كما أسهمت الحوادث العسكرية فى تقليص النفوذ الأمريكي. فقد قلّص الاحتلال الأمريكى الكارثى للعراق حجمه، وخفّض من طموح الولايات المتحدة فى إدارة العالم، فى حين أظهر تقاعس إدارة أوباما عن اتخاذ إجراءاتٍ حاسمة عندما تجاوزت سوريا «خطها الأحمر» باستخدام الغازات السامة ضعفاً واضحاً. ولم يُعارض أحدٌ ضمَّ روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 (باستثناء استبعادها من مجموعة الدول الثماني).
مكانة الولايات المتحدة فى تراجع
بتفسيرٍ واسع، أسهمت الأمم المتحدة وبقية الأجهزة القائمة على القواعد، فى وقتٍ من الأوقات، فى ترسيخ نفوذ الولايات المتحدة عالمياً. ويعود تراجع هذا النفوذ اليوم إلى تراجع هذا النظام وتراجع مكانة الولايات المتحدة التى كانت محوره.
علاوةً على ذلك، ليس واضحاً على الإطلاق أن عملية اختطاف مادورو، رغم طابعها النفعى الواضح، تهدف إلى توطيد منطقة نفوذٍ أصغر حجماً لكنها ما تزال واسعة. فلكلٍّ من الصين وروسيا مصالح فى البلاد.
لا يبدو أن البيت الأبيض قد تخلّى عن طموحاته العالمية. يشير إيان بريمر، مؤسّس مجموعة أوراسيا للاستشارات فى مجال المخاطر الجيوسياسية، إلى تعميق الانخراط الأمريكى فى الشرق الأوسط خلال العام الماضي، قائلاً: لا ينطبق مفهوم «مناطق النفوذ». فترامب لا يقسم العالم مع القوى المتنافسة، كلٌّ منها ملتزمة بدورها. وقد أرسلت واشنطن للتوّ إلى تايوان أكبر شحنة أسلحة فى تاريخها، كما أن موقف الإدارة الأمريكية فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ لا يُظهر رغبةً فى التنازل عن آسيا للصين.
نوايا ترامب
يتّضح هذا جلياً عند قراءة استراتيجية الأمن القومى المكوّنة من 30 صفحة، والتى نشرتها الإدارة الشهر الماضي. حظيت هذه الاستراتيجية بأكبر قدرٍ من الاهتمام بسبب موقفها السلبى الصارخ، بل والمُحتقِر، تجاه دول أوروبا الغربية، واستخدامها لخطاب الحرب الثقافية.
اعتبرت الاستراتيجية أن استعادة «الثقة الحضارية والهوية الغربية» لأوروبا بعد الهجرة الجماعية مصلحةً أساسيةً فى السياسة الخارجية الأمريكية. ويبدو أن أولويتها القصوى، المتمثّلة فى ضمان استقرار نصف الكرة الغربى بما يكفى «لمنع الهجرة الجماعية إلى الولايات المتحدة وردعها»، ذات طابعٍ محليٍّ ضيّق الأفق.
لكن فى حين يشير هذا إلى تحوّلٍ كبير فى الأولويات الثقافية، لا يوجد أى مؤشر على رغبةٍ فى ترك روسيا، أو الصين تحديداً، وشأنها فى مناطق نفوذها. بل على العكس، فقد جاء فيها أنه يتوجّب على الولايات المتحدة «منع الهيمنة العالمية، وفى بعض الحالات حتى الإقليمية، على الآخرين».
وبينما تدعو الوثيقة إلى «إعادة تنظيم» القوات العسكرية العالمية لمواجهة «التهديدات الملحّة فى نصفنا من الكرة الأرضية»، فإنها تؤكّد أيضاً أن منطقة المحيطين الهندى والهادئ «ستظل من بين أهم ساحات المعارك الاقتصادية والجيوسياسية فى القرن المقبل… يجب علينا المنافسة بنجاح هناك». وتلتزم الولايات المتحدة «بتركيزٍ قويٍّ ومستمر على الردع لمنع الحرب فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ»، وضمان «عدم خضوع الاقتصادات الحليفة لأى قوةٍ منافسة».
تُخصّص الوثيقة صفحتين لضرورة رفض أى محاولةٍ للاستيلاء على تايوان، ومنع «إمكانية سيطرة أى منافس على بحر الصين الجنوبي».
يُعدّ اختراق الدفاعات الجوية لكاراكاس والقبض على مادورو فى غارةٍ للقوات الخاصة بعد حشدٍ عسكريٍّ معقّد بمثابة رسالةٍ إلى الصين وروسيا، لا تشير إلى منحهما تفويضاً مطلقاً فى مناطق نفوذهما.
تقول تينا فوردام من مؤسسة فوردام جلوبال فورسايت: «الجيوسياسة تدور حول استعراض القوة»، وتضيف أن رسالة ترامب هي: «لدينا تفوّق عسكري، وبإمكاننا تنفيذ هذه العملية. جرّبوا ذلك».
تُشكّل العملية الناجحة بشكلٍ باهر فى فنزويلا تناقضاً صارخاً مع فشل روسيا المستمر بعد أربع سنوات فى إزاحة فولوديمير زيلينسكى من أوكرانيا. والآن، كما تقول فوردام، «وجّه ترامب ضربةً قاضيةً لبوتين، وللصين أيضاً. لقد مُنى الكرملين بخسارةٍ فادحة».
نظراً للدعم العسكرى الروسى المقدَّم لفنزويلا، يُعدّ نجاح العملية الأمريكية محرجاً جداً. قال ستيفن بايفر من معهد بروكينغز: «كما هو الحال فى إيران، لم تُسهم المعدات العسكرية الروسية فى عرقلة الهجوم الأمريكي. هذه الإخفاقات لا تشجّع على بيع الأسلحة الروسية مستقبلاً».
بالنسبة للصين، لا يمكن اعتبار اختطاف مادورو بمثابة صفقة تبادل بشأن تايوان. يقول ريتشارد سي. بوش من معهد بروكينغز: «لا تحتاج الصين إلى سيطرة ترامب على فنزويلا لتبرير حملةٍ عسكرية ضدّ تايوان». فى الواقع، تعتبر القيادة الصينية الجزيرة شأناً داخلياً.
علاوةً على ذلك، قد يُشكّل الحادث رادعاً من بعض النواحي، لكنه لن يوقف العلاقات التجارية الصينية مع أمريكا اللاتينية. يقول إريك أولاندر من مشروع الصين–الجنوب العالمي: «لن يختفى نصف تريليون دولار من التجارة مع الصين»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لم تُتح سوى فرصٍ محدودة لممارسة نفوذٍ كبير فى المنطقة. لا أحد يعتقد أنهم سيشنّون غزواً عسكرياً على البرازيل لإيقاف مصنع شركة «بى واى دي» هناك.
تُغيّر هذه الخطوة الوضع الدولى الراهن نظراً لنجاحها وجرأتها البالغة. تبدو القوة العسكرية الأمريكية أقوى من جديد، بينما مُنيت روسيا بالهزيمة. كما تُظهر بوضوح التراجع المستمر عن النظام الدولى القائم على القواعد.
وكما أشار مقدّمو البرامج الساخرة، فإن حرص ترامب على السيطرة على النفط الفنزويلى يبدو وكأنه صفقةٌ تجارية بحتة. الخلاصة هى أن على الجميع الدفاع عن أنفسهم.
انظروا فقط إلى الأسواق. بالكاد تحرّكت العملات، وحتى أسعار النفط، منذ أحداث كاراكاس، لكن مخزونات الأسلحة العالمية ارتفعت بنسبة 7%. وفى أوروبا، التى تبدو الآن وحيدة، ارتفعت أسهم شركات تصنيع الدفاع بنسبة 13%.
ثَمَّة طمأنينة بقدرٍ ما من أنه لا يوجد تقسيمٌ عالميٌّ انتهازيٌّ قائم فعلاً. لكن ما يحدث يجعل العالم مكاناً أخطر وأقلّ قابليةً للتنبؤ.








