في الساعة الثانية من فجر السبت 28 فبراير 2026، نفّذت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً جوياً وصاروخياً واسع النطاق استهدف العمق الإيراني، في عملية جاءت إثر انهيار مفاوضات جنيف النووية وإصرار واشنطن على تفكيك شامل لمنشآت التخصيب.
في المقابل، ردّت طهران بهجوم مضاد بالصواريخ والمسيّرات، وأعلن مسئولون إيرانيون أن كل أصول ومصالح أمريكا في الشرق الأوسط باتت هدفاً مشروعاً.
لم يعد الأمر توترات تحتمل المراقبة. الحرب المفتوحة بدأت، والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغل صانع القرار المصري الآن ليس “هل ستتأثر مصر؟” بل “كيف نحدّ من حجم الضرر؟”.
هرمز: الخطر الأكبر الذي لا يُذكر بما يكفي
المفاجأة التي يتجاهلها كثيرون: مصر لا تمر تجارتها الخليجية عبر مضيق هرمز مباشرةً — فحركة البضائع تسير عبر خط الرورو البحري بين سفاجا والسعودية. لكن هذا لا يعني أن مصر بمنأى عن الخطر. مضيق هرمز يُمثّل “العنق الرئيسي للعالم”، إذ تمر عبره يومياً نحو 45 مليون برميل نفط تمثل 86% من صادرات نفط الشرق الأوسط. وقناة السويس تدرّ إيرادات سنوية تصل إلى 9.4 مليار دولار، وتمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية بما فيها النفط القادم من الخليج.
المعادلة هنا مركّبة. إغلاق مضيق هرمز قد يدفع بعض السفن إلى استخدام قناة السويس كممر بديل مؤقتاً — إلا أن تطوّر التصعيد العسكري في البحر الأحمر سيحول دون الاستفادة من هذا التحوّل، بل قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع إيرادات القناة. مصر إذن تقف في وضع المُعرَّض للأسوأ في السيناريوهين معاً.
فاتورة الطاقة: الثمن المباشر
مصر تستورد نحو 60% من احتياجاتها النفطية والغازية، وأي إغلاق لمضيق هرمز سيرفع تكاليف الوقود والكهرباء، مما سيزيد من ضغوط التضخم. وإذا أخذنا في الحسبان أن التضخم بلغ 11.9% حتى الآن، فإن أي صدمة في أسعار الطاقة ستُرسّخه فوق الـ15% وتُعيد للمواطن المصري ذاكرة الموجة التضخمية الصعبة التي لم تبرد بعد.
لكن ثمة وجه آخر للعملة. تحويلات المصريين العاملين في دول الخليج، البالغة 41.5 مليار دولار عام 2025، قد تتضرر إذا تراجعت اقتصادات الخليج جراء الحرب — وهي المرجّح الأقوى في حال اتساع رقعة الصراع. العمالة المصرية في الخليج ليست في مأمن من موجة تسريح يفرضها التقشف الخليجي.
الاحتياطي و”الوقت الثمين”
الاحتياطي النقدي البالغ 52.59 مليار دولار يمثّل الدرع الأول. لكن درع الحماية يُستهلَك بسرعة في أزمات مفتوحة المدة. الدين الخارجي البالغ 163.7 مليار دولار يعني أن أي اضطراب في تدفقات النقد الأجنبي سيُعقّد خدمة الدين، وقد يُضطر البنك المركزي إلى رفع الفائدة في أسوأ توقيت ممكن لدعم الجنيه في مواجهة موجات المضاربة.
الأخطر من ذلك إسرائيل تستعد لشن ضربات على إيران لعدة أيام، وربما أكثر. هذا يعني أن الأسواق ستتعامل مع هذه الأزمة باعتبارها صراعاً ممتداً لا ضربة واحدة، وهو ما ينعكس مباشرةً على معدلات التأمين البحري ومسارات السفن وسلوك المستثمرين.
الموقف المصري: الصمت مكلف
مصر لم تُعلن موقفاً حتى الآن، وهذا مفهوم دبلوماسياً. لكن اقتصادياً، الصمت مكلف. المستثمرون يفسّرون الغموض على أنه خطر، وهذا يدفع نحو خروج رؤوس الأموال قصيرة الأجل قبل أن تتضح الصورة، القاهرة بحاجة إلى رسالة اقتصادية واضحة تؤكد استمرار الإصلاحات واستقرار بيئة الاستثمار، بصرف النظر عما يجري.
خلاصة لا تحتمل الغموض
مصر تملك اليوم ما لم تملكه في أزمات سابقة. احتياطي قوي، وتحويلات قياسية، وعجز موازنة في مسار التحسّن، لكن ما يحدث الآن ليس توتراً إقليمياً عابراً، إنه تحوّل استراتيجي في المنطقة قد يمتد لأسابيع، بل لأشهر، الاستعداد للسيناريو الأسوأ — لا الاكتفاء بإدارة السيناريو المعتدل — هو الرهان الصحيح الآن.
مصر لن تكون ساحة حرب، لكنها ستدفع فاتورتها. الفارق كله في حجم هذه الفاتورة، وذلك يحدده قرارات الأيام القادمة لا التصريحات.








