الرسوم الجمركية ومكافحة الدعم لن تكسرا الهيمنة الصناعية الصينية كما يعتقد صناع القرار
عندما يناقش الساسة وقادة الأعمال فى الغرب براعة الصين فى التصنيع، فإنهم عادةً ما يستحضرون صور مصانع الصلب العملاقة التى تُغرق الأسواق العالمية، والمصانع المظلمة التى تديرها الروبوتات، وشركات مملوكة للدولة مدعومة بالإعانات.
وهذا يعزز الرأى القائل إن الرسوم الجمركية وتدابير مكافحة الدعم يمكن أن تُضعفا الهيمنة الصناعية للصين.
غير أن هذا المنطق، رغم ما يمنحه من شعور بالاطمئنان، غير صحيح.
تدين الصين بريادتها فى التصنيع ليس لعدد محدود من الأبطال الوطنيين، بل لكثافة صناعية عميقة.
ففى نهاية عام 2023، كانت الصين تضم 4.1 مليون منشأة صناعية توظف نحو 105 ملايين شخص.
ومن بين هذه الشركات، تفيد 3.6 مليون شركة بأن إيراداتها السنوية تقل عن 20 مليون يوان (2.85 مليون دولار)، ويعمل فى معظمها نحو عشرة أشخاص وتمتلك أصولاً ثابتة محدودة (144 ألف يوان لكل موظف). كما يعمل 18.4 مليون عامل لحسابهم الخاص على هامش قطاع التصنيع الرسمى للشركات.
وهذه الشركات مستبعدة إلى حد كبير من الإعانات الحكومية.
ولا تُعد هذه الشركات بالضرورة فى طليعة التكنولوجيا. إذ أفاد نحو 58% منها بأنها فى مستوى نضج واحد (من خمسة) فى تطوير «التصنيع الذكى»، ما يضعها فى «مرحلة التخطيط».
ورغم أن هذه الفئة تقلصت بشكل ملحوظ ـ بنحو 27 نقطة مئوية ـ منذ عام 2019، فإن 17% فقط من شركات التصنيع الصينية وصلت إلى المستوى الثالث (التكامل) أو الرابع (التحسين) أو الخامس (الريادة).
تكمن الميزة الصناعية الحقيقية للصين، أولاً وقبل كل شىء، فى الروابط بين الشركات، التى تُنظم ضمن آلاف التجمعات الإقليمية.
ففى التجمع النموذجي، يمكن لعشرات الشركات إنتاج مكون متشابه، لكن لكل منها قدرات وموردين وخبرات وعلاقات عملاء مختلفة قليلاً. وهذا أمر حاسم، لا سيما فى ظل تقلبات السوق، فدخول المنتجين الجدد سهل نسبياً، لكن الهوامش ضيقة، وحالات الإفلاس شائعة.
4.1 مليون منشأة و105 ملايين عامل يشكلون العمود الفقرى للتصنيع الصينى المتشعب
مع ذلك، عندما يفشل كيان قانونى، يجد المهندسون والمديرون سريعاً وظائف فى كيان جديد يستخدم معرفتهم ويطوّرها. وهذا المزيج من التكرار والمنافسة وتنقل العمالة والتحسينات التدريجية فى الأدوات والتنظيم يغذى ديناميكية لافتة؛ إذ غالباً ما تكون التجمعات الصناعية نقطة انطلاق لشركات عالية النمو، من «بامبو لاب» إلى «روبوك».
وقد حققت «إنستا 360»، وهى شركة كاميرات، إيرادات سنوية قدرها مليار دولار بعد عشرة أعوام من تأسيسها.
ودعمت الحكومة الصينية هذه العملية من خلال سياسة «العمالقة الصغار»، التى أُطلقت عام 2018، وتهدف إلى تنمية شركات متخصصة ومتطورة ومبتكرة فى قطاعات التكنولوجيا الاستراتيجية.
ويحمل كل واحد من بين 14،600 «عملاق صغير» أكثر من 22 براءة اختراع، ويبلغ متوسط كثافة الإنفاق على البحث والتطوير لديه أكثر من 7%.
ويتمركز نحو 46% منهم فى 178 منطقة وطنية للتنمية الصناعية عالية التقنية، مثل «تشونغقوانتسون» فى بكين، و«تشانغجيانغ» فى شنغهاي، و«إيست ليك» فى ووهان.
تمثل هذه المناطق مجتمعة 14% من الناتج المحلى الإجمالى الوطنى ونحو نصف إجمالى إنفاق الصين على البحث والتطوير.
كما تستفيد الصناعة الصينية من عامل الحجم. وغالباً ما تفترض الإستراتيجيات الغربية أن التصنيع الصينى سيتداعى من دون الطلب التصديري.
لكن عندما تدعم الحكومة الصينية منتجى السيارات الكهربائية أو الألواح الشمسية أو البطاريات أو الآلات الصناعية، فهى لا تستهدف الأسواق الأجنبية فحسب؛ بل تعزز أيضاً الطلب المحلى وقنوات المشتريات والمعايير الوطنية وتطوير البنية التحتية لخلق حجم إنتاج مبكر.
والصين هى أكبر مُصدر للسلع المصنعة فى العالم، لكنها فى كثير من القطاعات أيضاً أفضل عميل لنفسها.
أما السبب الثالث والرئيس لتفوق الصين الصناعي، فهو ما يخطئ فيه المراقبون الغربيون أكثر من غيره: «التمويل»، إذ تصر الرواية الغربية على أن الشركات الصينية تدين بهيمنتها بالكامل تقريباً إلى الإعانات.
لكن الحكومة المركزية الصينية شددت القواعد التى تحكم الدعم الصناعى المحلى، لأن سباقات الإعانات المحلية غير المنضبطة تُعد هدراً للموارد.
وبدلاً من ذلك، تستفيد شركات التصنيع الصينية من رأسمال منخفض التكلفة، يُقدم عبر مزيج من الديون وصناديق عامة شبيهة بالأسهم، ضمن نظام يستخدم القمع المالى ويتحمل عوائد منخفضة جداً لفترات طويلة. وتقوم الجهات الحكومية بحشد رأس المال، لكنها تُفوّض اختيار المستفيدين، ولو جزئياً، إلى مديرين محترفين ومستثمرين مشاركين.
ومن الأهمية بمكان أن القرارات لا تُبنى على أساس أى الشركات قادرة على تحقيق أكبر عائد مالى بأسرع وقت. ووفقاً للمكتب الوطنى للإحصاء فى الصين، فإن الشركات الصناعية التى تزيد قيمتها على 20 مليون يوان عملت بتكاليف أعمال بلغت نحو 85 يواناً لكل 100 يوان من الإيرادات، ونفقات بنحو 8.5 يوان لكل 100 يوان من الإيرادات، فى عام 2023. وهذا يترك حيزاً ضيقاً جداً لقيمة المساهمين.
بدلاً من ذلك، يتدفق رأس المال إلى الشركات القادرة على تعزيز القدرات الصناعية للصين، وتوسيع التوظيف المحلى، وتحسين الموقع الإستراتيجى للاقتصاد.
ومن بين «التنانين الستة الصغار» فى هانغتشو ـ بطلا الروبوتات «يونيتري» و«ديب روبوتيكس»، ورائدة الذكاء الاصطناعى «ديب سيك» واستوديو الألعاب «جيم ساينس»، ومنصة التصميم المكانى «مانى كور تك» وشركة واجهات الدماغ والحاسوب «برينكو» ـ يتمركز نصفها فى ممر هانغتشو الغربى للعلوم والابتكار التكنولوجى.
قد لا يكون النموذج الصينى الأكثر كفاءة، لكنه متين. لهذا السبب يستحق الإجماع الغربى حول كيفية «تقليل المخاطر» مراجعة أكثر صرامة. فخفض الاعتماد على الصين ليس بهذه البساطة التى توحى بالتحول إلى بضعة موردين بديلين؛ بل يتطلب تنمية كثافة صناعية مماثلة.
تُظهر الجهود المبذولة لبناء سلاسل توريد للعناصر الأرضية النادرة مستقلة عن الصين أن الأمر أسهل قولاً من فعلاً. فمنذ أن علقت الصين صادرات العناصر الأرضية النادرة المعالجة إلى اليابان فى عام 2010، أحرزت طوكيو تقدماً ملحوظاً فى بناء سلسلة توريدها الخاصة.
لكن المنشأة الماليزية الممولة من اليابان، والتى تديرها شركة التعدين الأسترالية «ليناس رير إيرثس»، تعرضت لانتقادات بسبب ممارسات إدارة النفايات ومخاوف تتعلق بالإشعاع.
كما بدأت الولايات المتحدة فى الانتباه إلى مخاطر العناصر الأرضية النادرة فى عام 2010، عندما أصدرت وزارة الطاقة أول إستراتيجية للمعادن الحرجة فى ديسمبر من ذلك العام.
استؤنف التعدين فى كاليفورنيا فى العام التالي، لكنه توقف بعد أربع سنوات.
رغم إعادة تشغيله فى عام 2017، لا يزال الإنتاج يُشحن إلى الصين من أجل التكرير.
وبينما تضع الولايات المتحدة الآن أولوية عالية للعناصر الأرضية النادرة، بل وتهدد بضم جرينلاند للحصول على إمكانية الوصول إليها، فإن أمامها طريقاً طويلاً.
فى نهاية المطاف، قد يتمكن الغرب من «فصل الارتباط» عن الصين. لكن ذلك لا يعنى الكثير إذا لم يستطع إعادة بناء كثافته الصناعية الخاصة، بما فى ذلك شبكات الموردين والمهارات والأدوات والتمويل طويل الأجل. قد تشترى الرسوم الجمركية بعض الوقت. لكن وحدها الأنظمة البيئية الصناعية المتينة بقدر متانة الصين قادرة على شراء النفوذ.








