تتعاون مجموعة بوسطن للاستشارات (BCG)، مع الحكومة المصرية، لإعادة هيكلة عدد من الشركات تمهيدًا لجذب استثمارات جديدة أو طرح حصص منها أمام مستثمرين استراتيجيين، حسبما قال لـ”البورصة” باسم فايق، الشريك والمدير التنفيذي لمكتب الشركة في القاهرة.
أكد فايق، في حواره، أن الهدف الرئيس يتمثل في “تعظيم القيمة قبل الطرح” بما يتوافق مع معايير المستثمرين الدوليين.
وأوضح أن دور الشركة لا يقتصر على تقديم توصيات عامة، بل يمتد إلى إعادة صياغة النموذجين التشغيلي والمالي للكيانات القائمة، بما يشمل إعادة ترتيب الأنشطة، وتحديد مجالات النمو السريع، والتركيز على الأنشطة الأعلى ربحية.
وشبّه العملية بإعادة تصميم شقة قبل بيعها، بحيث يتم تحسين عرض الأصول وإبراز نقاط القوة واقتناص “المكاسب السريعة” التي يمكن تحقيقها خلال فترة قصيرة لرفع القيمة السوقية قبل الطرح أو إدخال شريك جديد.
أضاف أن هذه المقاربة تساعد على تعظيم التقييم النهائي للشركة وتزيد من تنافسية الصفقة في نظر المستثمرين.
وأوضح فايق، أن المعيار الأساسي لاختيار المشروعات يتمثل في القدرة على تحقيق تأثير مالي لا يقل عن 100 مليون دولار، سواء في الأرباح أو في القيمة السوقية لتلك المشروعات، باعتباره الحد الأدنى الذي يبرر الاستعانة بخدمات استشارية من الفئة العليا.
وتابع:«هدفنا دائمًا هو تعظيم الأثر.. إذا لم نرَ إمكانية لخلق قيمة حقيقية بهذا الحجم، فربما لسنا الشريك المناسب»، مشيرًا إلى أن طبيعة الخدمات الاستشارية المتقدمة تتطلب مشروعات كبيرة قادرة على استيعاب هذا المستوى من التأثير.
وكشف فايق أن الشركة شاركت خلال عام 2025 في أكثر من 50 مشروعًا استثماريًا، بتكلفة استثمارية تتجاوز حاجز 9 أصفار دولارية بكثير، وتركزت هذه الأعمال في قطاعات العقارات والطاقة والبنية التحتية والخدمات المالية، سواء لمشروعات قائمة أو استثمارات جديدة محلية وأجنبية.
وأشار إلى أن مكتب القاهرة، الذي تأسس في فبراير 2022 يمثل آلية تعاقد محلية، إذ يتم استقدام الخبرات من شبكة الشركة العالمية التي تضم نحو 30 ألف موظف، وفقًا لطبيعة كل مشروع، سواء من أوروبا أو الخليج أو إفريقيا، مشيراً إلى أن هذا النموذج يتيح الجمع بين فهم السوق المحلي والاستفادة من الخبرات الدولية المتخصصة.
وفيما يتعلق بسوق المال، أوضح فايق أن القيمة السوقية لسوق الأوراق المالية المصرية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي لا تزال منخفضة، وهو ما يعكس وجود مساحة كبيرة للنمو خلال السنوات المقبلة.
واعتبر أن برنامج الخصخصة يمثل الخطوة الأولى لتعميق القاعدة الرأسمالية وزيادة أحجام الشركات المدرجة، بما يسمح بجذب المستثمرين المؤسسيين، الذين لا يقبلون عادة الاستثمار في كيانات صغيرة محدودة السيولة.
وأشار إلى أن زيادة عدد الطروحات وتحسين جودة الشركات المدرجة من شأنه أن يرفع مستويات التداول ويعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.
كما توقع تحسن أداء سوق المال مع اتجاه أسعار الفائدة إلى الانخفاض، موضحًا أن العلاقة العكسية التقليدية بين الفائدة وأسعار الأسهم تعني أن تراجع تكلفة الاقتراض ينعكس إيجابًا على تقييمات الشركات.
وحدد فايق، ثلاثة محاور رئيسية لعمل مكتب مصر، تشمل القطاع المالي، والمشروعات العقارية الكبرى والمدن الجديدة، والاستثمار عبر صناديق الاستثمار أو الطروحات في البورصة.
وفي القطاع المالي، أوضح أن الشركة عملت مع بنوك مملوكة للدولة، وأخرى خليجية لديها تواجد في مصر أو تخطط لدخول السوق، إضافة إلى شركات التكنولوجيا المالية والجهات غير المصرفية الخاضعة لإشراف الهيئة العامة للرقابة المالية.
أضاف أن التركيز في هذا القطاع ينصب على محورين أساسيين، أولهما تسريع تقديم الخدمات عبر التحول الرقمي واستخدام البيانات والذكاء الاصطناعي، بما يقلص زمن الحصول على التمويل بنسبة قد تصل إلى 60–80%، وثانيهما تطوير منتجات مالية جديدة، مثل صناديق الاستثمار والصناديق العقارية (REITs)، لتمكين الأفراد من تنويع أدوات الادخار والاستثمار بعيدًا عن التركيز التقليدي على العقار.
وأشار فايق، إلى أن أحد التحديات التي تواجه القطاع المصرفي ، يتمثل في القيود المرتبطة باستخدام الحوسبة السحابية، ما يدفع إلى البحث عن حلول تعتمد على نماذج لغوية أصغر يمكن تشغيلها داخل البنية التحتية المحلية، بما يسمح بالاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي دون مخالفة الضوابط التنظيمية.
وأوضح أن التهديدات الإلكترونية تطورت بشكل ملحوظ مع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في عمليات الاحتيال، ما يفرض على المؤسسات المالية الاستثمار في أنظمة حماية أكثر تطورًا وتحديث استراتيجيات إدارة المخاطر الرقمية بشكل مستمر.
وفيما يخص قطاع العقارات، أشار فايق إلى أن المجموعة تعمل على مشروعات ضخمة، بعضها يمثل من أكبر تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي شهدتها الدولة.
وأوضح أن دور الشركة يبدأ بتحديد الأسواق المستهدفة، ثم تصميم مزيج الأصول المناسب، وصولًا إلى إعداد خطة الأعمال والخطة المالية.
أكد الشريك والمدير التنفيذي لمكتب مجموعة بوسطن في القاهرة، أن المشروعات العقارية الكبرى لا يمكن أن تعتمد فقط على السوق المحلي، بل تحتاج إلى التوجه نحو أسواق خارجية، خاصة الأوروبية والخليجية، لزيادة حجم الطلب وتعظيم الأثر الاقتصادي، سواء عبر جذب السياحة أو بيع الوحدات للأجانب.
وأشار إلى أن الفترة الماضية شهدت تباطؤًا في بعض الاستثمارات بسبب تحديات العملة، إلا أن السوق بدأ يستعيد نشاطه تدريجيًا، مع تحسن المؤشرات واستقرار الأوضاع نسبياً.
وحول القطاعات الأكثر جذبًا للمستثمرين الأجانب، أكد فايق أن الشركات الموجهة للتصدير تأتي في صدارة الاهتمام، خاصة تلك التي تحقق إيرادات بالدولار أو تمتلك تحوطًا طبيعيًا ضد تقلبات العملة.
وأوضح أن صناديق الثروة السيادية الخليجية جميعها تقريبًا لديها تواجد في مصر، وأن الشركة تعمل معها سواء بشكل مباشر أو عبر شركاتها التابعة.
وأشار فايق، إلى أن الاهتمام تركز خلال الفترة الماضية على العقارات، مع توجه متزايد نحو قطاعات أخرى مثل الخدمات المالية واللوجستيات والطاقة.
ولفت الشريك والمدير التنفيذي لمكتب مجموعة بوسطن في القاهرة، إلى أن الجزء الأكبر من المشروعات الحالية التي تعمل عليها الشركة يتمثل في استثمارات جديدة، مقارنة بصفقات الاستحواذ على كيانات قائمة، ما يعكس رغبة المستثمرين في بناء مشروعات من الصفر للاستفادة من الحوافز المتاحة.
وتوجد مشروعات قيد الفحص النافي للجهالة في القطاع المالي، سواء لعمليات دمج أو استحواذ، لكنها لا تزال في مراحلها الأولى.
وفيما يخص قطاع الطاقة، أوضح فايق أن الشركة تعمل على محورين رئيسيين، الأول مرتبط بتعميق القيمة المضافة في قطاع النفط والغاز عبر توطين بعض المنتجات وتقليل الواردات، والثاني دعم مشروعات الطاقة النظيفة، بما في ذلك الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر.
وأشار إلى إعداد دراسات تتعلق بتوطين صناعة الخلايا الشمسية والمركبات الكهربائية، بما يسهم في خلق سلاسل قيمة محلية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ولفت الشريك والمدير التنفيذي لمكتب مجموعة بوسطن في القاهرة، إلى مساهمة الشركة في وضع الاستراتيجية الخاصة بـ منتدى غاز شرق المتوسط، الذي ينسق بين دول المنطقة في مجالات الاستخراج والنقل والأسواق النهائية للغاز، بهدف تعظيم الاستفادة من الموارد وتعزيز التعاون الإقليمي.
وأوضح فايق أن الشركة كانت شريكًا استراتيجيًا في مؤتمر المناخ COP27 عام 2022، كما شاركت في تنظيم المؤتمر الاستثماري المصري–الأوروبي الذي شهد حضور رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.
وأكد أن هذه المشاركات تعكس دور الشركة في دعم أجندة الإصلاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية، سواء عبر تقديم الرؤى الاستراتيجية أو المساهمة في تصميم مبادرات قابلة للتنفيذ.
واعتبر فايق أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أهم محاور التوسع خلال عام 2026، مشيرًا إلى وجود نحو 3000 متخصص في تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل الشركة عالميًا.
وأوضح أن التطورات المتسارعة في هذا المجال تفرض على المؤسسات إعادة التفكير في نماذج أعمالها، سواء من حيث تحسين الكفاءة التشغيلية أو تطوير منتجات وخدمات جديدة تعتمد على تحليل البيانات المتقدم.
وأكد أن القطاعات ذات الطابع التصديري ستظل الأكثر جاذبية للمستثمرين خلال الفترة المقبلة، في ظل توجه الشركات المصرية لتوسيع حضورها الإقليمي بعد دروس أزمة العملة، وسعيها لتحقيق إيرادات بالعملة الأجنبية.
واختتم فايق بالإشارة إلى أن الحوافز الحالية تركز بالأساس على جذب الصناعات، بينما تمثل المرحلة المقبلة- من وجهة نظره- التوسع في المناطق الحرة الموجهة لتصدير الخدمات، على غرار تجارب مراكز الخدمات المالية في الإمارات والمغرب.
وأوضح أن هذا التوجه من شأنه تعزيز قدرة مصر على جذب شركات تقدم خدمات عابرة للحدود دون قيود لوجستية معقدة، خاصة في مجالات التكنولوجيا والخدمات المالية والاستشارات.
وأكد أن تصميم دراسات الجدوى للمناطق الحرة يجب أن يتم من منظور المستثمر نفسه، وليس فقط من منظور الجهة المطورة، لضمان توافق الحوافز مع احتياجات المستثمرين الفعلية وتعظيم فرص جذب رؤوس الأموال، مشددًا على أن “فهم عقلية المستثمر” يمثل العامل الحاسم في نجاح أي مبادرة لجذب الاستثمارات.
كما لفت إلى وجود شراكة مع اتحاد بنوك مصر، تتضمن تنظيم ورش عمل حول موضوعات تهم القطاع المصرفي، من بينها الأمن السيبراني في عصر الذكاء الاصطناعي.








