قال هشام لطفي، مدير خدمات تسعير المعاملات بمكتب ديلويت الشرق الأوسط، إن التحدي الأكبر في ملف تسعير المعاملات لا يكمن في إعداد السياسات أو الملفات، بقدر ما يتمثل في التطبيق الفعلي داخل الأنظمة المحاسبية والتقارير الداخلية، مشددًا على أن تسعير المعاملات لا يجب إدارته خارج الحسابات الرسمية، وإنما دمجه بالكامل في النظم المالية.

وأشار لطفي إلى أهمية ربط عائد الكيانات المحلية بالقيمة الحقيقية التي تضيفها داخل المجموعة، مع ضرورة تعزيز التعاون بين الإدارات المختلفة، والاستثمار المبكر في التطبيق التشغيلي لتسعير المعاملات، إلى جانب المتابعة المستمرة للتطورات الضريبية العالمية، وعلى رأسها الركيزة الثانية.
وأوضح أن العام الحالي سيشهد ثلاثة تغييرات محورية في ملف تسعير المعاملات ستفرض نفسها بقوة، حيث يتمثل التغيير الأول في أن تسعير المعاملات لم يعد مسألة امتثال شكلي أو ملفًا هامشيًا، بل أصبح قضية ضريبية أساسية ومتطلبًا جوهريًا من متطلبات الامتثال الضريبي، لا يمكن التعامل معه باعتباره عنصرًا لاحقًا على تقديم الإقرار الضريبي، وإنما يجب أن يكون جزءًا متكاملًا من المنظومة منذ البداية.
وأضاف لطفي أن تسعير المعاملات بات قضية حوكمة بامتياز، موضحًا أن المشكلات الحالية لا تنشأ غالبًا من غموض التشريعات أو نقص الإرشادات، في ظل وضوح القواعد وارتفاع كفاءة وقدرات الفحص لدى مصلحة الضرائب، وإنما تعود في الأساس إلى ضعف الحوكمة داخل الشركات نفسها.
وأكد أن تسعير المعاملات مجال متعدد التخصصات، يتطلب تنسيقًا كاملًا بين إدارات الضرائب والعمليات والمالية، لضمان وجود سياسة واضحة ومطبقة بشكل سليم.
وأشار إلى أن التغيير الثاني يتمثل في تطور أسلوب الفحص الضريبي، حيث لم يعد فحص تسعير المعاملات فحصًا شكليًا يكتفي بتوافر المستندات لتجنب الغرامات، بل أصبح فحصًا معمقًا يركز على كيفية تطبيق السياسات فعليًا على مستوى المجموعة ككل، وليس الكيان المحلي .
وأوضح أن السلطات الضريبية تطلب حاليًا بيانات تفصيلية، مثل قوائم الأرباح والخسائر حسب الأنشطة، للتحقق من تطبيق السياسات وفق مبدأ السعر المحايد (Arm’s Length).
وأكد أن هذا التطور لا يقتصر على مصر، بل يمتد إلى دول أخرى في المنطقة مثل الأردن، حيث ارتفع مستوى التحليل وتأهيل فرق الفحص، ما يجعل الاستعداد المسبق ضرورة حتمية.
وحول التغيير الثالث، شدد لطفي على أن الانتقال من مجرد إعداد مستندات إلى مفهوم “القابلية للدفاع” (Defensibility) أصبح أمرًا أساسيًا، موضحًا أن مستندات تسعير المعاملات لم تعد مجرد أوراق للحماية، بل باتت جزءًا من قصة متكاملة تعكس سلسلة القيمة داخل المجموعة، وموقع كل كيان فيها، ومدى توافق ربحيته مع القيمة التي يضيفها فعليًا.
وفي ضوء تطبيق الركيزة الثانية (Pillar Two)، أشار لطفي إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولات جوهرية في طريقة تعامل الشركات والإدارات الضريبية مع هذا الملف.
وقال إنه حرص على أن يُبنى العرض التقديمي الخاص به على الأسئلة والنقاشات المتكررة مع العملاء والزملاء، بهدف تقديم محتوى عملي يضيف قيمة حقيقية، خاصة في ظل ضيق الوقت، من خلال تحديث مركز وسريع حول ملامح المرحلة المقبلة.
وتناول لطفي تسعير المعاملات بوصفه مصدرًا لمخاطر تشغيلية، موضحًا أن تركيز السلطات الضريبية بات منصبًا على الجوهر والنتائج والقيمة المضافة، وليس الشكل.
وأكد أن الأسئلة الأساسية أصبحت: هل المعاملة حقيقية؟ هل لها مضمون اقتصادي؟ وهل قدّم كل طرف قيمة فعلية وحصل عليها؟ محذرًا من وجود أي فجوة بين الواقع العملي والعقود المبرمة، لما يسببه ذلك من مشكلات جوهرية أثناء الفحص.
وأشار إلى أن لتسعير المعاملات تأثيرًا مباشرًا وقويًا على التكلفة الضريبية وملف المخاطر، حيث إن أي تسوية في هذا الملف قد تؤدي إلى تعديل جوهري في النتائج، وليس مجرد تعديل سعري أو نقدي، ما يجعله تكلفة محتملة كبيرة على الشركات متعددة الجنسيات.
وفيما يخص رفع حد الإعفاء من إعداد مستندات تسعير المعاملات في مصر من 15 إلى 30 مليون جنيه، أوضح لطفي أن هذا التطور لا يعني تراجع اهتمام مصلحة الضرائب بالفحص، بل يعكس تركيزًا أكبر على الملفات الأعلى قيمة والأكثر خطورة، متوقعًا خضوعها لمستوى أعلى من التدقيق.
وأكد أن حد الإعفاء لا يمثل ضوءًا أخضر لتجاهل المخاطر، التي تظل قائمة سواء فوق هذا الحد أو تحته.
كما استعرض لطفي تطور مشهد فحص تسعير المعاملات، مشيرًا إلى أهمية مواءمة المقارنات العالمية مع السياق المحلي، وضرورة توافق دراسات المقارنة المركزية مع متطلبات مصلحة الضرائب المصرية، وإلا قد يتم استبعادها بالكامل وإعداد دراسة بديلة من جانب المصلحة.
وشدد على أهمية تطابق السلوك الفعلي مع الشكل التعاقدي، محذرًا من الاعتماد على عقود نمطية لا تعكس حقيقة النشاط، ومؤكدًا أن وضوح نطاق الخدمة وطبيعتها وقيمتها يمثل الأساس لبناء موقف دفاعي قوي، إلى جانب التوثيق السليم والمتزامن مع تنفيذ المعاملات لتجنب تسويات مؤلمة في نهاية العام.
وحول العلاقة بين تسعير المعاملات والركيزة الثانية، أوضح لطفي أن هناك ترابطًا وثيقًا بينهما، باعتبار أن تسعير المعاملات جزء لا يتجزأ من حسابات الحد الأدنى للضريبة، نظرًا لتأثيره المباشر على الأرباح والمؤشرات المالية.
وحذر من استخدام تسعير المعاملات بشكل مصطنع للتلاعب بالنتائج بما يتوافق مع نسبة الـ15%، مؤكدًا أن مثل هذه الممارسات ستخضع لتدقيق صارم.








