من مدينة تشيناي، رابع أكبر مدن الهند، وعاصمة ولاية تاميل نادو، والواقعة على ساحل كورومانديل المطل على خليج البنغال، حيث تلتقي الثقافة بالصناعة، أجرت «البورصة» عدة لقاءات موسعة مع الإدارة التنفيذية لمجموعة «زوهو»، إحدى أبرز شركات التكنولوجيا العالمية المتخصصة في الحلول الرقمية وتطبيقات الأعمال وإدارة وتشغيل البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات.
تشيناي، التي تُعد المركز الثقافي والاقتصادي والتعليمي الأهم في جنوب الهند، لم تعد مجرد مدينة صناعية تقليدية، بل تحولت خلال العقود الأخيرة إلى أحد محركات الاقتصاد الرقمي الهندي، ومركز رئيسي لصناعة البرمجيات والتكنولوجيا المتقدمة.
ومن هذه المدينة، التي خرجت منها شركات عالمية عملاقة، بدأت رحلة «زوهو» التي اتخذت من الاستقلالية والاعتماد على الذات فلسفة أساسية للنمو.
لم تكن رحلة الوصول إلى تشيناي سهلة، فقد امتدت ساعات طوال، حملت في طياتها كثيرًا من الإرهاق، لكنها في الوقت نفسه كانت محمّلة بفضول صحفي، وأسئلة متعددة حول كيف استطاعت شركة هندية أن تنافس عمالقة التكنولوجيا العالميين دون تمويل خارجي؟ ودون اللجوء إلى الإدراج في أسواق المال؟ ودون الاعتماد على حملات تسويقية ضخمة؟
هذه الأسئلة كانت المدخل الطبيعي للقاء قيادات «زوهو»، وشركاتها التابعة للتعرف عن قرب على فلسفة الشركة، واستراتيجيتها، وخططها التوسعية في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وهي الأسواق التي تراهن عليها الشركة باعتبارها محركات النمو المستقبلية لصناعة التكنولوجيا العالمية.
في بداية اللقاء، أكد شايلش ديفي، الرئيس التنفيذي لشركة «زوهو»، أن المجموعة تواصل تعزيز حضورها في منطقة الشرق الأوسط، وتولي السوق المصري اهتمامًا كبيرًا ضمن خططها التوسعية، في ضوء ما يشهده من نمو متسارع في مشروعات التحول الرقمي، وزيادة الطلب على حلول تكنولوجيا المعلومات الآمنة والقابلة للتوسع.
وأوضح ديفي لـ”البورصة” أن «زوهو» تنظر إلى مصر باعتبارها سوقًا واعدا يجمع بين عدة عناصر جاذبة، في مقدمتها توافر الكفاءات البشرية المؤهلة، واتساع قاعدة الشركات والمؤسسات، إلى جانب التوجه الحكومي الواضح نحو التحول الرقمي، وهو ما يجعل السوق المصري بيئة مناسبة للاستثمار طويل الأمد.

وأشار إلى أن «زوهو» وذراعها المتخصصة في حلول إدارة وتشغيل تقنية المعلومات المؤسسية «مانيج إنجن» تعملان وفق رؤية تقوم على بناء الحلول من الداخل، وتطويرها بالكامل داخل الشركة، بداية من البنية التحتية ومراكز البيانات، وصولًا إلى التطبيقات والبرمجيات والخدمات الذكية، دون الاعتماد على أطراف خارجية.
أضاف ديفي، أن هذا النهج مكّن الشركة من مواكبة مختلف موجات التطور التقني على مدار أكثر من عقدين، بداية من الحوسبة التقليدية، مرورًا بالبيانات الضخمة والتعلم الآلي، وصولًا إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة، دون فقدان السيطرة على بنيتها التقنية أو بيانات عملائها.
وبين الرئيس التنفيذي أن قاعدة عملاء «زوهو» تجاوزت 90 ألف مؤسسة حول العالم، موزعة على نحو 190 دولة، مؤكدًا أن هذا النمو لم يكن قفزة مفاجئة، بل تحقق بشكل تدريجي على مدار ما بين 20 إلى 25 عامًا، اعتمادًا على تقديم قيمة مستدامة للعملاء، وبناء علاقات طويلة الأمد معهم.
ولفت إلى أن نسبة كبيرة من العملاء، استمرت في استخدام حلول الشركة لسنوات طويلة، وبعضهم تجاوزت مدة تعامله مع «زوهو» 10 أو 15 سنة، وهو ما يعكس مستوى الثقة في جودة المنتجات والخدمات التي تقدمها الشركة.
وفيما يتعلق بالقطاعات التي تخدمها «مانيج إنجن»، أوضح ديفي أن الشركة تقدم حلولًا أفقية تستهدف فرق تقنية المعلومات في المؤسسات المتوسطة والكبيرة، دون الارتباط بقطاع اقتصادي بعينه.
أضاف أن حلول الشركة تُستخدم في قطاعات متعددة، من بينها الخدمات المالية والمصرفية، والتجزئة، والتصنيع، وسلاسل الإمداد، مشيرا إلى أن دور تقنية المعلومات أصبح عنصرًا أساسيًا ومتشابهًا في مختلف الصناعات، ما يجعل الحلول الأفقية أكثر قدرة على التوسع والتكيف مع احتياجات القطاعات المختلفة.
وحول التحديات التي تواجه التوسع في السوق المصري، أوضح ديفي أن التحدي الرئيسي لا يتمثل في ضعف الطلب، بل في الحاجة إلى تعزيز الوعي بالقيمة الحقيقية التي يمكن أن تقدمها حلول «زوهو» و«مانيج إنجن».
أضاف أن الشركة تكثف جهودها، وتعمل على توسيع وجودها المحلي، وزيادة عدد الكوادر المتواجدة، بما يسهم في تقديم دعم أسرع وأكثر كفاءة للعملاء، وجعل «زوهو» الخيار الأول الذي تلجأ إليه المؤسسات عند مواجهة أي تحديات تقنية.
الشركة لا تخطط للإدراج في أسواق المال حاليًا
وحول مستقبل الشركة وخططها المالية، شدد الرئيس التنفيذي لـ«زوهو» على أن الشركة ستواصل التوسع اعتمادًا على نموذج أعمالها القائم على الاستقلالية، مؤكدًا أنها لا تخطط للإدراج في أسواق المال في الوقت الحالي.
وتابع:” هذا القرار ينبع من قناعة راسخة بأن الاستقلال المالي يتيح للشركة اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأمد، بعيدًا عن الضغوط المرتبطة بتحقيق عوائد سريعة للمستثمرين أو تقلبات الأسواق المالية”.
أضاف أن «زوهو» تموّل توسعاتها واستثماراتها ذاتيًا منذ تأسيسها قبل أكثر من 30 عامًا.. وهذا النهج أثبت نجاحه واستدامته، خاصة في ظل التغيرات الاقتصادية العالمية المتلاحقة.
أشار ديفي إلى أن أحد أبرز مجالات الاستثمار لدى «زوهو» يتمثل في البحث والتطوير، إذ تخصص الشركة جزءًا كبيرًا من مواردها لتطوير منتجات جديدة وتحسين الحلول القائمة، بما يضمن مواكبتها للتغيرات التقنية المتسارعة.
كما لفت إلى مبادرات الشركة في مجال بناء القدرات البشرية، وعلى رأسها «مدارس زوهو للتعلم»، التي تستهدف تدريب طلاب المرحلة الثانوية على مهارات الرياضيات وعلوم الحاسوب والبرمجة، موضحًا أن خريجي هذه المدارس يشكلون حاليًا نحو 15% من إجمالي موظفي الشركة.
وتناول ديفي المخاوف المتزايدة لدى الحكومات والمؤسسات في منطقة الشرق الأوسط بشأن الاعتماد على شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى، خاصة في ظل التغيرات الجيوسياسية والتوترات السياسية.
أضاف أن «زوهو» تضع مسألة الثقة وحماية البيانات في صميم استراتيجيتها، وتسعى إلى طمأنة عملائها من خلال الالتزام الكامل بالقوانين المحلية في كل دولة تعمل بها.
وأوضح أن الشركة تعتمد سياسة إنشاء كيانات قانونية محلية، ومراكز بيانات داخل الدول، بما يضمن بقاء البيانات داخل الحدود الجغرافية للدولة، وعدم خضوعها لأي ضغوط أو تشريعات خارجية.
واستشهد بتجربة «زوهو» في المملكة العربية السعودية، حيث تم تأسيس كيان محلي وإنشاء مركز بيانات يُدار بالكامل من داخل المملكة، بما في ذلك تعيين مسؤول أمن معلومات مقيم محليًا، لضمان الامتثال الكامل للتشريعات الوطنية واستمرارية الخدمات.
أكد ديفي، أن الشركة التزمت في دول أخرى، مثل الإمارات العربية المتحدة، بمتطلبات صارمة تمنع خروج البيانات خارج الدولة، وهو ما دفعها إلى إزالة أي اعتماد على خدمات خارجية غير متاحة محليًا، أو تعطيل بعض الميزات التقنية حال عدم توافر بدائل محلية، حفاظًا على سيادة البيانات وأمنها.
أكد الرئيس التنفيذي لـ«زوهو» أن الشركة تعتمد فلسفة «التسويق عبر الهندسة»، إذ يُعد المنتج القوي هو الأداة التسويقية الأهم.
واستعرض محطات مبكرة في مسيرة الشركة، موضحًا أنه في عام 1997 أعادت «زوهو» استثمار معظم إيراداتها، التي بلغت آنذاك 350 ألف دولار، في البحث والتطوير، فيما خُصص في بعض السنوات الأولى ما يصل إلى 80% من الإيرادات لهذا الغرض.
وحاليًا، تنفق «زوهو» على البحث والتطوير ما يعادل ضعف إنفاق منافسيها، في مقابل إنفاق تسويقي يقل عن ثلث ما تنفقه الشركات المنافسة، مع امتلاكها الكامل لبنيتها التقنية، بما في ذلك الأطر البرمجية، والأدوات الداخلية، والبنية التحتية السحابية، ومراكز البيانات الخاصة بها.
«مانيج إنجن»: السوق المصرية تحتل المرتبة الثالثة في حجم الأعمال
من جانبه، قال نيرمال كومار مانوهاران، نائب رئيس عمليات الإيرادات بشركة «مانيج إنجن»، إن السوق المصري يُعد أحد أهم الأسواق الاستراتيجية للشركة على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ يحتل المرتبة الثالثة من حيث الحجم بعد كل من السعودية والإمارات.
وأوضح في حواره مع “البورصة” أن أهمية مصر لا تنبع فقط من حجم السوق، وإنما من توافر كوادر بشرية ذات كفاءة عالية، وقاعدة واسعة من المواهب التقنية المؤهلة، وهو ما جعلها مركزًا رئيسيًا لدعم العمليات والدعم الفني وخدمات ما بعد البيع، سواء داخل السوق المحلي أو لخدمة أسواق إقليمية أخرى.
أكد مانوهاران، أن «مانيج إنجن» تتبنى نهجًا طويل الأمد في تعاملها مع السوق المصري، وتحرص على الاستمرار في الاستثمار حتى في فترات التحديات الاقتصادية، إيمانًا بقدرة السوق على التعافي والنمو.
وأشار إلى أن العامين الماضيين شهدا تحسنًا ملحوظًا في مناخ الاستثمار، ما يعزز ثقة الشركة في مواصلة التوسع وزيادة استثماراتها في مصر.
الخدمات المصرفية والتأمين يمثلان السوق الأكبر لحلول الشركة
وعلى مستوى القطاعات، أوضح مانوهاران، أن قطاع الخدمات المصرفية والمالية والتأمين (BFSI) يمثل السوق الأكبر لحلول «مانيج إنجن» في مصر، يليه قطاع الرعاية الصحية، إلى جانب تطلع الشركة للقيام بدور محوري في دعم التحول الرقمي للقطاع الحكومي.
وأضاف أن الشركة تولي اهتمامًا خاصًا بالقطاعات ذات الأولوية ضمن رؤية مصر 2030، وعلى رأسها تكنولوجيا المعلومات، والصناعة، والزراعة، والسياحة، والخدمات اللوجستية.
وتوقع تحقيق معدلات نمو سنوية في السوق المصري تتراوح بين 30 و35%، مدفوعة بازدياد المشروعات الجديدة، وارتفاع مستوى النضج الرقمي، واعتماد المؤسسات على التخطيط المبكر للبنية التحتية التقنية.

بدوره، قال راجيندران داهندباني، مدير الهندسة في مجموعة «زوهو العالمية»، إنه التحق بالمجموعة في يناير عقب تخرجه مباشرة من الجامعة، وبدأ رحلته المهنية كمتدرب في مجال البرمجة، لتستمر هذه الرحلة لما يقرب من ثلاثين عامًا دون أن يضطر يومًا إلى كتابة سيرة ذاتية أو البحث عن وظيفة أخرى.
وأوضح أن استمراره طوال هذه السنوات يعود إلى عاملين رئيسيين، أولهما القدرة المستمرة على إعادة ابتكار الذات، حيث أُتيحت له كل عامين أو ثلاثة أعوام فرصة تولي أدوار جديدة وخوض تجارب مختلفة داخل الشركة.
أما العامل الثاني، فيرتبط بالرؤية والقيم التي تأسست عليها «زوهو» منذ عامي 1996 و1997، والتي قامت على إيمان عميق بقدرة الهند على أن تصبح قوة عالمية رائدة في صناعة البرمجيات.
وأشار إلى أن هذه الرؤية ألهمت جيلًا كاملًا من المهندسين، وأسست لفلسفة نمو تقوم على الاستقلالية، وبناء المنتجات من الداخل، والاستثمار في الكفاءات المحلية، والاقتراب من احتياجات الأسواق الناشئة.
واختتم داهندباني حديثه بالتأكيد على أن «زوهو» اختارت أن تكون شركة عالمية بجذور هندية، وأن تتواجد في الأسواق التي تحتاج إلى حلول تقنية حقيقية، وليس فقط في الأسواق المشبعة، مؤكدًا أن هذه الفلسفة ستظل المحرك الرئيسي لمسيرة الشركة خلال العقود المقبلة.








