فتح شركات الدولة أمام السوق يجذب استثمارات خاصة إلى قطاع الطاقة
تُصنف نيجيريا وجنوب أفريقيا ، كأكبر اقتصادين في أفريقيا جنوب الصحراء، إذ تمثلان معاً قرابة ثلث الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة، غير أن المفارقة أن مسارهما الاقتصادي شهد تراجعاً واضحاً خلال العقد الماضي.
ففي المتوسط، بات مواطنو البلدين اليوم أقل دخلاً مقارنة بمستوياتهم في عام 2015.
وبالنظر إلى أن كلاً منهما يُفترض أن يشكل القاطرة الاقتصادية لإقليمه الأفريقي، فإن ضعف أدائهما انعكس سلباً على وتيرة التقدم الاقتصادي في القارة بأكملها.
لذلك، تبرز مؤشرات إيجابية على أن “العمالقة النائمين” في أفريقيا بدأوا بالفعل في استعادة نشاطهم، بحسب ما ذكرته مجلة “ذا إيكونوميست” البريطانية.
ففي جنوب أفريقيا، أسهم اتباع سياسات اقتصادية متحفظة في خفض معدل التضخم إلى 3.2% خلال عام 2025، وهو أدنى مستوى يُسجل منذ 21 عاماً، كما مهد هذا النهج الطريق أمام حصول البلاد على أول ترقية لتصنيف ديونها السيادية منذ أكثر من 16 عاماً.
وفي السياق ذاته، دفعت الإصلاحات الحكومية إلى إخضاع شركات مملوكة للدولة، من بينها شركة الكهرباء “إسكوم”، لقوى السوق، ما ساعد على استقطاب استثمارات خاصة إلى قطاع الطاقة.
تحرير سعر النايرا وإلغاء دعم الوقود يعيدان ضبط المالية العامة النيجيرية
على الجانب الآخر، أقدمت نيجيريا على إلغاء نظام تعدد أسعار الصرف الذي أربك المستثمرين لفترة طويلة، وسمحت بتحديد سعر صرف النايرا إلى حد كبير عبر آليات السوق.
كما أنهت دعم الوقود الذي كان يستنزف المالية العامة ويغذي مستويات التلوث.
وأسهم تحسن الأوضاع الأمنية في دلتا النيجر، إلى جانب حوافز موجهة بعناية، في بدء تعافي إنتاج النفط.
إذا كُتب لهذا التحول في جنوب أفريقيا ونيجيريا أن يستمر، فإنه من شأنه أن يعزز موجة متصاعدة من التفاؤل حيال آفاق أفريقيا ككل.
فعلى امتداد العقدين الماضيين، تصدرت الاقتصادات الأصغر حجماً مشهد النمو في القارة، ومن بينها رواندا وساحل العاج وإثيوبيا وتنزانيا.
صندوق النقد الدولي يتوقع تفوق الناتج الأفريقي على الآسيوي 2026
غير أن تسارع نمو الاقتصادات الكبرى، بالتوازي مع استمرار الطلب القوي على المعادن، بما ينعكس في زيادة الإنتاج لدى دول مثل الكونغو وغينيا وزامبيا، قد يفتح المجال أمام سنوات إضافية يتجاوز فيها الناتج المحلي الإجمالي الأفريقي نظيره الآسيوي، وهو السيناريو الذي يتوقع صندوق النقد الدولي تحققه في عام 2026.
مع ذلك، لا يزال من السابق لأوانه الحديث عن إنجازات مؤكدة، إذ إن الأجواء الإيجابية السائدة لم تتحول بعد إلى قفزات واضحة في معدلات النمو، ولبلوغ هذه المرحلة، سيكون على عملاقي القارة تكثيف جهود الإصلاح وتسريع وتيرتها.
يتوجب على مبادرة “عملية فولينديلا”، وهي فرقة العمل التي أطلقها الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا، المعروف بتوجهه الإصلاحي المتدرج والبطيء، أن تنقل النجاح الذي تحقق في قطاع الكهرباء إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد، وفي مقدمتها لوجستيات الشحن وقطاع المياه.
ورغم ارتياح الشركات لانحسار انقطاعات التيار الكهربائي، فإن تحديات أخرى لا تزال ماثلة، إذ تبرز حاجة ملحة إلى تكثيف الجهود لمكافحة الجريمة المنظمة، في وقت تُسهم بعض القوانين في إضعاف جاذبية الاستثمار، سواء عبر تقليص حقوق الملكية أو فرض التزامات تتعلق بحصص عرقية على الشركات.
يفاقم هذه التحديات اتباع سياسة خارجية توصف بالمتهورة، تتسم بالتساهل مع أنظمة منبوذة في إيران وروسيا، ما قد يلحق ضرراً بصورة بريتوريا وسمعتها الدولية.
أما في نيجيريا، فلا تزال أجندة الإصلاح أطول وأكثر تعقيداً، إذ يتعين على حكومة أبوجا، الحد من أوجه الإنفاق غير الكفء، بما يتيح توجيه موارد أكبر إلى التعليم والبنية التحتية.
غير أن نظاماً ضريبياً جديداً، يستهدف تعزيز الإيرادات الضرورية، يواجه عقبات ناتجة عن ضعف تطبيق القوانين وتدخلات رئاسية.
كذلك، لم يحظَ تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على الهيدروكربونات بالاهتمام الكافي، في وقت يتمكن فيه أوليغارشيون ذوو صلات سياسية من تقييد المنافسة بسهولة.
ومن شأن تحقيق معدلات نمو أسرع أن يسهل معالجة اختلالات أخرى، إذ يُعد معدل البطالة في جنوب أفريقيا البالغ 32% من بين الأعلى عالمياً، بينما تضم نيجيريا العدد الأكبر من السكان الذين يعيشون بأقل من 3 دولارات يومياً، متخلفة بذلك عن الهند.
ربما لا يستمر الهدوء السياسي القائم طويلاً، إذ تستعد نيجيريا لإجراء انتخابات في عام 2027، وهو ما قد يدفع الحكومة إلى تبني سياسات قصيرة الأجل قائمة على تقديم تنازلات آنية.
وفي العام نفسه، ستواجه حكومة الائتلاف في جنوب أفريقيا اختباراً حاسماً، مع ترجيحات باستبدال سيريل رامافوزا في قيادة “المؤتمر الوطني الأفريقي”، أكبر الأحزاب، بشخصية أقل موثوقية وأضعف التزاماً بمسار الإصلاح.
وفي حال تفكك الائتلاف الحاكم، فإن التيارات الشعبوية الفاسدة التي ألقت بظلالها السلبية على جنوب أفريقيا خلال عهد الرئيس السابق تترقب فرصة العودة مجدداً إلى مراكز النفوذ.
ومن ثم، يصبح استشعار عامل الوقت أمراً حاسماً في كلا البلدين، فقد بدأ عمالقة أفريقيا النائمون بالفعل في الاستيقاظ، وليس هذا هو التوقيت المناسب للعودة إلى سبات جديد.







