تتبنى الشركات المصرية استراتيجيات تطويرية لرفع جودة المنتجات المحلية، ودعم التزام الشركات بالمعايير الفنية والبيئية الدولية، بما يضمن نفاذها للأسواق عالية الاشتراطات، ويعزز ثقة المستوردين في المنتج المصري، خاصة في ظل تصاعد المنافسة العالمية وتشدد متطلبات النفاذ التجاري.
وسجلت الصادرات المصرية غير البترولية قفزة كبيرة خلال عام 2025 لتصل إلى نحو 48.5 مليار دولار، مقارنة بـ 41.5 مليار دولار في 2024، بزيادة نسبتها 17%.
وتصدرت مواد البناء، والكيماويات، والصناعات الغذائية القطاعات التصديرية، في حين جاءت الإمارات، وتركيا، والسعودية، وإيطاليا، والولايات المتحدة.، كأهم الأسواق المستوردة .
وأكدت مصادر في قطاعات صناعية مختلفة أن الالتزام بمعايير الجودة والحصول على الشهادات الدولية لم يعد خيارًا أمام الشركات، بل أصبح شرطًا أساسيًا للاستمرار في الأسواق الخارجية، مشيرة إلى أن الشركات باتت تتحمل استثمارات كبيرة في الاعتماد والاختبارات الفنية، في مقابل الحفاظ على تنافسية منتجاتها وبناء صورة ذهنية إيجابية للصادرات المصرية بالخارج.
قال مجدي طلبة، رئيس شركة T&C للملابس الجاهزة، إن التزام الشركات المصرية بمعايير الجودة والشهادات الدولية أصبح شرطا أساسيا للنفاذ إلى الأسواق الخارجية، ويتم بمنظومة رقابية وفنية متكاملة داخل المصانع.
وارتفعت صادرات مصر من الملابس الجاهزة بنسبة 22% لتسجل نحو 3.4 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 2.8 مليار دولار في 2024، محققةً أعلى مستويات تاريخية للقطاع، وسط توقعات بوصولها إلى 4.4 مليار دولار خلال عام 2026،
أضاف طلبة لـ«البورصة»، أن الشركات المصدرة خاصة العاملة مع أسواق كبرى مثل أوروبا والولايات المتحدة تخضع لعمليات تفتيش دقيقة تشمل الجوانب الفنية والمالية والبيئية، فضلًا عن أوضاع العمالة وحقوق الإنسان.
وأوضح أن “T&C” تمتلك معملًا داخليًا معتمدًا من كبرى جهات الاعتماد الدولية، ويجري نحو 20 اختبارًا فنيًا على مختلف مراحل الإنتاج، مع الاحتفاظ بالنتائج لمدة تصل إلى 5 سنوات.
ولفت إلى أن إنشاء معامل داخل المصانع يتطلب استثمارات ضخمة تصل إلى ملايين الجنيهات، وهو ما يجعل الأمر غير متاح لكل الشركات، لكنه يظل ضرورة للشركات الكبرى التي تستهدف أسواقًا عالية المعايير.
وأشار طلبة، إلى أن بناء سمعة قوية للمنتج المصري في الخارج يعتمد على الالتزام المستمر بالجودة، والاستثمار في التكنولوجيا والاعتمادات الدولية، وليس فقط على فتح أسواق جديدة، موضحا أن الحصول على الاعتمادات الدولية ليس إجراء شكليا. فاعتماد مصنع جديد قد يستغرق من 6 أشهر إلى عام كامل، ويشمل اختبارات ومعاينات من جهات تفتيش عالمية، قبل السماح بدخول المنتجات إلى الأسواق المستهدفة.
وتابع: “التصدير إلى بعض الدول وعلى رأسها السعودية أصبح أكثر تعقيدًا تدريجيا بسبب اشتراطات فنية وشهادات مطابقة محددة، وهو ما يتطلب من الشركات استثمارات إضافية لتوفيق أوضاعها “.
أكد طلبة ، أن أغلب الشهادات يتم تجديدها بشكل دوري، مع عمليات متابعة وتفتيش للتأكد من استمرار التزام المصنع بالمعايير.
وفيما يتعلق بدعم الحكومة للشركات في هذا المجال، قال إن هناك برامج كانت موجودة في فترات سابقة لدعم تكاليف الاعتماد والتطوير، إلا أن التطبيق العملي يواجه أحيانًا صعوبات، خاصة فيما يتعلق بتمويل مبادرات التحول إلى الاقتصاد الأخضر.
ولفت إلى أن كثيرًا من الشركات العالمية تتجه حاليًا إلى معايير الاقتصاد الأخضر مثل استخدام الطاقة المتجددة وإعادة تدوير المياه، موضحًا أن شركته حاولت الاستفادة من برامج تمويل مدعومة لكنها واجهت تعقيدات إجرائية، ما اضطرها إلى تنفيذ مشروعاتها بتمويل ذاتي وتكلفة أعلى.
هلال: الالتزام بالمعايير الدولية يدعم توسع “الهلال والنجمة” خارجيًا
وقال وليد هلال، رئيس مجلس إدارة شركة الهلال والنجمة، إن الشركة تمتلك خبرة تصديرية تمتد لأكثر من 30 عاما في التعامل مع الأسواق الخارجية التي تفرض اشتراطات صارمة فيما يتعلق بشهادات الجودة والمواصفات الفنية، وأهمها الأسواق الأوروبية، ومن بينها إسبانيا وإيطاليا، مشيرًا إلى أن الالتزام بهذه المعايير كان أحد الركائز الأساسية لاستمرار الشركة وتوسعها في تلك الأسواق.
وأضاف لـ «البورصة»، أن الشركة تصدر نحو 40% من إجمالي طاقتها الإنتاجية سنويًا، وهو ما يعكس اعتمادها بشكل كبير على الأسواق الخارجية، وحرصها المستمر على تطوير جودة منتجاتها بما يتماشى مع متطلبات الدول المستوردة، ويسهم في تعزيز تنافسية المنتج وتحسين سمعته بالخارج.
المنزلاوي: ارتفاع أسعار الشهادات يضع الشركات الصغيرة والمتوسطة أمام تحديات حقيقية
وقال مجد الدين المنزلاوي، رئيس مجلس إدارة مجموعة طيبة للصناعات الهندسية، إن تكاليف الحصول على الشهادات والاعتمادات المطلوبة للتصدير ما زالت تمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على الشركات المصرية، مطالبًا بتدخل حكومي أكبر لتخفيف هذه الأعباء.
وأضاف لـ«البورصة»، أن من الضروري أن يعكف مركز تحديث الصناعة على تعزيز التعاون مع الجهات الدولية المتخصصة في إصدار الشهادات التي تشترطها الأسواق الخارجية، بهدف تمكين الشركات من الحصول عليها بتكلفة مناسبة، بما يدعم تنافسية المنتجات المصرية في الخارج.
وأوضح المنزلاوي، أن ارتفاع أسعار الشهادات ومتطلبات المطابقة الفنية يضع العديد من المصانع خاصة الصغيرة والمتوسطة أمام تحديات حقيقية، مشيرًا إلى أن دعم الدولة في هذا الملف سيسهم في زيادة قدرة الشركات على التوسع التصديري.
كما دعا إلى تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل في العلاقات التجارية، مؤكدًا أن الدول التي تفرض اشتراطات فنية صارمة على دخول المنتجات المصرية، يجب أن تطبق عليها اشتراطات مماثلة عند تصدير منتجاتها إلى السوق المحلية.
وأشار إلى أن توحيد مستوى المتطلبات بين الجانبين يفتح المجال لمفاوضات تجارية أكثر توازنًا، ويساعد على الوصول إلى تفاهمات تخفف الأعباء عن الشركات في البلدين، وتحقق عدالة تنافسية في حركة التجارة المتبادلة.
السقا: شهادات الأيزو أصبحت شرطًا أساسيًا للتصدير إلى الخليج وأوروبا
وقال إيهاب فوزي السقا، رئيس مجلس إدارة شركة هوبك للصناعات المطاطية، إن تكلفة حصول الشركات على شهادات الأيزو تتجاوز 20 ألف جنيه، مؤكدا أنه رغم الأعباء المالية التي تتحملها الشركات نتيجة ذلك، فإن هذه الشهادات أصبحت ضرورة للنفاذ إلى الأسواق الخارجية، خاصة الأسواق السعودية والأوروبية التي تفرض اشتراطات صارمة فيما يتعلق بجودة المنتجات.
وأضاف لـ «البورصة»، أن هناك تنوعًا في أنواع الشهادات المطلوبة، إذ توجد شهادات خاصة بالمنشآت وأخرى مرتبطة بجودة وسلامة المنتج نفسه، لافتًا إلى أن هذه الشهادات باتت أحد الشروط الأساسية التي تعتمد عليها الدول لتحسين جودة صادراتها وتعزيز الثقة في منتجاتها بالأسواق العالمية.
وأوضح السقا، أن شركة هوبك حاصلة على كافة شهادات الأيزو وشهادات المطابقة التي تضمن سلامة وجودة المنتج، مشيرًا إلى أن إجراءات الحصول على هذه الشهادات تستغرق أكثر من 30 يومًا، نظرًا لاعتمادها على الفحص الدقيق للمنتجات، وإجراء المعاينات اللازمة.
أضاف أن المركز القومي للبحوث يلعب دورًا داعمًا للشركات الصناعية، من خلال المساهمة في اختبارات الجودة وتقديم الدعم الفني، بما يساعد الشركات على استيفاء متطلبات الشهادات الدولية ورفع كفاءة منتجاتها وفقًا للمعايير المعتمدة.
وقالت فاطمة علي نائب رئيس وحدة الأداء البيئى بالهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة، إن أحد الأدوار الرئيسية التي تقوم بها الهيئة لدعم سمعة الصادرات المصرية بالأسواق الخارجية، هو مساعدة الشركات على الالتزام بالاشتراطات البيئية والجودة العالمية التي باتت عنصرًا أساسيًا في تقييم المنتجات داخل الأسواق المتقدمة.
وأضافت لـ «البورصة»، أن هذا الدور برز بشكل أكبر منذ نحو عامين تقريبًا، مع تصاعد الحديث عالميًا حول آلية تعديل حدود الكربون، والتي أقرها الاتحاد الأوروبي بهدف ضمان أن المنتجات المستوردة تخضع لمعايير بيئية مماثلة لتلك المفروضة على المنتج الأوروبي، بما يعزز الثقة في سلاسل التوريد ويمنع أي تشوهات تنافسية.
وأكدت أن الهيئة بصفتها جهة حكومية معتمدة من المجلس الوطني للاعتماد (EGAC) ومرتبطة بالاعتماد الأوروبي، تتحقق من صحة البيانات التي تقدمها الشركات حول انبعاثاتها، بما يضمن مصداقية الأرقام ودقتها، ويعزز الصورة الذهنية للمنتج المصري باعتباره منتجًا ملتزمًا ومسؤولًا بيئيًا.
ولفتت إلى أن هذا الدور لا يقتصر على الجانب الفني فقط، بل يمتد إلى حماية الصادرات المصرية من أي تشكيك أو رفض محتمل في الأسواق الخارجية، خاصة في ظل تشدد الدول المستوردة تجاه أي بيانات غير موثقة أو صادرة عن جهات غير معتمدة.
وأشارت علي، إلى أن الدولة تبذل جهودًا مكثفة خلال الفترة الحالية، بالتنسيق مع وزارة الصناعة، للتفاوض مع الاتحاد الأوروبي من أجل الاعتراف بجهات التحقق المصرية، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن الشركات المصدرة، ويمنع تحول الاشتراطات البيئية إلى عائق أمام التصدير.
وأوضحت أن تكلفة التحقق داخل مصر تقل بشكل كبير عن مثيلاتها في الخارج، إذ لا تتجاوز عُشر التكلفة الدولية ويتم سدادها بالعملة المحلية، بما يمثل دعمًا مباشرًا للشركات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، ويساعدها على الالتزام بالمعايير الدولية دون أعباء مفرطة.
وقال محمد إبراهيم، العضو المنتدب بشركة إنترتك إيجيبت، إحدى شركات مجموعة إنترتك البريطانية، المتخصصة فى فحص واختبار الأقمشة والمفروشات، إن الشركة تضخ باستمرار استثمارات لرفع كفاءة معاملها بالتزامن مع نمو القطاعات الصناعية، موضحًا أن الشركة ستضخ العام الحالي نحو 30 مليون جنيه لتطوير معاملها.
وأضاف لـ «البورصة»، أن الشركة تمتلك معملين فى مصر، واحداً فى منطقة برج العرب والآخر فى مدينة العبور، بقدرة فحص شهرية تصل إلى 4 آلاف قطعة ملابس.
وأشار إلى أن الشركة تتطلع بعد الانتهاء من عملية التطوير ، لزيادة قدرة المعامل الاستيعابية لفحص العينات إلى 6 آلاف قطعة شهرية بدلاً من 4 آلاف.
وتابع: ” الشركة تقدم خدمات لمصدري الملابس الجاهزة والأقمشة فى مصر، عبر فحص البضاعة من خلال إجراء بعض الاختبارات، وبناءً عليه تمنح شهادة للمصدر بجودة المنتج ونسبة الانبعاث الكربوني”.







