ما نراه اليوم ليس مجرد ضجيج سياسي عابر، ولا مجرد أخبار تتصدر العناوين ثم تختفي. في العادة، التحولات الكبرى لا تعلن عن نفسها بوضوح… بل تتسلل عبر أحداث تبدو صغيرة، متفرقة، وأحيانًا بلا معنى. ثم نكتشف لاحقًا أن تلك “التفاصيل” كانت بداية سلسلة متصلة، صنعت مصير دول، وأسقطت نظم، وغيّرت شكل العالم.
كنا أمام إمبراطورية هيمنت على نصف العالم. زرعت قواعدها العسكرية من الشرق إلى الغرب، وأدارت الكوكب بمنطق “المركز والأطراف”، مستخدمة اقتصادها كسوط للتأديب وجزرة للاحتواء، حتى بات الانتماء لمعسكرها قدرًا لا خيارًا. الجميع يحتاج إليها… والجميع يخشاها… والجميع يعرف أن كلمة واحدة قد تُسقط حليفًا أو تُعيد ترتيب المشهد دون استئذان.
لكن القلاع الحصينة نادرًا ما تُهدم من الخارج. مع الوقت، تحول التحالف الصلب إلى عبء… وتحول التماسك إلى شكلٍ ظاهري يستند إلى الخوف أكثر مما يستند إلى قناعة. تآكلت المؤسسات بفعل الاستقطاب الحاد، وتراجع الإيمان بالحكمة القديمة التي كانت تضبط إيقاع الدولة من الداخل.
ثم تغيّرت طبيعة القوة نفسها. تحول الاقتصاد العالمي من ساحة للشراكة إلى ساحة حرب وعقوبات وضغوط، مما دفع الحلفاء قبل الخصوم إلى التشكيك في جدوى “المظلة” التي لم تعد آمنة كما كانت. وبدأ الأقربون يعيدون حساباتهم ببرود قاتل… لا لأنهم يكرهون المركز، بل لأنهم لم يعودوا يثقون في صلابته.
وفي الخلفية، كان هناك منافس صاعد يراكم القوة بهدوء وصبر، مستغلًا انشغال القوة العظمى باستنزاف ذاتها: اقتصادًا أكثر مرونة، صناعة أسرع، تأثيرًا يتسلل بلا ضجيج… حتى بات حضوره كافيًا لإرباك القواعد القديمة كلها.
ثم جاء العامل الحاسم: أزمة القيادة. شيخوخة سياسية في قمة الهرم… تلاها صعود زعيم “شعبوي” رفع شعار الإصلاح الجذري وإعادة الهيكلة، فاصطدم بالمؤسسات العميقة وهز أركان الدولة بدلًا من ترميمها. لم تكن المشكلة في الأشخاص وحدهم… بل في أن المنظومة كلها بدأت تعمل بطاقة أقل من حجمها الحقيقي، بينما الزمن يطلب منها أن تكون أكثر حسمًا واتساعًا مما كانت.
وهنا… بدأ الاتحاد يتحلل بالتسرب لا بالانفجار. تسربت الهيبة، وتلاشت الثقة، وبدأ العقد ينفرط بهدوء مرعب. لم يعد المركز قادرًا على فرض سطوته كما كان، ولم تعد الأطراف تنتظر الإشارة… بل بدأت تتحرك وحدها، كأنها تتدرب على لحظة ما بعد السقوط.
إنه الاتحاد السوفيتي… لا المشهد الأمريكي الحالي، رغم التطابق المخيف. ذلك الكيان الذي انهار وهو يبدو في أوج قوته العسكرية. لقد سقط الدب الروسي وهو يحمل ترسانة تُرعب العالم،
لا بضربة واحدة… بل بتسربٍ طويل: تسربت الهيبة، وتلاشت الثقة، وسبق الحلفاء خطوة قبل أن يدرك المركز ما يحدث.
ويبدو أن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا… لكنه يعيد إنتاج نفس المنطق.
فهل نحن أمام نسخة غربية من “البريسترويكا”…
تكتب النهاية ببطء، وبهدوء، وبلا إعلان رسمي؟
بقلم محمد مصطفى القاضي
عضو لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين







