لم تعد بنوك الاستثمار في مصر تعمل وفق القواعد التقليدية التي سادت لسنوات طويلة، في ظل تسارع وتيرة التحول التكنولوجي وصعود منصات التداول والاستثمار الرقمية، التي باتت لاعبًا مؤثرًا في معادلة السوق، وفرضت أنماطًا جديدة من المنافسة والوصول إلى المستثمرين.
ومع دخول شركات التكنولوجيا المالية ومنصات الاستثمار الرقمية، مثل «ثاندر» و«ويلزي»، إلى المشهد، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل داخل سوق المال، عنوانها إعادة تعريف دور الوسيط المالي، وتغيير شكل العلاقة بين المستثمر وشركات السمسرة وبنوك الاستثمار.
هذا التحول لم يقتصر على تبسيط إجراءات فتح الحسابات أو تنفيذ الأوامر إلكترونيًا، بل امتد ليشمل تطوير تجربة المستثمر بالكامل، من حيث التوعية المالية، وتنوع المنتجات الاستثمارية، وسرعة الوصول، وهو ما انعكس على خريطة المنافسة وترتيب الشركات وحصصها السوقية.
عبدالعزيز: الحلول الإلكترونية مرشحة لإعادة توزيع الحصص السوقية
قال مصطفى عبدالعزيز، العضو المنتدب لمنصة «ويلزي» للاستثمارات، إن دخول المنصات التكنولوجية إلى مجال بنوك الاستثمار يمثل نقطة تحول رئيسية في نماذج العمل التقليدية، مؤكدًا أن السوق يشهد حاليًا إعادة صياغة حقيقية لقواعد اللعبة.
وأوضح عبدالعزيز أن نموذج عمل «ويلزي» يرتكز على ثلاثة محاور أساسية، تشمل التعليم والتوعية المالية، وتقديم منتجات استثمارية متخصصة، إلى جانب مساعدة الأفراد على التخطيط المالي طويل الأجل، معتبرًا أن هذه المحاور تعكس جوهر التحول الجاري في صناعة الاستثمار.
وأشار إلى أن التوعية تمثل العنصر الأكثر تأثيرًا في جذب المستثمرين الجدد، موضحًا أن المستثمر الفرد لا يحتاج فقط إلى وسيلة تداول، بل إلى فهم أعمق لطبيعة المنتجات والمخاطر والعوائد، وهو ما يسهم في بناء الثقة واستدامة المشاركة في السوق.
وأضاف أن المنصات الرقمية أصبحت أداة لتمكين المستثمر، وليس مجرد قناة لتنفيذ الأوامر، لافتًا إلى أن القيمة المضافة التي تقدمها هذه المنصات ستكون العامل الفاصل في المنافسة خلال المرحلة المقبلة.
وأكد عبدالعزيز أن هذا التوجه سيؤدي إلى إعادة توزيع الحصص السوقية على المدى المتوسط، مع تصاعد المنافسة بين النماذج الرقمية والتقليدية، مشددًا على أهمية تطوير الأطر الرقابية بما يتواكب مع سرعة انتشار الحلول التكنولوجية، مع الحفاظ على حماية المستثمرين.
ويُذكر أن دخول التكنولوجيا المالية إلى سوق السمسرة انعكس بوضوح على ترتيب الشركات من حيث أحجام التداول، حيث نجحت منصات رقمية في جذب شريحة واسعة من المستثمرين الجدد، لتحتل مراكز متقدمة بين شركات السمسرة خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، يرى مسؤولون في شركات السمسرة التقليدية أن التحول التكنولوجي لا يُقصي النماذج القائمة، بقدر ما يسهم في توسيع السوق وزيادة قاعدة المتعاملين.
المراغي: التقنيات توسّع السوق قبل أن تعيد ترتيب المنافسة
قال شوكت المراغي، العضو المنتدب لشركة بلتون لتداول الأوراق المالية، إن دخول تطبيقات التداول والمنصات الرقمية لا يغير قواعد المنافسة بشكل مباشر، لكنه يفتح الباب أمام شرائح جديدة من المستثمرين كانت بعيدة عن سوق المال.
وأوضح المراغي أن هذه المنصات تسهّل إجراءات فتح الحسابات وتنفيذ متطلبات «اعرف عميلك» إلكترونيًا، ما يقلل الحواجز أمام دخول الأفراد إلى البورصة، ويُبسط تجربة الاستثمار.
وأشار إلى أن المنافسة الحقيقية لن تكون في إطلاق تطبيق للتداول فقط، بل في جودة الخدمة المقدمة، وسهولة الاستخدام، والمحتوى المعلوماتي والتثقيفي الذي يحصل عليه العميل.
وأكد أن المخاطر لا ترتبط بالتكنولوجيا نفسها، موضحًا أن التطبيق مجرد أداة، بينما تكمن المخاطرة في كفاءة الشركة القائمة على تقديم الخدمة ومدى التزامها بالضوابط التنظيمية.
وتوقع المراغي أن تشهد الفترة المقبلة تغيرات في ترتيب الشركات، مع نجاح بعض الكيانات في تحسين مراكزها السوقية بفضل قدرتها على الوصول السريع للعملاء عبر القنوات الرقمية.
مسعود: الحد الأدنى من التحول الرقمي أصبح ضرورة للبقاء
من جانبه، قال محمد فاروق مسعود، العضو المنتدب لشركة جلوبال إنفست لتداول الأوراق المالية، إن التحول التكنولوجي لم يعد خيارًا أمام شركات السمسرة وبنوك الاستثمار، بل أصبح شرطًا أساسيًا للاستمرار في السوق.
وأوضح مسعود أن الشركات مطالبة على الأقل بتوفير الحد الأدنى من الحلول الرقمية، مثل التداول الإلكتروني وتطبيقات الهاتف المحمول، حتى تتمكن من مواكبة التغيرات الجارية، لحين استكمال خطط التحول الشامل.
وأشار إلى أن سوق المال يتجه إلى نموذج قريب من الأسواق العالمية، حيث تصبح المنصات الرقمية الواجهة الرئيسية للتعامل مع المستثمرين، خاصة فئة الشباب، التي تمثل الشريحة الأسرع نموًا بين المتعاملين.
وأضاف أن زيادة عدد المستثمرين، حتى بأحجام استثمارية محدودة، تعزز عمق السوق والسيولة على المدى المتوسط والطويل، مؤكدًا أن الإطار التنظيمي الحالي يحد من المخاطر المرتبطة بالتحول الرقمي.
فوزي: التأخر في تبني التكنولوجيا يعني خسارة حتمية للحصص السوقية
وفي السياق نفسه، قال مصطفى فوزي، العضو المنتدب لشركة أسباير كابيتال القابضة، إن دخول المنصات الرقمية غيّر بالفعل قواعد المنافسة في سوق المال المصري، مشيرًا إلى أن هذا التحول بدأ بوضوح مع ظهور تطبيقات التداول الرقمية.
وأوضح فوزي أن هذه المنصات تمتلك قدرة أكبر على الانتشار والوصول إلى شرائح عمرية مختلفة، على غرار ما أحدثته تطبيقات الدفع الإلكتروني، ما يقلل الاعتماد على الفروع التقليدية.
وأكد أن الشركات التي تتأخر في تبني التحول التكنولوجي ستفقد جزءًا من حصتها السوقية، في ظل المنافسة المتزايدة، متوقعًا أن يفرض هذا التحول ضغوطًا على هوامش الربحية، مقابل زيادة أحجام التداول واتساع قاعدة العملاء.
وأشار إلى أن الهيئة العامة للرقابة المالية كانت مستعدة لهذا التحول، ووضعت أطرًا تنظيمية تضمن سلامة عمل المنصات الرقمية، سواء في فتح الحسابات أو التحقق من البيانات، بما يعزز كفاءة السوق ويحد من المخاطر.







