عندما أعلنت جامعَتا جرينتش وكينت، خلال الشهر الحالي ، اندماجهما في محاولة لخفض التكاليف، كان جوهر أزمتهما المالية مرتبطاً مباشرة بتشديد الحكومة البريطانية سياساتها تجاه الهجرة.
فقد أدت القيود الصارمة المفروضة على الطلاب الأجانب إلى تراجع حاد في أعداد طلبات الالتحاق القادمة من الخارج، ما قلص مصدراً رئيسياً للإيرادات يتمثل في الرسوم الدراسية المرتفعة، ووضع الجامعات البريطانية كافة تحت ضغط مالي متشابه.
تواجه الشركات بدورها وضعاً لا يختلف كثيراً، إذ تعاني شركات البناء، وهيئات الخدمات الصحية، ودور رعاية المسنين من صعوبات متزايدة في التوظيف، بعد أن حدت القواعد الجديدة من الاعتماد طويل الأمد على العمالة الأجنبية الماهرة.
أظهرت أحدث البيانات الرسمية الصادرة مؤخراً، والخاصة بعدد طلبات التأشيرات للإقامة والعمل في المملكة المتحدة، تراجعاً إضافياً في أعداد من تمكنوا من اجتياز القواعد الجديدة والحصول على الموافقات اللازمة.
فقبل ثلاثة أعوام فقط، كان صافي الهجرة السنوي قد قفز إلى ما يقرب من مليون شخص، غير أن هذا المسار يشهد انعطافاً حاداً، إذ يُتوقع هذا العام أن ينخفض عدد الوافدين إلى المملكة المتحدة إلى مستوى يقل عن عدد المغادرين، ما قد يدفع صافي الهجرة إلى ما دون الصفر للمرة الأولى منذ عام 1993.
صافي الهجرة يقترب من الصفر للمرة الأولى منذ 1993 بعد سنوات من تدفقات قياسية
رغم أن هذا التطور قد يخفف الضغوط السياسية على كير ستارمر من حزب “ريفورم يو كيه”، فإنه يمثل تحدياً كبيراً لوزيرة الخزانة رايتشل ريفز، لما يحمله من تداعيات سلبية على الشركات التي تعتمد على العمالة المهاجرة، إضافة إلى خسارة إيرادات ضريبية كانت الخزانة تعول عليها، بحسب ما نقلته صحيفة “الجارديان” البريطانية.
كان المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية قد شبه، في تقرير صدر الأسبوع الماضي، أثر تراجع صافي الهجرة بتداعيات بريكست، مشيراً إلى أن وصوله إلى الصفر قد يقتطع نحو 3.7% من الدخل القومي السنوي للمملكة المتحدة بحلول عام 2040.
في السياق نفسه، أفاد مكتب مسؤولية الموازنة، الجهة الرسمية للتنبؤ الاقتصادي في الخزانة البريطانية، بأن بريكست كبد الاقتصاد خسائر تُقدر بنحو 4%.
يرى روب فورد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة مانشستر، أن الوصول إلى صافي هجرة صفري يمنح ستارمر فرصة لإعادة توجيه الأجندة السياسية الداخلية بعيداً عن الملف الذي يشكل محور اهتمام أنصار حزب “ريفورم يو كيه”.
كان زعيم الحزب نايجل فاراج قد أيد الملياردير الصناعي جيم راتكليف، الذي أثار جدلاً واسعاً بتصريحات قال فيها إن المهاجرين “يستعمرون” المملكة المتحدة، قبل أن يقدّم اعتذاراً لاحقاً عقب ضغوط عامة قادها ستارمر.
ويعتقد فورد أن مواقف البريطانيين تجاه الهجرة لا تشهد تغيرات جذرية بمرور الوقت، إلا أنه يرجح أن تتراجع القضية في سلم أولويات الناخبين خلال العام المقبل، مع انعكاس الاتجاه الهبوطي في الأرقام الرسمية، ومن ثم في الرأي العام.
مركز أبحاث يُحذر من أن صافي هجرة صفري قد يقتطع 3.7% من الدخل القومي بحلول 2040
ويشير إلى أن هذا التحول قد يدفع أعداداً كبيرة من الناخبين إلى الابتعاد عن الأحزاب التي تضع الهجرة في صميم برامجها السياسية.
كما أظهرت البيانات الصادرة مؤخراً أن تراجع طلبات العمالة الماهرة، الذي بدأ في يوليو الماضي، استمر خلال شهر يناير، على أن تُستكمل هذه الأرقام لاحقاً ببيانات أكثر تفصيلاً توضح توزيع طلبات التأشيرات وعدد الموافقات الصادرة عليها خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2025.
ولا يعكس هذا الاتجاه بالضرورة نجاح الحكومة أو فشلها في الحد من عبور القوارب الصغيرة عبر قناة المانش، إذ يعود التراجع في المقام الأول إلى الانخفاض الحاد في أعداد المهاجرين الداخلين إلى المملكة المتحدة مقارنة بتزايد أعداد من يُرفض تمديد تأشيراتهم ويُطلب منهم المغادرة، ويشكل الطلاب نسبة كبيرة منهم.
بحسب تقرير أعده محلل البيانات في جامعة وارويك، جيمس باوز، يُتوقع أن ينخفض العدد السنوي للمهاجرين القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي بتأشيرات إلى أقل من 550 ألفاً بنهاية العام الجاري، بعد أن تجاوز 1.1 مليون في عام 2023.
ويعزو التقرير هذا التراجع إلى تشديد القيود في عهد الحكومة المحافظة السابقة، إضافة إلى القواعد الأكثر صرامة التي أدخلها حزب العمال خلال العام الماضي.
إذا تسارع خروج غير الأوروبيين من البلاد كما هو متوقع، فقد يصل عدد المهاجرين المغادرين إلى نحو 430 ألفاً بنهاية العام، مقارنة بـ88 ألفاً فقط في عام 2021.
انخفاض طلبات العمالة الماهرة يستمر منذ يوليو وسط قواعد أكثر صرامة للتأشيرات
ومع وجود ما يقرب من 900 ألف مهاجر أقل هذا العام مقارنة بعام 2023، قد ينخفض صافي الهجرة من 860 ألفاً في 2023 و431 ألفاً في 2024 إلى 184 ألفاً في 2025، ثم إلى سالب 60 ألفاً هذا العام.
رغم الجدل القائم حول حجم هذا التحول منذ عام 2023، نتيجة ضعف البيانات الحكومية واضطرار المحللين إلى سد الفجوات بتقديراتهم الخاصة، فإن الاتجاه العام لتراجع الهجرة لا محل للخلاف حوله.
في مارس 2024، حُظر على عمال الرعاية إحضار الأزواج والأطفال معهم إلى المملكة المتحدة، وفي أبريل من العام نفسه رُفع الحد الأدنى للأجور المطلوبة لتأشيرات العمل ولم الشمل من 20,480 جنيهاً إسترلينياً إلى 33,400 جنيهاً، مع استثناء بعض الفئات عند 25,000 جنيه.
كما طُلب من معظم طلاب الدراسات العليا الأجانب ترك عائلاتهم خارج البلاد، في حين ارتفع الحد الأدنى لراتب تأشيرة العامل الماهر من 26,200 إلى 38,700 جنيه.
تقول مادلين سامبشن، رئيسة مرصد الهجرة في جامعة أكسفورد، إن من الصعب تحديد المسار المقبل بدقة، في ظل وجود أعداد كبيرة من المقيمين بوضع مؤقت، قد يختار بعضهم البقاء بينما يقرر آخرون المغادرة.
قبل عام 2024، كان بإمكان الطلاب الأجانب إنهاء دراستهم والحصول على وظائف برواتب تلبي حدوداً حكومية منخفضة نسبياً، ما يسمح لهم بتحويل تأشيرات الدراسة إلى تأشيرات عمل.
كان كثيرون يلجأون إلى دفع تكلفة برنامج ماجستير لمدة عام واحد، قد تتجاوز 30 ألف جنيه إسترليني، بغرض الحصول على تأشيرة طالب، ثم الانتقال خلال 18 شهراً فقط إلى العمل في دور رعاية.
يشير باوز إلى أن مضاعفة حدود الرواتب المطلوبة جعلت من الصعب مواصلة هذا المسار الذي كان يُستخدم كطريق غير مباشر لدخول سوق العمل.
وفي يوليو الماضي، رُفع كذلك الحد الأدنى للمؤهلات اللازمة للحصول على تأشيرة عامل ماهر أو تأشيرة الصحة والرعاية.
مضى ستارمر أبعد من ذلك عبر وقف التوظيف الخارجي لعمال الرعاية الاجتماعية، وتقليص قائمة الوظائف المؤهلة للحصول على التأشيرات، إلى جانب رفع رسوم التقديم.
فجوة توقعات الهجرة قد تخلق عجزًا بين 6 و8 مليارات جنيه في المالية العامة
وتوضح سامبشن أن الجهات الراعية التي تعتمد عليها الحكومة للتحقق من طلبات تأشيرات العمل خضعت بدورها لإطار رقابي أكثر صرامة.
تقول إن “هناك حملة مستمرة تستهدف الرعاة غير الموثوقين الذين يزعمون امتلاك شركات توفر وظائف غير موجودة فعلياً، وهو إجراء إضافي يقلص عدد طلبات التأشيرات التي تحصل على الموافقة”.
يقدر مرصد الهجرة أن صافي الهجرة سينخفض بشكل مؤقت إلى ما يزيد قليلاً على 250 ألف شخص خلال العام الحالي، قبل أن يعاود الارتفاع إلى نحو 340 ألفاً بحلول نهاية العقد.
وتضيف سامبشن أن “ما يغيب عن كثير من النقاشات هو أن الوضع الراهن مؤقت، وأن التراجع الواضح حالياً من المرجح أن ينعكس لاحقاً خلال العقد”.
من جانبه، يرى جوناثان بورتيس، أستاذ الاقتصاد في “كينجز كوليدج لندن”، أن التأثير الاقتصادي قد يظل محدوداً في ظل ضعف أداء الاقتصاد، مشيراً إلى أن “فترات النقص الحاد في العمالة التي شهدناها خلال الجائحة لم تعد قائمة الآن”.
يعتقد آلان مانينج، أستاذ الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد، أن “الأثر المالي” قد يكون محدوداً، لا سيما على المدى الطويل، إذا كان معظم المغادرين يعملون في وظائف منخفضة الأجور ويصطحبون مُعالين.
مع ذلك، يصف بورتيس القيود المشددة المفروضة على الهجرة بأنها شكل من أشكال “إيذاء الذات”.
تُظهر بيانات المسوح وإحصاءات مصلحة الضرائب البريطانية المتعلقة بأجور المهاجرين الجدد أنهم يتقاضون رواتب أعلى من المتوسط، ويتمتعون في الغالب بمستويات مهارة مرتفعة في مجالات عملهم.
يحذر مانينج من أن “المضي في تقييد تأشيرات العمل بشكل أكبر، وهو ما قد يكون ضرورياً للوصول إلى صافي هجرة صفري على المدى الطويل، سيؤدي إلى تقليص عدد أصحاب الدخول المرتفعة، بما ينعكس سلباً على المالية العامة”.
بدورها، تقول جين جراتون، نائبة مدير السياسات العامة في غرف التجارة البريطانية، إن اللجوء إلى التوظيف من الخارج كان يُستخدم في العادة كحل أخير، مشيرة إلى أن “الانخفاض الأخير في صافي الهجرة كان له تأثير واضح بشكل خاص على قطاعات مثل الضيافة والرعاية الصحية”.
تشير إلى أن استطلاعات غرف التجارة البريطانية تُظهر أن 13% فقط من الشركات الأعضاء تعتمد على نظام الهجرة في التوظيف.
وتضيف: “مع ذلك، من الضروري أن يكون نظام الهجرة قادراً على تلبية احتياجات أصحاب العمل الذين يواجهون نقصاً عاجلاً في العمالة. في الوقت الراهن، تؤكد الشركات أن النظام مكلف للغاية، شديد التقييد، ومعقد في الاستخدام”.
كان مكتب مسؤولية الموازنة قد أشار، خلال العام الماضي، إلى توقعاته بأن يبلغ صافي الهجرة 262 ألف شخص في الفترة حتى منتصف عام 2026، مقارنة بتقدير قدمه باوز واعتبره أكثر واقعية عند نحو 47 ألفاً.
يرى بورتيس أن الفجوة البالغة 200 ألف شخص ستنعكس في صورة عجز يتراوح بين 6 و8 مليارات جنيه في المالية العامة.
يضيف أن “المملكة المتحدة استفادت كثيراً عبر عقود من كونها اقتصاداً منفتحاً يستوعب الوافدين لسد فجوات سوق العمل. ما فعلته سياسات المحافظين وحزب العمال هو عكس هذا المسار، وهو أمر لا يقل عن إيذاء للذات”.
من جانبه، يقول جان كريستوف دومون، رئيس قسم الهجرة الدولية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إن الخزانة البريطانية استفادت من وجود المهاجرين حتى بعد احتساب تكاليف استخدامهم لمختلف السلع والخدمات العامة.
تبين تحليلات المنظمة أن المهاجرين العاملين في القطاع الخاص “كان لهم أثر إيجابي على الأجور”، رغم وجود تباينات واسعة بين الصناعات المختلفة.
يقارن دومون بين المسار الذي تسلكه المملكة المتحدة وذلك الذي تتبعه ألمانيا في إدارة ملف الهجرة.
فالمملكة المتحدة، وفق توصيف بورتيس، تتحرك تدريجياً نحو ما يُعرف بـ”نموذج العامل الضيف”، حيث تتضاءل فرص المهاجرين في الحصول على إقامة دائمة أو الاستقرار طويل الأمد.
ورغم أن ستارمر فتح باب النقاش بشأن زيادة أعداد مواطني الاتحاد الأوروبي المسموح لهم بالدخول إلى البلاد ضمن برنامج تنقل الشباب، فإن هذا التوجه لن يترك سوى أثر محدود على إجمالي أرقام الهجرة.
في المقابل، يؤكد دومون أن ألمانيا تسير في الاتجاه المعاكس بشكل واضح، مدفوعة بإدراك متزايد لحاجتها إلى استقدام شباب من خارج البلاد لدعم قاعدة سكانية تتجه بسرعة نحو الشيخوخة.
يشير إلى أن ناخبي حزب “البديل من أجل ألمانيا” يعارضون هذه السياسة، غير أن الأحزاب الرئيسية تتفق إلى حد بعيد على أن استمرار ألمانيا الاقتصادي والاجتماعي بات مرهوناً بجذب مهاجرين جدد.
ويضرب مثالاً بأن ألمانيا، على غرار إسبانيا والنمسا وسويسرا، فتحت برامج التدريب المهني أمام العمالة المولودة في الخارج، إلى جانب التدفق المنتظم لخريجي المدارس الألمان، في وقت تفرض فيه المملكة المتحدة قيوداً تُعد بمثابة حظر فعلي على هذا المسار.
ويختتم بالقول إن النقاش العام كثيراً ما ينصب على التكلفة، بينما تشير البيانات إلى أن المهاجرين يحققون، في المتوسط، إسهاماً يفوق ما يكلفونه الاقتصاد.
إذا ما تحققت التوقعات بوصول صافي الهجرة إلى الصفر، فسيُمثل ذلك مكسباً سياسياً لكير ستارمر، لكنه سيضع رايتشل ريفز أمام تحدٍ مالي مباشر، إذ ستُجبر على احتساب التكلفة بالأرقام الصعبة.








