أعلنت أحدث تقارير الأمم المتحدة عن ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا بنسبة 14% خلال عام 2025 لتصل إلى نحو 1.6 تريليون دولار. رقم يبدو إيجابيًا للوهلة الأولى، وقد يُفسَّر على أنه بداية تعافٍ بعد سنوات من الاضطراب. غير أن قراءة أعمق تكشف حقيقة مختلفة: هذا التعافي انتقائي وهش، ولا يشمل معظم الاقتصادات النامية بالقدر المأمول.
تعافٍ على الورق أكثر منه في الواقع
الجزء الأكبر من الزيادة المسجلة في الاستثمار العالمي لم يكن نتيجة توسع إنتاجي حقيقي، بل جاء مدفوعًا بتدفقات مالية عبر عدد محدود من المراكز المالية العالمية مثل بريطانيا وسويسرا وأيرلندا. هذه التدفقات العابرة أسهمت بأكثر من 140 مليار دولار في الزيادة الإجمالية.
ولو استُبعد هذا العامل، لما تجاوز النمو الحقيقي في الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 5% فقط، وهو ما يعكس تعافيًا محدود الأساس، لا يترجم بالضرورة إلى مصانع جديدة أو بنية تحتية أو فرص عمل.
من الرابح… ومن الخاسر؟
الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية اتسعت بوضوح. فقد ارتفعت تدفقات الاستثمار إلى الدول المتقدمة بنسبة 43%، بينما تراجعت إلى الدول النامية بنسبة 2%. أما الدول الأقل نموًا، فكانت الخاسر الأكبر، إذ شهد ثلاثة أرباعها ركودًا أو تراجعًا في الاستثمارات الوافدة.
وبحسب مستويات الدخل، حققت الدول مرتفعة الدخل زيادة قوية، في حين سجلت الدول متوسطة الدخل نموًا محدودًا، وتراجعت الاستثمارات في الدول منخفضة الدخل. وهو اتجاه مقلق، لأن هذه الاقتصادات تعتمد على الاستثمار الأجنبي كمصدر رئيسي للتمويل الخارجي ودعم النمو.
أموال أكثر… مشروعات أقل
المفارقة اللافتة في عام 2025 أن القيمة الإجمالية للاستثمارات المعلنة بقيت مرتفعة، بينما انخفض عدد المشروعات الجديدة بنسبة 16%. أي أن رأس المال بات يتركز في عدد أقل من المشروعات العملاقة.
وقد تركزت هذه الاستثمارات في قطاعات متقدمة مثل مراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، وهي قطاعات تتركز أساسًا في الدول الصناعية الكبرى. في المقابل، تراجعت الاستثمارات في الصناعات كثيفة العمالة — كالمنسوجات والإلكترونيات وصناعة السيارات — وهي القطاعات التي شكلت تاريخيًا مدخلًا رئيسيًا لاندماج الدول النامية في الاقتصاد العالمي.
أفريقيا ومصر: صمود نسبي وسط مشهد متقلب
تعكس بيانات عام 2025 صورة متقلبة للاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا. فقد انخفضت التدفقات إلى القارة بنحو الثلث مقارنة بعام 2024، في عودة إلى مستويات أقرب إلى الاتجاهات التاريخية، بعد أن كانت أرقام العام السابق مرتفعة بشكل استثنائي نتيجة مشروعات ضخمة منفردة.
ورغم هذا التراجع، برزت تباينات واضحة داخل القارة. فقد سجلت أنجولا عودة إلى التدفقات الإيجابية بعد سنوات من التخارج، بينما حققت موزمبيق زيادة كبيرة مدفوعة باستئناف مشروعات الغاز الطبيعي المسال.
أما مصر، فقد حافظت على موقعها كأكبر دولة مستقبِلة للاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا خلال عام 2025، بتدفقات قُدرت بنحو 11 مليار دولار. ويعكس ذلك قدرًا من الصمود مقارنة بالاتجاه العام في القارة، لكنه لا يعزل مصر عن التحولات الأوسع في خريطة الاستثمار العالمية.
وعلى مستوى نوعية الاستثمار، تأثرت أفريقيا — ومنها مصر — بتراجع المشروعات المرتبطة بسلاسل القيمة العالمية التقليدية، في مقابل نمو محدود في عدد الإعلانات عن مشروعات جديدة في بعض الدول، من بينها مصر. غير أن القيمة الإجمالية لهذه المشروعات انخفضت، ما يعكس التحول العالمي نحو استثمارات رقمية كثيفة رأس المال وقليلة التوظيف نسبيًا.
البنية التحتية والطاقة المتجددة… تحت الضغط
الاستثمار في البنية التحتية، ولا سيما المرتبط بأهداف التنمية المستدامة، واصل التراجع للعام الرابع على التوالي. كما شهدت الطاقة المتجددة انخفاضًا ملحوظًا في الاستثمارات، بعد أن كانت أحد محركات النمو في السنوات السابقة.
ويرتبط ذلك بتزايد حذر المستثمرين تجاه المشروعات طويلة الأجل، في ظل المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين التنظيمي. ورغم محاولات بعض الحكومات والجهات المحلية سد الفجوة، فإن قدرتها تبقى محدودة، خاصة في الاقتصادات النامية.
من جذب الاستثمار إلى توجيهه: ماذا يعني ذلك لمصر؟
لم يعد التحدي الرئيسي أمام الدول النامية، ومنها مصر، هو جذب الاستثمار الأجنبي فقط، بل توجيهه نحو القطاعات القادرة على دعم النمو الحقيقي والتشغيل.
المرحلة المقبلة تتطلب:
سياسات استثمار أكثر انتقائية، تركز على البنية التحتية، والخدمات، والصناعة المرتبطة بالطلب الإقليمي.
توسيع أدوات تقاسم المخاطر، مثل التمويل المختلط والضمانات، لجذب القطاع الخاص إلى مشروعات طويلة الأجل.
تعميق التكامل الإقليمي، في ظل تفكك سلاسل القيمة العالمية.
تعزيز اتساق السياسات الاقتصادية، لأن وضوح الرؤية يظل العامل الأهم في قرارات الاستثمار.
في النهاية
ارتفاع أرقام الاستثمار العالمي لا يعني تلقائيًا تحسنًا في واقع التنمية. فالتعافي الحالي هش، وانتقائي، ويصب في مصلحة عدد محدود من الدول والقطاعات.
وبالنسبة لمصر، فإن الحفاظ على موقع الصدارة أفريقيًا يمثل نقطة قوة، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديًا استراتيجيًا: كيف تتحول التدفقات الاستثمارية إلى نمو مستدام وفرص عمل حقيقية في عالم أقل استقرارًا وأكثر تنافسية؟








