دخل ملف حماية البيانات الشخصية في مصر مرحلة جديدة مع بدء التطبيق العملي لأحكام قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، وذلك عقب صدور اللائحة التنفيذية بقرار وزاري خلال عام 2025، وهو التطور الذي أنهى سنوات من الترقب داخل مجتمع الأعمال، وفتح الباب أمام تفعيل منظومة رقابية وتنظيمية متكاملة تحكم كيفية جمع البيانات الشخصية ومعالجتها وتداولها داخل السوق المصرية، بحسب تقرير صادر عن مؤسسة بيكر آند ماكينزى فى يناير الجاري.
أضافت المؤسسة فى تقرير حصلت “البورصة” على نسخة منه، أن صدور اللائحة التنفيذية يمثل نقطة التحول الأهم في مسار القانون، بعدما انتقل من كونه إطارًا تشريعيًا عامًا إلى منظومة تنفيذية ملزمة تفرض على الشركات التزامات واضحة وقابلة للرقابة، خاصة الكيانات العاملة في القطاعات كثيفة الاعتماد على البيانات، وعلى رأسها التكنولوجيا والخدمات المالية والتجارة الإلكترونية.
أوضح التقرير أن الإطار التنظيمي الجديد يعكس توجهًا متصاعدًا لدى الدولة لإرساء قواعد حوكمة البيانات الشخصية، بما يتماشى مع المعايير الدولية، ويعزز من ثقة المستثمرين والعملاء في بيئة الأعمال الرقمية، في وقت باتت فيه البيانات أحد أهم الأصول الاقتصادية وأكثرها حساسية.
وأشارت “بيكر آند ماكينزي”، إلى أن اللائحة التنفيذية ترجمت أحكام القانون إلى التزامات تفصيلية، وحددت بدقة ضوابط جمع البيانات الشخصية واستخدامها، وقواعد معالجتها وتخزينها، فضلًا عن الشروط المنظمة لنقل البيانات داخل مصر أو خارجها، وآليات الحصول على التراخيص والموافقات اللازمة من الجهة المختصة.
ومع دخول اللائحة التنفيذية حيز التطبيق، أصبحت الشركات العاملة في السوق المصرية مطالبة باتخاذ خطوات عملية لضمان الامتثال، حيث لم يعد الالتزام بقواعد حماية البيانات مسألة اختيارية أو مؤجلة.
وأكد التقرير أن الشركات مطالبة بتحديد الأساس القانوني لمعالجة البيانات الشخصية، سواء من خلال الحصول على موافقة صريحة من أصحاب البيانات أو بالاستناد إلى مبررات قانونية معترف بها، إلى جانب وضع سياسات داخلية واضحة لحوكمة البيانات والخصوصية، وتطبيق تدابير تنظيمية وتقنية لحماية البيانات من إساءة الاستخدام أو الاختراق.
وأوضح التقرير أن نطاق تطبيق القانون لا يقتصر على الشركات المحلية فقط، بل يمتد إلى الشركات الأجنبية التي تمارس نشاطًا داخل مصر أو تتعامل مع بيانات شخصية تخص مواطنين مصريين، وهو ما يفرض على الكيانات متعددة الجنسيات مراجعة نماذج أعمالها وتدفقات البيانات الخاصة بها لضمان التوافق مع المتطلبات التنظيمية الجديدة.
كما أكد الدور المتنامي لمركز حماية البيانات الشخصية، الذي أصبح حجر الزاوية في منظومة التنفيذ والرقابة، حيث يتمتع بصلاحيات واسعة تشمل الإشراف على التزام الشركات بأحكام القانون، وإصدار التراخيص والتصاريح المرتبطة بأنشطة معالجة البيانات، فضلًا عن تلقي الشكاوى والتحقيق في المخالفات وفرض الجزاءات الإدارية في حال ثبوت عدم الامتثال.
ويرى التقرير، أن تفعيل دور المركز يعكس تحولًا جوهريًا في تعامل الدولة مع ملف البيانات الشخصية، من كونه إطارًا تنظيميًا نظريًا إلى أداة رقابية فعالة، بما يعزز من جدية تطبيق القانون ويبعث برسالة واضحة للشركات بضرورة الالتزام الكامل بالقواعد الجديدة.
وتناول التقرير بشكل خاص ملف نقل البيانات الشخصية خارج مصر، باعتباره من أكثر الجوانب حساسية بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات. وأوضح أن اللائحة التنفيذية وضعت ضوابط دقيقة لنقل البيانات إلى الخارج، تتطلب في بعض الحالات الحصول على موافقات مسبقة من الجهات المختصة، والتأكد من توافر مستوى مناسب من الحماية في الدولة المنقول إليها البيانات.
وأشار إلى أن هذه الضوابط قد تدفع بعض الشركات إلى إعادة تقييم هياكلها التشغيلية وتدفقات البيانات العابرة للحدود، خاصة تلك التي تعتمد على مراكز بيانات أو نظم معالجة خارج السوق المصرية، وهو ما يفرض تحديات تنظيمية إضافية، لكنه في الوقت نفسه يعزز من مستوى حماية البيانات وحقوق أصحابها.
وحذر التقرير من أن عدم الامتثال لأحكام القانون ولائحته التنفيذية قد يعرّض الشركات لمخاطر قانونية وتنظيمية ملموسة، تشمل توقيع جزاءات إدارية، إلى جانب الأثر السلبي المحتمل على السمعة المؤسسية، في ظل تصاعد الاهتمام المجتمعي والمؤسسي بقضايا الخصوصية وحماية البيانات.
وأكد التقرير أن المرحلة الحالية تمثل بداية فعلية لتشديد الرقابة، مع انتقال الجهات المعنية من مرحلة التوعية والإرشاد إلى مرحلة الإنفاذ، وهو ما يتطلب من الشركات التحرك بسرعة لتقييم أوضاعها القانونية والتنظيمية، وسد أي فجوات في سياسات حماية البيانات المعمول بها.
وعلى مستوى بيئة الأعمال، يرى التقرير أن التطبيق الكامل لقانون حماية البيانات الشخصية سيكون له تأثير مباشر على عدد من القطاعات الحيوية، خاصة القطاعات التي تعتمد على جمع وتحليل البيانات في أنشطتها اليومية، حيث سيصبح الامتثال عنصرًا أساسيًا في استمرارية الأعمال، وليس مجرد التزام قانوني ثانوي.
وتطرقت “بيكر آند ماكينزي”، إلى أن مصر تدخل مرحلة جديدة من حوكمة البيانات الشخصية، تتسم بوضوح القواعد وتفعيل آليات الرقابة، وهو ما يفرض واقعًا جديدًا على الشركات العاملة في السوق. وأشار التقرير إلى أن الاستعداد المبكر والالتزام الاستباقي بالمتطلبات التنظيمية قد يمنح الشركات ميزة تنافسية حقيقية، في مقابل مخاطر متزايدة تواجه الكيانات التي تتباطأ في التعامل مع الإطار القانوني الجديد.








