في خضم الجدل الذي أثارته تصريحات المصرفي البارز هشام عز العرب حول مخاطر شركات التمويل الاستهلاكي، غابت عن المشهد الإعلامي حقائق جوهرية تستحق الوقوف عندها بموضوعية، لا سيما أن الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهات الرقابية المختصة تُقدّم صورة مغايرة تماماً لما تداولته وسائل الإعلام.
أولاً: المبالغة في تضخيم الحجم
تناقلت وسائل الإعلام رقم 2,532 كيانًا باعتباره عدد شركات التمويل الاستهلاكي، في حين أن هذا الرقم يعكس إجمالي الجهات الخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية بمختلف أنشطتها، من تأمين وتمويل عقاري وتأجير تمويلي وغيرها. أما شركات التمويل الاستهلاكي تحديداً، فلا يتجاوز عددها 48 رخصة.
ثانياً: مقارنة الأحجام
بلغ إجمالي محافظ التمويل الاستهلاكي غير المصرفي نحو 96 مليار جنيه بنهاية عام 2025، وهو رقم يبدو ضخماً بمعزل عن السياق. غير أن المقارنة بالقطاع المصرفي تكشف حجمه الحقيقي؛ إذ تبلغ محفظة بطاقات الائتمان لبنك CIB وحده 18 مليار جنيه، فيما يصل إجمالي محافظ بطاقات الائتمان لجميع البنوك إلى 28 مليار جنيه. والقطاع المصرفي بطبيعة عمله يُموّل الاستهلاك بأحجام أكبر بكثير، وهو دور لا غبار عليه.
ثالثاً: جودة المحافظ الائتمانية
أفصحت الهيئة العامة للرقابة المالية رسمياً عن أن نسبة التعثر في محافظ التمويل غير المصرفي لا تتجاوز 3%، وهو معدل يُعدّ مقبولاً قياساً بمعدلات التعثر السائدة في القطاع المصرفي. فضلاً عن ذلك، تعمل جميع شركات التمويل الاستهلاكي ضمن منظومة نظام iScore للمعلومات الائتمانية، مما يعني أن المخاطر خاضعة للرصد والمتابعة المنهجية. وإن وُجدت مخالفات في بعض الجهات، فإن المعالجة الصحيحة تكمن في ضبطها ومعالجتها، لا في تضخيم المشهد برمته.
والأجدر بالملاحظة في هذا السياق أن مؤسسات القطاع المصرفي ذاتها أقبلت على الاكتتاب في سندات التوريق الصادرة عن محافظ شركات التمويل الاستهلاكي، وهو ما يعكس ثقتها في الجدارة الائتمانية لهذه المحافظ.
رابعاً: دور الرقابة المالية في تعزيز الادخار
في المقابل، أسهمت الهيئة العامة للرقابة المالية في تطوير منظومة متكاملة من أدوات الادخار والاستثمار، شملت صناديق الذهب والفضة، والصناديق العقارية، وصناديق المؤشرات، وآليات الاستثمار عبر منصات رقمية كـ Thndr، إلى جانب إتاحة أدوات استثمارية مبتكرة كصناديق الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة SPAC.
وقد انعكس ذلك على أرقام ملموسة؛ إذ بلغت أصول صناديق الاستثمار 410 مليارات جنيه، فيما وصلت أصول صناديق التأمين الخاصة والمعاشات إلى 201 مليار جنيه، ليتجاوز المجموع الإجمالي لهذه القنوات الادخارية 611 مليار جنيه، أي ما يزيد على ستة أضعاف حجم محافظ التمويل الاستهلاكي كلها.
خامساً: التكامل لا التنافس
يتشارك القطاعان المصرفي وغير المصرفي في هدف جوهري واحد: تعزيز استقرار الأسواق، وحماية حقوق المتعاملين، وتمويل مسيرة التنمية. وإن كان القطاع غير المصرفي قد تميّز بالابتكار في تطوير أدوات ادخارية واستثمارية متجددة، فإن القطاع المصرفي يمتلك من الانضباط المؤسسي ما يؤهله للإسهام في هذا المسار. والتحدي الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين القطاعين، بل في تعزيز التكامل بينهما لصالح تنافسية الاقتصاد المصري وجاذبيته الاستثمارية.
وفي النهاية لدي تساؤل مشروع
ليبقى السؤال الجدير بالطرح: لماذا يُسوَّق هذا الجدل على الملأ بهذه الصورة؟ ولماذا يُصوَّر المشهد على أنه خلاف بين كيانات داخل المنظومة المالية للدولة؟ وإلى أي حد يُفسح ذلك المجال لتوظيفات لا تخدم مصلحة الاقتصاد الوطني؟
الأرقام واضحة لمن يريد أن يرى.








