لم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد أداة داعمة داخل القطاع المالي، بل أصبح لاعبًا رئيسيًا فى صياغة القرار، مع اتجاه متزايد لشركات التكنولوجيا المالية والبنوك فى مصر للاعتماد عليه فى مجالات المدفوعات، والتمويل الاستهلاكي، والاستثمار، وإدارة المخاطر، بما يعيد رسم خريطة المنافسة داخل السوق.
هذا التحول، الذى يتجاوز حدود الرقمنة التقليدية، كان محور النقاش خلال جلسة «الذكاء الاصطناعى والتكنولوجيا المالية» ضمن فعاليات الجمعية المصرية لخبراء الاستثمار (CFA Society Egypt)، بمشاركة قيادات من «فوري» و«فاليو» و«ثاندر» وبنك وفا التجاري، حيث استعرضوا تجارب عملية تكشف ملامح مرحلة جديدة تقودها القرارات الذكية والسرعة والكفاءة.
صبرى: الخدمات المالية ستشهد تقلصًا فى الاعتماد على مراكز الاتصال التقليدية
وقال أشرف صبري، الرئيس التنفيذى لشركة «فوري»، إن سوق المدفوعات والخدمات الرقمية فى مصر لا يزال فى مرحلة مبكرة مقارنة بالأسواق العالمية، وهو ما يفتح المجال أمام فرص نمو واسعة، ليس فى حجم المعاملات، ولكن فى طبيعة الدور الذى تلعبه شركات التكنولوجيا المالية.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعى ليس مفهومًا جديدًا على القطاع، حيث استخدمت الشركات خوارزميات التقييم الائتماني، وتقسيم العملاء، والتحليل التنبؤى منذ سنوات، إلا أن التطور الحقيقى جاء مع ظهور نماذج اللغة الكبيرة (LLMs)، التى أضافت بعد “الاستدلال” والقدرة على التفاعل الذكى مع البيانات.
وأشار صبرى إلى أن هذه النماذج تفتح الباب أمام ما يُعرف بـ«الوكلاء الرقميين»، القادرين على تنفيذ مهام كانت تتطلب تدخلًا بشريًا كاملًا، مثل مراجعة العقود، أو تحليل القوائم المالية، أو التحقق من الإفصاحات، أو دعم قرارات الائتمان، ضمن ضوابط حوكمة واضحة.
وأكد أن هذا التحول لا يعنى خفض التكاليف، بل رفع الإنتاجية بصورة غير مسبوقة، مشيرًا إلى أن شركات الخدمات المالية ستشهد خلال السنوات المقبلة تقليصًا كبيرًا فى الاعتماد على الكول سنتر التقليدي، وأتمتة واسعة فى عمليات التسوية وإدارة المخاطر.
وفيما يتعلق بالبنية التحتية والتكلفة الرأسمالية، شدد صبرى على أن «فوري» لا تستهدف الدخول فى سباق بناء نماذج ذكاء اصطناعى عملاقة أو مراكز بيانات فائقة الضخامة.
واعتبر أن الحل الأكثر كفاءة للأسواق الناشئة يتمثل فى نماذج لغوية صغيرة ومتخصصة يتم تدريبها داخل المؤسسة لخدمة احتياجات محددة.
حسونة: قرارات ائتمانية آلية بالكامل حتى 5 ملايين جنيه دون تدخل بشرى
من جانبه، استعرض وليد حسونة، الرئيس التنفيذى لشركة فاليو، رحلة تطور نموذج التمويل الاستهلاكى فى مصر، مؤكدًا أن التحدى الأكبر عند إطلاق الشركة لم يكن التكنولوجيا بقدر ما كان تغيير القناعة السائدة بأن القرار الائتمانى لا بد أن يكون بطيئًا ومعقدًا.
وأوضح حسونة أن الشركة بدأت بأتمتة عملية الاكتتاب الائتمانى عبر محاكاة ما يقوم به محلل الائتمان داخل البنوك، اعتمادًا على الدخل، والتاريخ الائتماني، ونسب عبء الدين، قبل الانتقال تدريجيًا إلى نماذج أكثر تقدمًا تعتمد على التحليلات المتقدمة والـ Machine learning .
وأشار إلى أن المرحلة الأصعب كانت الوصول إلى العملاء الذين لا يمتلكون تاريخًا ائتمانيًا، وهو ما دفع الشركة إلى تطوير نماذج «البرامج البديلة»، التى تعتمد على مؤشرات غير تقليدية مثل نمط الإنفاق والالتزامات الحياتية.
وكشف حسونة أن الشركة أطلقت فى 2021 برنامجًا تجريبيًا عالى المخاطر نسبيًا، منح تمويلًا محدودًا لشريحة واسعة من العملاء دون تاريخ ائتماني، بهدف بناء قاعدة بيانات تسمح للنماذج الذكية بالتعلم والتطور، وهو ما أثمر عن نتائج وصفها بـ«المذهلة».
وأوضح أن «ValU» باتت اليوم قادرة على اتخاذ قرارات ائتمانية آلية بالكامل حتى حدود نصف مليون جنيه دون أى تدخل بشري، مع الإعداد لإطلاق قرارات لحظية تصل إلى 5 ملايين جنيه، على أن يكون الهدف النهائى الوصول إلى تمويلات أكبر بنفس سرعة القروض الصغيرة، مع بقاء التدخل البشرى فقط عند مستويات المخاطر الأعلى.
وأكد أن الذكاء الاصطناعى لم يُلغِ دور العنصر البشرى بالكامل، لكنه أعاد تعريفه، حيث أصبح التدخل مقتصرًا على وضع السياسات والحوكمة، وليس تقييم كل حالة على حدة.
حمودة: توجيه العملاء نحو الاستثمار طويل الأجل بدلًا من المضاربة اليومية
أما أحمد حمودة، المؤسس والرئيس التنفيذى لشركة ثاندر، فقد تناول الذكاء الاصطناعى من زاوية مختلفة، مؤكدًا أن الخطر الحقيقى لا يكمن فى نقص التكنولوجيا، بل فى سوء استخدامها، خاصة فى سوق التجزئة.
وأوضح أن ثاندر لم تنطلق من فكرة استخدام الذكاء الاصطناعى بحد ذاته، بل من محاولة تقديم تجربة استثمارية سهلة وآمنة للأفراد.
وأشار إلى أن كثيرًا من الأدوات التى تُصنف اليوم تحت مسمى AI كانت فى الواقع قواعد منطقية بسيطة فى البداية.
وأضاف أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعى تكمن فى «الاستدلال» والقدرة على فهم السياق، وهو ما يفتح الباب أمام تقديم خدمات كانت حكرًا على شريحة العملاء الأثرياء، وعلى رأسها التخطيط المالى الشخصي.
وفيما يتعلق بالمخاطر السلوكية، أكد أن الشركة تتبنى فلسفة واضحة مفادها أن الاستثمار يجب أن يكون «مملًا»، مشيرًا إلى أن الشركة تعمل على توجيه غالبية العملاء نحو الاستثمار طويل الأجل والصناديق المدارة، بدلًا من المضاربة اليومية.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعى يمكن أن يلعب دورًا محوريًا فى الحد من التداول الاندفاعي، عبر التوعية، والتخصيص، وربط القرارات الاستثمارية بالواقع المالى الحقيقى للمستخدم.
منصور: شركات التكنولوجيا المالية لن تحل محل البنوك.. والتكامل هو الأساس
من جانبه، قال أحمد منصور، عضو المجلس التنفيذى ببنك وفا التجاري، إن الجدل حول ما إذا كانت شركات التكنولوجيا المالية ستحل محل البنوك أصبح متجاوزًا، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تقوم على التكامل والشراكة.
وأوضح أن البنوك التقليدية لا يمكنها الاستمرار بنفس نماذج العمل القديمة، لكنها فى الوقت ذاته ليست «شركات برمجيات»، ولا ينبغى أن تحاول بناء كل الحلول داخليًا، مشددًا على أهمية التعاون مع شركات متخصصة تقدم حلولًا قائمة على حالات استخدام واضحة.
وأشار منصور إلى أن الأرقام العالمية تؤكد أن الذكاء الاصطناعى ليس موجة مؤقتة، بل تحول هيكلي، لافتًا إلى النمو السريع فى أعداد المستخدمين والإيرادات العالمية لشركات الذكاء الاصطناعي.
وأكد أن التحدى الحقيقى أمام البنوك يتمثل فى سرعة التبني، محذرًا من أن التأخر فى مواكبة التكنولوجيا سيمنح الأفضلية لمنافسين أكثر مرونة، سواء من داخل القطاع المصرفى أو خارجه.
وأشار أشرف صبرى إلى أن الاعتماد على نماذج متخصصة صغيرة، بدلًا من حلول عملاقة مكلفة، يمثل المسار الأكثر واقعية للأسواق الناشئة.








