بعد أشهر من التلميح إلى تبنّي نهجٍ أكثر واقعية في الإنفاق، بدأت السعودية في اتخاذ قرارات مفصلية خلال فترة زمنية قصيرة، مع صدور توجيهات عليا بإجراء مراجعات شاملة لعددٍ من أكثر مشاريعها طموحاً، والموزعة بين نيوم وجدة وصولاً إلى الرياض.
بداية الأسبوع الحالي شهدت تأجيل “دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029″، وهي فعالية محورية ضمن طموحات المملكة الرياضية، التي تأثرت بتعاظم التكاليف والتحديات اللوجستية أمام بناء منحدرات تزلج في الصحراء.
تزامناً، كان المسؤولون يدرسون إدخال تعديلات جوهرية على مشروعين آخرين لافتين، هما “ذا لاين”، وهو مشروع يتكون من ناطحتي سحاب متقابلتين في نيوم، ومشروع “المكعب”، الذي كان من المقرر أن يتسع لاحتواء 20 مبنى بحجم “إمباير ستيت” في قلب الرياض.
خطط السعودية تواكب التغيرات
تمثل هذه الخطوات تسارعاً لعملية مراجعة المشروعات التي بدأت أواخر عام 2023، عندما أشارت الحكومة للمرة الأولى إلى احتمالية تأجيل بعض المشاريع. ومنذ ذلك الحين، جرى تقليص عدد من المبادرات، في مسعى لتغيير النهج المتبع في ظل ضعف أسعار النفط، وتشدد أوضاع الإقراض، وتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
المراجعة الأخيرة تركز على مشروع “المربع الجديد”، الذي كان من المقرر أن يحتضن مبنى “المكعب”، والذي جرى تصوره كمبنى ضخم وسط مدينة الرياض.
تشمل الخطط التي يجري بحثها حالياً ملعباً كان مخصصاً لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2034، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لحساسية المعلومات. وأضاف هؤلاء أن المطور طُلب منه، من قبل مالك المشروع صندوق الاستثمارات العامة، تقديم مقترحات توضح ما يمكن إنجازه بشكل واقعي خلال السنوات القليلة المقبلة.
وفي نيوم، يُعاد أيضاً تقييم مستقبل مشروع “ذا لاين”، وفقاً لبعض من هؤلاء الأشخاص. وكان المشروع قد صُمم ليشمل ناطحتَي سحاب متقابلتين تمتدان على مسافة 170 كيلومتراً، إلى جانب ملعب لمباريات لكأس العالم على ارتفاع يزيد عن 350 متراً فوق سطح الأرض.
ووفقاً لبعض الأشخاص، فإن المشروع متوقف حالياً بانتظار تطبيق تعديلات على تصميمه.
ويرجح أن تسفر النتيجة النهائية –بعد هذه التعديلات- عن مشروع أصغر حجماً، تماهياً مع مشروع “المربع الجديد”، كما يُتوقع أن يتخلى “ذا لاين” عن فكرة استضافة ملعب لكأس العالم، بحسب الأشخاص.
توسيع نطاق المراجعات للمشروعات الكبرى
في أماكن أخرى، طالت المراجعات عدداً من المشاريع قرب جدة، حيث تخضع العديد من التطويرات بما في ذلك جزيرة ترفيهية مخطط لها تحت اسم “ساحل القدية” للمراجعة، بحسب أشخاص مطلعين. وأضافوا أن خطط بناء ملعب لكأس العالم كان مقرراً إنشاؤه هناك قد لا تمضي قدماً. في المقابل، تستمر مدينة القدية في الرياض بخططها لبناء “استاد الأمير محمد بن سلمان”، وفقاً للأشخاص أنفسهم.
وامتنع كل من المسؤولون عن مشروع “القدية” وصندوق الاستثمارات العامة عن التعليق، فيما لم يرد مسؤولو مشروع “المربع الجديد” ووزارة الرياضة السعودية على طلبات التعليق.
وأوضح متحدث باسم “نيوم”: “ننظر دائماً في كيفية تقسيم مراحل مبادراتنا وتحديد أولوياتها بما يتماشى مع الأهداف الوطنية ويحقق قيمة للمدى البعيد. وباعتبارها مشروعاً مصمماً ليمتد عبر أجيال، فإن (نيوم) تمضي قدماً في مشاريعها بما يتوافق مع الأولويات الاستراتيجية، وجاهزية السوق، والأثر الاقتصادي المستدام”.
إعادة معايرة في السيادي السعودي
يعكس هذا التراجع إعادة معايرة من قبل صندوق الاستثمارات العامة، الذي تُقدّر أصوله بنحو تريليون دولار، والحكومة السعودية، مع تركيز الموارد على مشروعات البنية التحتية المرتبطة بمواعيد نهائية لا يمكن تغييرها، مثل “إكسبو 2030” وكأس العالم 2034.
وحتى في هذه الحالات، بدأ المسؤولون في التشكيك في بعض الافتراضات السابقة، بما في ذلك ما إذا كانت المملكة بحاجة فعلاً إلى بناء ما لا يقل عن ثمانية ملاعب جديدة من الصفر، بدل تجديد عدد من الملاعب القائمة الكبيرة.
لا يمثل هذا التوجه حالةً خاصة، حيث أن دولاً استضافت بطولات سابقة، من بينها قطر المجاورة، التي كانت أول دولة خليجية تستضيف كأس العالم، قلّصت أيضاً خططها الأصلية لبناء ملاعب جديدة. كما اتبعت روسيا النهج نفسه في مونديال 2018 لخفض التكاليف والالتزام بالجداول الزمنية.
هدف المملكة: أكبر أثر اقتصادي بتكلفة مناسبة
تجسد هذه المراجعات ما أصبح يُعرف بالشعار الجديد لمسؤولي الحكومة السعودية، حيث لخص وزير المالية محمد الجدعان ذلك خلال مشاركته في منتدى دافوس الأسبوع الماضي بعبارة: “تحقيق الأثر الأمثل بالتكلفة المناسبة”، في إشارة إلى تشديد الرقابة على الإنفاق بعد سنوات من الصرف غير المقيد.
كما تسلط هذه التحولات الضوء على التوازن الدقيق الذي تواجهه السعودية، حيث يتوجب على المملكة الموازنة بين الحفاظ على تدفق الاستثمارات لدعم خطة التحول الاقتصادي التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتعامل في الوقت نفسه مع تراجع الإيرادات النفطية، بما ي}شر إلى أن مزيداً من خفض الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات قد يكونان قيد الإعداد.
ويرى أزاد زنغانة، رئيس تحليل الاقتصاد الكلي لدول مجلس التعاون الخليجي في “أكسفورد إيكونوميكس”، أن “بعض المشاريع التي يجري الآن تأجيلها أو تقليصها كانت ببساطة مفرطة الطموح. ويبدو أن السلطات باتت أكثر انتقائية في اختياراتها”.
لم يحدد المسؤولون السعوديون علناً حتى الآن المشاريع التي ستستمر وتلك التي قد تُلغى أو يُعدّل حجمها أو تُؤجل، غير أن بعض مجالات التركيز باتت تتضح. فمن المرجح أن يتركز الاهتمام على الأعمال القادرة في نهاية المطاف على جذب مزيد من الشراكات بين القطاعين العام والخاص والاستثمارات الأجنبية، على سبيل المثال، مع تعزيز التركيز على قطاعات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي، والسياحة، والتمويل.
من جانبه، كثف صندوق الاستثمارات العامة جهوده لاستقطاب العائلات السعودية البارزة وغيرها من أقطاب القطاع الخاص، في محاولة لتخفيف عبء الإنفاق على المشاريع الكبرى. كما جمعت المملكة مليارات الدولارات من خلال إصدارات السندات في السنوات الأخيرة، لتصبح من بين أنشط الجهات السيادية المصدرة للديون في الأسواق الناشئة.
تسريع وتيرة الإصلاحات السعودية
في الوقت نفسه، سرعت الحكومة وتيرة الإصلاحات، من خلال فتح أسواق العقارات ورأس المال أمام المستثمرين الأجانب، بهدف جذب مزيد من التدفقات المالية من الخارج لدعم كل شيء، من مشاريع التطوير العقاري إلى إدارة الأصول ومشاريع القطاع المالي. وأسهمت هذه الخطوات في ارتفاع المؤشر العام لسوق الأسهم بنسبة 9% منذ بداية العام، بعد أداء ضعيف في 2025.
ومن المرجح أن تشهد المشاريع التي يُنظر إليها على أنها أقل جاذبية لرأس المال الأجنبي، أو تلك التي لا تُترجم مباشرة إلى فوائد اقتصادية فورية ضمن إطار “رؤية 2030″، انخفاضاً في حجم الاستثمارات المخصصة لها خلال السنوات المقبلة.
كان صندوق النقد الدولي أعلن في ديسمبر إن “القرار الأخير بإعادة ترتيب أولويات بعض المشاريع الاستثمارية الكبرى ساعد على تركيز الإنفاق في المجالات الأكثر أهمية، مع الحد في الوقت نفسه من مخاطر النشاط الاقتصادي المحموم”.
وأيد اقتصاديون، من بينهم فاروق سوسة من “غولدمان ساكس”، وجان-ميشيل صليبا من “بنك أوف أميركا”، هذا الرأي، فيما قالت رزان ناصر، محللة الديون السيادية في “تي. رو برايس” (T. Rowe Price)، إن التغييرات الأخيرة تمثل “تأكيداً مرحباً به” للرسائل التي كانت السعودية تمهد لها منذ فترة.
ناصر أضافت أن هذه التحركات تزيد من فرص تحقيق استثمارات أكثر كفاءة، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل أن العديد من الخطط وُضعت في وقت كانت فيه أسعار النفط أعلى، وأسعار الفائدة أقل، والعلاقات التجارية العالمية أكثر سهولة.
واختتمت بالقول: “التفكير بواقعية أمر ضروري”.








