يعكس الاتفاق التجاري الأخير بين الولايات المتحدة وتايوان، الذي يستهدف توسيع قدرات إنتاج الرقائق داخل الأراضي الأمريكية، تحركاً استراتيجياً مهماً، لكنه لا يُنهي في المدى القريب اعتماد واشنطن على أشباه الموصلات التايوانية الأكثر تقدماً، وفق تقديرات محللين.
وهذا يعني أن ما يُعرف بـ”الدرع السيليكوني” الذي تتمتع به الجزيرة سيظل قائماً إلى حد كبير خلال السنوات المقبلة.
تُعد تايوان لاعباً محورياً في صناعة أشباه الموصلات العالمية، إذ تنتج النسبة الأكبر من الرقائق المتقدمة عبر شركة “تايوان سيميكوندوكتور مانوفاكتشورينج”، بينما يُقدر أن ما يقرب من ثلث الطلب العالمي على قدرات الحوسبة الجديدة يُصنع داخل الجزيرة.
هذا الثقل الصناعي جعل من حماية وضع تايوان القائم وردع أي تحرك صيني محتمل أولوية استراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها، في إطار مفهوم “الدرع السيليكوني”، في ظل إصرار بكين على اعتبار الجزيرة جزءاً من أراضيها.
بموجب الاتفاق، تعهدت الحكومة التايوانية بتوفير ضمانات ائتمانية بقيمة 250 مليار دولار لدعم توسع شركات الرقائق والتكنولوجيا التابعة لها في الولايات المتحدة، مع منحها حصصاً أكبر لتصدير الرقائق إلى السوق الأمريكية دون رسوم.
في المقابل، ستخفض واشنطن الرسوم الجمركية على معظم الواردات من تايوان إلى 15%، مع إعفاء الأدوية الجنيسة ومكوناتها، وأجزاء الطائرات، وبعض الموارد الطبيعية، بحسب ما ذكرته شبكة “سي إن بي سي” الإخبارية الأمريكية.
تسعى الولايات المتحدة، بحسب تصريحات رسمية، إلى نقل 40% من سلسلة إمداد أشباه الموصلات التايوانية إلى أراضيها.
لكن خبراء يرون أن هذا الهدف يواجه عقبات كبيرة، أبرزها تمسك تايوان بالإبقاء على تقنياتها الأكثر تقدماً داخل البلاد.
وتشير تقديرات متخصصة إلى أن القدرات المتقدمة الأهم ستظل متركزة في تايوان حتى نهاية العقد الحالي.
تفرض تايبيه قيوداً صارمة على مصانعها الخارجية، تمنع تشغيل تقنيات تقل بجيلين عن أحدث ما يتم تطويره محلياً.
وبينما تنتج تايوان حالياً رقائق بتقنية 2 نانومتر، لا يزال الإنتاج الأمريكي عند مستوى 4 نانومتر، مع خطط مستقبلية للتطوير بحلول 2030.
هذا الفارق الزمني يمنح الجزيرة أفضلية استراتيجية يصعب تعويضها سريعاً.
يؤكد خبراء أن نقل منظومة أشباه الموصلات ليس مهمة فورية، نظراً لتعقيد سلاسل الإمداد، وندرة الكفاءات الهندسية، وارتفاع تكاليف الإنتاج في الولايات المتحدة، وهي عوامل تسببت بالفعل في تأخير تشغيل مصانع جديدة، كما أن الاتفاق لا يعالج هذه التحديات بشكل جذري.
في المقابل، تواصل تايوان التأكيد على ضرورة حماية أبحاثها وتطويرها محلياً لتفادي إضعاف قاعدتها الصناعية.
ورغم تعهدات استثمارية ضخمة داخل الولايات المتحدة، يرى محللون أن الدرع السيليكوني قد يتعرض لضغوط تدريجية، لكنه سيبقى قائماً في الأجل القريب، مع بقاء مستقبل هذا التوازن مرهوناً بالسياسات الأمريكية اللاحقة وتطور المشهد الجيوسياسي في شرق آسيا.








