استضاف حسين عبدربه، رئيس تحرير جريدة «البورصة» ورئيس مجلس الإدارة، فى ثانى حلقات «بودكاست البورصة»، وليد جمال الدين رئيس لجنة التصدير بجمعية رجال الأعمال المصريين، والرئيس السابق للمجلس التصديرى لمواد البناء والصناعات المعدنية.
وخلال الحوار، أكد جمال الدين أن التصدير يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد المصرى و«مسألة حياة أو موت»، موضحًا أن النمو الأخير فى الصادرات جاء مدعومًا بشكل رئيسى من انخفاض قيمة العملة، لاسيما فى الصناعات التي تعتمد على مستلزمات إنتاج محلية، بالإضافة إلى الدور الفعال للقطاع الخاص فى تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات.
13 مليار دولار صادرات مواد البناء فى 2025 ومستهدف 15 مليارًا بنهاية العام
وأشار إلى أن البيروقراطية وضعف آليات التنفيذ لاتزال تمثل العائق الأكبر أمام تحقيق طفرة تصديرية حقيقية، رغم دعم القيادة السياسية واستماعها لمطالب المصدرين.
كما تناول جمال الدين نجاح تجربة المجلس التصديرى لمواد البناء، التي أسفرت عن وصول الصادرات إلى نحو 13 مليار دولار خلال 2025، ومن المقرر أن تصل إجمالى صادرات القطاع إلى 15 مليار دولار بنهاية العام، بدعم من النمو التصديرى لقطاعات الحديد والصلب والأسمنت.
وأكد جمال الدين، جاهزية الشركات المصرية للمشاركة في مشروعات إعادة الإعمار بالمنطقة، خاصة في ليبيا وقطاع غزة، مشدداً على أهمية تفعيل منظومة تمويل وضمان الصادرات، وتسريع صرف المساندة التصديرية عبر التحول الرقمي، وتعظيم الاستفادة من السوق الأفريقية باعتبارها المستقبل الحقيقي للصادرات المصرية.
وإلى نص الحوار:
حسين عبدربه: يُرفع كثيراً شعار «التصدير حياة أو موت»، هل تتفق مع هذا الطرح؟
وليد جمال الدين: بالتأكيد، التصدير بالفعل “حياة أو موت”، لأنه يمثل ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد المصري وتعزيز قدرته على النمو المستدام، إذا كنا نسعى للتقدم اقتصاديا، فلا خلاف على أن التصدير يجب أن يكون أولوية قصوى.
حسين عبدربه: هل هو مجرد شعار أم توجد خطوات حقيقية لتطبيقه؟
وليد جمال الدين: هناك بالفعل محاولات حقيقية، لاسيما من جانب القطاع الخاص، صحيح أننا نردد هذا الشعار منذ فترة، لكن مجتمع المصدرين يبذل جهوداً كبيرة لتفعيله، غير أن التحدى الأساسى يتمثل فى أن المناخ العام ليس مهيئاً بالشكل الكافي، إذ تواجه العملية التصديرية معوقات متعددة، فى مقدمتها التعقيدات البيروقراطية، والقيود الإدارية، وتشابك القوانين واللوائح، وهو ما يزيد من صعوبة النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
«حديد عز» أكبر مصدر فى تاريخ مصر بصادرات 1.8 مليار دولار فى عام واحد
التصدير فى جوهره هو المحطة الأخيرة فى سلسلة الإنتاج، ولا يمكن الوصول إليه دون بناء قاعدة إنتاجية قوية، والبداية تكون من تأسيس الشركة أو المصنع أو أى وحدة إنتاجية، وخلال هذه الرحلة تواجه الشركات عقبات عديدة فى مختلف مراحل الإنتاج، وصولًا إلى مرحلة التصدير، من هنا يمكن القول إن الوعي بأهمية التصدير بات حاضرا لدى قطاعي الصناعة والزراعة، لكن الترجمة إلى واقع عملى مازالت تمثل مساراً بالغ الصعوبة.
حسين عبدربه: هل تكمن التحديات فى الجوانب التنظيمية أكثر من غيرها؟
وليد جمال الدين: نعم، هناك تحديات متعددة تشمل الجوانب التنظيمية والقانونية والاقتصادية واللوجستية على حد سواء، ورغم المزايا التنافسية التى تمتلكها مصر، سواء على مستوى الموقع الجغرافى أو الموارد البشرية، فإننا فى كثير من الأحيان نضع قيوداً على أنفسنا.
تابع قائلًا: نلاحظ أن دولا أخرى بإمكانات أقل من قدراتنا قادرة على التقدم وتجاوزنا في بعض المجالات، لذلك من الضروري دراسة هذه المعوقات بدقة، وفتح حوار مستمر بين الدولة والمصدرين لتطوير بيئة عمل أفضل وتحسين مناخ التصدير بشكل مستدام.
حسين عبدربه: هل يمكننا الوصول إلى هدف 145 مليار دولار للصادرات بحلول 2030؟
وليد جمال الدين: سيكون الأمر صعباً للغاية، وأشك فى إمكانية الوصول إلى هذا الرقم إلا إذا حدث تعديل جذرى فى المناخ الاستثمارى، فى ظل النظم واللوائح الحالية، صحيح أن هناك نمواً سنويا يتراوح بين 18 و20%، ومن المتوقع أن نغلق العام الحالي عند 50 مليار دولار، لكن للوصول إلى 145 مليار دولار خلال 4 سنوات، أى 3 أضعاف الرقم الحالي، لذا نحتاج إلى تغييرات جوهرية في البيئة الاقتصادية والتنظيمية.
الأسمنت يقتحم الأسواق الأفريقية والصادرات تقترب من المليار دولار
وبحسب بيان صادر عن الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، فقد سجلت قيمة صادرات مصر السلعية خلال أول 11 شهراً من العام الماضى 44.39 مليار دولار مقابل 37.54 مليار دولار خلال نفس الفترة من 2024 بنسبة ارتفاع قدرها 18%.
وجاء قطاع مواد البناء ضمن أهم القطاعات التصديرية التى شكلت هيكل الصادرات غير البترولية ليسجل 13.67 مليار دولار بنسبة ارتفاع قدرها 39% عن عام 2024.
حسين عبدربه: ما أسباب النمو الأخير، وهل يرجع إلى انخفاض قيمة العملة أم إلى جهود الحكومة؟
وليد جمال الدين: يرجع النمو في الأساس إلى انخفاض قيمة العملة، خاصة في الصناعات التي تعتمد على مدخلات إنتاج محلية، ما جعل منتجاتها أقل تكلفة وأكثر قدرة على المنافسة.
وفي المقابل، اتخذت الحكومة بعض الإجراءات الإيجابية لدعم النشاط الاقتصادي، لكنها تظل غير كافية لتحقيق الطفرة المطلوبة، فالمشكلة لا تكمن في القيادات العليا، إذ تبدى الحكومة استجابة واستماعاً جيداً على مستوى رئيس الوزراء والوزراء، وإنما يتمثل التحدى فى مستوى التنفيذ داخل الجهات الإدارية والمصالح الحكومية، حيث تختلف تفسيرات الإجراءات، وقد يتسبب ذلك في تعطيل الأعمال نتيجة عقلية بيروقراطية تعد العائق الأكبر أمام تحقيق نتائج ملموسة.
إغراق السوق بالواردات الصينية يهدد صناعة السيراميك
حسين عبدربه: كيف تقيم تجربتك بعد تولى رئاسة المجلس التصديرى لمواد البناء، وهل يمكن اعتبارها تجربة ناجحة؟
وليد جمال الدين: بالفعل كانت تجربة ناجحة بكل المقاييس، حيث حقق قطاع مواد البناء نمواً ملحوظاً في الصادرات، إذ بلغت نحو 13 مليار دولار مع بداية عام 2025، ونستهدف الوصول إلى 15 مليار دولار بنهاية العام.
ويعود هذا الأداء الإيجابي إلى عدة عوامل، أبرزها دخول مستثمرين كبار إلى القطاع، وتنمية المكون المحلي في الصناعة، بالإضافة إلى الاستفادة من الاتفاقيات التجارية مع عدد من التكتلات والدول، مثل الدول العربية، والكوميسا، والاتحاد الأوروبي، وتركيا.
وجاء قطاع الحديد والصلب في المقدمة، حيث سجلت شركة «حديد عز» صادرات بقيمة 1.8 مليار دولار خلال عام 2024، لتصبح أكبر مصدر في تاريخ مصر، مع توجيه الجزء الأكبر من هذه الصادرات إلى الأسواق الأوروبية.
كما حقق قطاع الأسمنت صادرات تقترب من مليار دولار، مع تركيز رئيسى على أسواق ليبيا ودول غرب أفريقيا.
أما قطاع السيراميك، فيواجه تحديات كبيرة نتيجة المنافسة غير العادلة، خاصة من الواردات الصينية التي تمثل حالة إغراق واضحة، وهو ما أدى إلى خروج بعض المصانع من السوق.
حسين عبدربه: وماذا عن فرص المشاركة في مشروعات إعادة الإعمار فى سوريا وليبيا وقطاع غزة؟
وليد جمال الدين: مصر جاهزة بقوة للمشاركة في مشروعات إعادة الإعمار، ليس فقط من خلال توفير مواد البناء، ولكن أيضا عبر شركات المقاولات، فشركات المقاولات المصرية تنفذ بالفعل مشروعات كبرى في شرق ليبيا باستثمارات تقدر بمليارات الدولارات، وهو ما يعكس قدراتها الفنية والتنفيذية.
الشركات المصرية جاهزة لإعادة الإعمار فى ليبيا وغزة وسوريا
كما تشهد الفترة الحالية اتصالات من جهات أجنبية تستفسر عن مدى جاهزية الشركات المصرية للمشاركة في مشروعات إعادة إعمار قطاع غزة، في مؤشر واضح على الثقة في الخبرات المصرية وقدرتها على تنفيذ مشروعات ضخمة في فترات زمنية قياسية.
حسين عبدربه: ما أبرز التحديات التي تواجه المصدرين كالتمويل وضمان الصادرات؟
وليد جمال الدين: من أهم التحديات التي تواجه المصدرين مسألة التمويل وضمان الصادرات، ونحن بحاجة إلى إنشاء شركة مصرية قوية ومتخصصة في ضمان الصادرات، بما يتيح للمصدرين التوسع في الأسواق الخارجية بثقة أكبر.
فعلى سبيل المثال، يتمتع المنافس الإيطالي بميزة تنافسية كبيرة في الأسواق الأفريقية، حيث يستطيع البيع بآجال سداد تصل إلى 90 يوم، مستندا إلى وجود مؤسسة «ساتشي» التي تضمن صادراته، وفي المقابل، تخسر الشركات المصرية العديد من الصفقات بسبب اضطرارها للبيع النقدي «كاش» لغياب منظومة ضمان فعالة.
ورغم أن البنك المركزي قام بتأسيس شركة لضمان الصادرات، فإنها لم تدخل السوق بشكل فعلى حتى الآن، وهو ما يستدعى الإسراع بتفعيل دورها لدعم الصادرات المصرية.
حسين عبدربه: ما أبرز المقترحات لتطوير منظومة التصدير؟
وليد جمال الدين: هناك حزمة من المقترحات العملية التى يمكن أن تحدث نقلة نوعية فى ملف التصدير، يأتى فى مقدمتها إعادة النظر فى دور المصدر غير المنتج (التاجر)، من خلال فتح المجال أمام الشباب والشركات الصغيرة لتسويق وتصدير منتجات المصانع الأخرى دون قيود معقدة، سواء ما يتعلق بإجراءات البطاقة التصديرية أو اشتراط موافقة المصنع على العلامة التجارية داخل الجمارك.
غياب ضمان الصادرات يفقد مصر صفقات خارجية لصالح المنافسين الأوروبيين
كما يعد التوسع في التجارة الإلكترونية أحد المحاور المهمة، خاصة في ظل تميز الشباب المصري في مجالات التسويق الرقمي والجرافيك والذكاء الاصطناعي، بما يؤهلهم للقيام بدور «سفراء» للمنتج المصري في الأسواق الخارجية.
ويبرز كذلك ملف التحول الرقمي الحقيقي، حيث يجب ربط منظومة المساندة التصديرية إلكترونيا بمنظومة الجمارك، بحيث يتم صرف المستحقات للمصدر فور خروج الشحنة، دون الحاجة إلى دورات مستندية معقدة أو تداول نسخ ورقية بين الوزارات المختلفة.
أما المقترح الرابع، فيتعلق بضرورة تسهيل الخروج من السوق، إذ إن إجراءات تصفية الشركات في مصر تستغرق سنوات طويلة، ما يثير مخاوف المستثمرين ويجعل قرار الدخول إلى السوق أكثر تحفظا، وهو ما يتطلب إصلاحا تشريعيا وإجرائيا يحقق التوازن بين حماية الحقوق وتشجيع الاستثمار.
حسين عبدربه: ما دور القارة الأفريقية فى استراتيجية التصدير المصرية؟
وليد جمال الدين: تمثل القارة الأفريقية المستقبل الحقيقي للصادرات المصرية، فهي سوق واعدة وذات قرب جغرافي يمنح المنتجات المصرية ميزة تنافسية كبيرة.
إلا أن مصر مازالت متأخرة نسبياً في تعظيم الاستفادة من هذه الفرص، مقارنة بدول مثل المغرب، التي سبقت بخطوات واضحة من خلال إنشاء بنوك قوية، وشبكات فعالة للتمويل وضمان الصادرات داخل القارة الأفريقية، ما مكنها من تعزيز حضورها التجاري والتوسع بقوة في الأسواق الأفريقية.
حسين عبدربه: وماذا عن برنامج دعم الصادرات؟
وليد جمال الدين: الفكرة في حد ذاتها ممتازة، لكن التحدى الحقيقي يكمن في آليات التطبيق، فكلما كانت إجراءات صرف المساندة أسرع وأكثر مرونة، انعكس ذلك مباشرة على زيادة الصادرات.
مطالب بصرف دعم الصادرات أوتوماتيكيًا وربطه بمنظومة الجمارك
ومن هذا المنطلق، نطالب بتطبيق نظام أوتوماتيكي متكامل مرتبط بمنظومة الجمارك، بحيث يتم صرف مستحقات دعم الصادرات فور إثبات عملية التصدير، دون الدخول في تعقيدات ورقية أو إجراءات بيروقراطية تعطل المستحقات وتحد من قدرة المصدرين على التوسع.
وتضمن البرنامج الجديد لرد أعباء الصادرات ميزانية بلغت قيمتها 45 مليار جنيه، من جانبه، وإتاحة سداد 50% من المتأخرات النقدية للمصدرين خلال 4 سنوات، بينما سيتم تسوية النسبة المتبقية من خلال آلية مقاصة مع المديونيات المستحقة على الشركات لدى الضرائب والجمارك والكهرباء والغاز والتأمينات الاجتماعية.
حسين عبدربه: أخيراً، كيف تقيمون لقاءات رئيس الوزراء مع المجالس التصديرية؟
وليد جمال الدين: رئيس الوزراء يبدى دعماً واضحاً لملف التصدير، ويحرص على الاستماع بعناية إلى ملاحظات ومقترحات المجالس التصديرية، إلا أن التحدي الحقيقي لايزال قائما في حلقة التنفيذ، حيث تتغير أو تفسر التعليمات بشكل مختلف عند انتقالها إلى المستويات الأدنى من الجهاز الإداري، وهو ما يمثل العقبة الأساسية التي يجب التركيز على معالجتها لضمان تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.








